مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2020

حِكَم ونفحات فلسفية
كلمات نجوم الفن السابع


عبادة تقلا

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

عند البحث عن فلاسفة شُغلوا بفن السينما وناقشوا قضاياه منذ نشأته الأولى، لا يمكن إلَّا التوقف بكثير من الإعجاب عند الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز (1925-1995م)، الذي تناول السينما في مؤلفيه: “الصورة – الحركة” (1983م)، و”الصورة – الزمن” (1985م)، فناقش مختلف قضاياها، وحلل الخطاب السينمائي الخاص بكوكبة من أشهر المخرجين العالميين من أمثال ايزنشتاين وهتشكوك وفيلليني وغودار، وأكد أن أمثال هؤلاء السينمائيين الكبار هم أشبه بالرسَّامين والموسيقيين العظام، و”في معرض أحاديثهم عن أعمالهم، يصبحون في مرتبة الفلاسفة أو المنظرين”.
افتتح دولوز بآرائه تلك عصراً جديداً للفلسفة، وإن كان نيتشة قد سبقه ورأى أن فيلسوف المستقبل هو فنّان.
تتقاطع رؤية دولوز، مع رؤية المخرج السينمائي الفرنسي جان لوك غودار، الذي رأى أن إبداع المخرج يرتقي به إلى مرتبة الفيلسوف، إذ إنه يعمل على خلق رؤى وتصورات جديدة، يكتبها بواسطة الكاميرا.
ولعل عبارة غودار الشهيرة: “السينما هي الحقيقة، أربعاً وعشرين مرّة في الثانية”، تمثّل نافذة لتأمل طويل في رؤية هذا السينمائي العتيق.
هذان الرأيان المهمان حول مكانة المخرج السينمائي، يدعمهما الممثل والمخرج البريطاني لورانس أوليفييه الذي يؤكد أن السينما هي فن المخرج، وبالتالي هي ميدانه الأهم لطرح رؤاه وأفكاره، بينما المسرح هو فن الممثل، والتلفزيون هو فن النص.
ولكن لا يبدو أن هذا الشرف الفلسفي حكر على المخرجين، فالذكاء والحكمة يغدقان عطاياهما أيضاً على الممثل السينمائي. على عكس ما تراه الممثلة والمخرجة المسرحية الروسية إيلينا تشورنايا، التي كانت في كل حصّة دراسية، تعيد على مسامع الطلاب عبارتها الأثيرة: “لا بدّ للمخرج أن يكون ذكياً. ألا يكفينا أن معظم الممثلين حمقى؟”.
فبالتنقيب في سطور حوارات بعض نجوم السينما العالمية، والاستماع إلى لقاءاتهم المتلفزة وحكاياتهم المختلفة، وآرائهم بعيداً عن أدوار الشخصيات التي يؤدونها على الشاشة، تستوقفنا عبارات وآراء مدهشة في لمعانها إلى درجة الشعور أننا في حضرة فلاسفة من نوع خاص، والقناعة أن الرؤى الفلسفية تعمّ معظم صنَّاع الفن السابع، وأن عبارات ممثلين كثر، لا تقل عمقاً وذكاء عمّا قاله المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني: “عندما تنظر إلى الأشياء بعينين بريئتين، سترى أن كل شيء سماوي”. أو ما قرَّره السينمائي البولوني آندريه فايدا “على المخرج أن يتصف في الوقت نفسه، بنفَس الشاعر، وقوة وإصرار الرقيب في الجيش”.

السينما هي الحقيقة، أربعاً وعشرين مرّة في الثانية.
المخرج السينمائي الفرنسي جان لوك غودار

عندما تنظر إلى الأشياء بعينين بريئتين، سترى أن كل شيء إلهي.
المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني

“الموهبة تكمن في حُسن الاختيار”
من أبرز الممثلين الذين خرجوا من تجاربهم بانطباعات وأفكار لافتة في تميزها، نذكر الممثل روبرت دي نيرو. ففي الحديث عن الموهبة التي هي موضوع خالد في عالَم الفن، يقول دي نيرو: “الموهبة تكمن في حُسن الاختيار”. 
وحول ما تأتي به الشهرة، يقول: “أصعب ما في حياة الشهرة أن الناس لطفاء معك دائماً. فعندما تخوض أي محادثة، يوافقك الجميع على ما تقوله، حتى لو كنت تقول شيئاً أحمقَ تماماً. أنت بحاجة إلى الناس الذين يستطيعون أن يقولوا ما لا تريد أن تسمعه”.
ويضيف: “هناك انطباع شائع أنني لا أستطيع ترك بيتي دون أن يلاحقني الناس ويسببوا لي إزعاجاً ما في الشارع. في الحقيقة أنني أخرج في أوقات فراغي، أقابل الناس من أجل تناول الغداء أو أصطحب أولادي إلى المتنزّه. لا أعتقد أنني فاتن بما فيه الكفاية من أجل هوليوود!”. وفي هذا إعلان مبطّن عن أن هوليود تنبهر بالجَمال وحُسن الشكل أكثر من الموهبة. 
وإن حدثه أحدهم عن الاستراحة وسط كدّه في العمل، سارع إلى الإدلاء بقناعته: “ستملك وقتاً كافياً لتستريح عندما تموت”.

أصعب ما في حياة الشهرة أن الناس لطفاء معك دائماً. فعندما تخوض أي محادثة، يوافقك الجميع على ما تقوله، حتى لو كنت تقول شيئاً أحمقَ تماماً. أنت بحاجة إلى الناس الذين يستطيعون أن يقولوا ما لا تريد أن تسمعه.
الممثل روبرت دي نيرو

على المخرج أن يتصف في الوقت نفسه، بنفَس الشاعر، وقوة وإصرار الرقيب في الجيش.
السينمائي البولوني آندريه فايدا

“الرغبات والحقائق مسألة عمر”
الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو الذي سرق الأغنياء في طفولته ولم يقترب من الفقراء، يرى أن الغنى الحقيقي هو ما تأتي به الحياة. ويستشهد برأي كريستوف كولومبوس القائل: “إن المال لا يصنع منك رجلاً غنياً، بل يزيدك هموماً”.
يسألونه عن الممثل الجيِّد، فيجيب إنه ذاك “الذي عاش طويلاً”. وهو يؤكد بذلك على دور الخبرة في النجاح، ويرى أن الإنسان في العشرين من عمره، يضيّع الحقيقة، كونها تختفي وراء رغباته الكثيرة، ولكنه بعد الأربعين يرى حقائق واقعية وهشة: القدرات والإخفاقات.
جمعته السينما في عام 1980م مع مواطنته، الممثلة كاترين دونوف، فتقاسما بطولة فلم “الميترو” الأخير، للمخرج الفرنسي فرانسوا تروفو. فأطلق بعد سنوات عبارته الشهيرة “كاترين دونوف، هي الرجل الذي أحببت دائماً أن أكونه”.
يشبه في طباعه نجمة الغناء الفرنسي إديث بياف، إذ إنه يتصرَّف في كل شيء ببذخ وإفراط، لكنه فلاح حقيقي. فإن اشترى قطعة أرض، لا يقدر على بيعها ثانية، لأنه إن فعل، “شعر أنه يقطع شيئاً من جسده، أو كأنما خطف ولده منه”.
على أرض الواقع، خطف الموت ابنه غييوم، الذي شاركه التمثيل في فِلْم “كل صباحات العالم”، وفارق الحياة في عام 2008م ، بعد علاقة متوترة جداً، اعترف الأب بأخطائه فيها، وردَّد:” كل الأهالي يرتكبون الأخطاء مع أولادهم؟ أليس كذلك؟”

إن الممثل الجيِّد، هو ذاك الذي عاش طويلاً.
الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو

إن المرء يكون في شبابه متهوراً جداً، ومن ثم يصبح محافظاً، ليعود إلى تهوره مرَّة أخرى، مع التقدُّم في العمر.
الممثل الأمريكي كلينت إيستوود

الشيخوخة.. مسألة قرار
ومن الموضوعات التي تستأثر باهتمام خاص من الممثل الأمريكي كلينت إيستوود الشيخوخة. ولا غرابة في ذلك. فالرجل الذي بلغ التسعين من عمره يقول: “إن المرء يكون في شبابه متهوراً جداً، ومن ثم يصبح محافظاً، ليعود إلى تهوره مرَّة أخرى، مع التقدُّم في العمر”.
ويرى إيستوود أن الشيخوخة ممتعة إذا استلقى الشخص وقرَّر الاستمتاع بها. ويتحدث عن مخرج برتغالي، يصنع الأفلام وعمره مئة وأربع سنوات، ويردِّد كلمات صديق في التسعين ويبدو في حال جيدة، وعندما يُسأل عن السبب يقول: “لا تسمح للرجل المسن بالوصول إلى داخلك”.
يقول إيستوود، الذي منع الرجل المسن من المسّ بحيويته وعزيمته: “نحن نُمنح حياة واحدة فقط، لذلك يتوجب علينا بذل كل جهدنا فيها. مبدئي الأساسي أنني مسؤول عن كل شيء في حياتي، وهو ما يسهّل الأمور عليَّ، ويمنحني السيطرة على المواقف. فإذا تأخرت، فليس بسبب المرور، بل لأنني لم أستطع الاستيقاظ قبل ثلاثين دقيقة”.
ويضيف: “ما تضعه في الحياة، هو ما يخرج منها، عندما تؤمن أنها ستمطر، فهي ستفعل ذلك”.
كما يقول: “أنا غير مؤمن بالتشاؤم. لو جاءت النتيجة عكس توقعك أعد المحاولة مرَّة أخرى”. 
وعند سؤاله عن مفهوم العبقرية، أجاب: “لم أقابل أبداً أي شخص عبقري. فالعبقري بالنسبة لي، هو شخص يقوم بعمل جيِّد في شيء يكرهه. يمكن لأي شخص القيام بعمل جيِّد في شيء يحبه”.

للأفكار أجنحة لا يستطيع أحد منعها من الوصول إلى الناس.
المخرج يوسف شاهين

الموهبة وحدها لا تكفي، ولكنها تحتاج إلى التخطيط السليم والذكاء الاجتماعي لمواصلة النجاح.
الممثل نور الشريف

السينمائيون العرب
بين حقيقة هذا الفن ومقوِّماته

ومن عند صنّاع السينما العربية تستوقفنا مجموعة وجهات نظر وأفكار تركِّز بشكل خاص على حقيقة الفن السينمائي ومقوماته. فالمخرج والممثل العراقي قاسم يميِّز الفن السابع عن غيره بالقول: “يمكن للفنان التشكيلي أن يرسم لوحاته بعيداً عن وطنه، وكذلك الشاعر والروائي، لكن السينمائي يحتاج إلى وطن”.
والمخرج يوسف شاهين الذي كان يرى أنه أخذ من السينما بقدر ما أعطاها وأن تلك الرحلة الطويلة تستحق كل ما قدَّمه من أجلها، كان يردِّد باستمرار أن “للأفكار أجنحة لا يستطيع أحد منعها من الوصول إلى الناس”. 
وفي الحديث عن الأفكار، يقول الممثل والمخرج الفلسطيني إيليا سليمان إن الأفكار تأتيه من تلقاء نفسه، وليس هو من يقود الإلهام. واللافت أن الرجل مغرم بالصمت في أفلامه، لأنه يقرّبه من أشياء وجودية ويحفّز على التساؤل عن معنى الحياة، ويذكره بأنه لا يملك الزمن: “الصمت يقرّبنا دائماً إلى حقيقة أننا زائلون”.
ولمناسبة الحديث عن الزمن، يمكننا أن نورد هنا ما كان يقوله السينمائي السوري محمد ملص بشاعرية غامضة: “أما في ما يخص الوقت وكيف يعاش، فقد غدا الزمن وقتاً يصيبنا بسكاكينه، ويبدِّدنا قطعاً متناثرة، ثم يغرقنا في مستنقع من التشظي إلى حد الاختناق”.
أما عن دور الموهبة، فللممثل نور الشريف وجهة نظر تبدو في جانب منها “كليشه” مكرراً عندما يقول: “الموهبة وحدها لا تكفي، ولكنها تحتاج إلى التخطيط السليم والذكاء الاجتماعي لمواصلة النجاح”. ولكنه يفاجئنا بتعميق مضمون قوله هذا عندما نراه يدعو النقاد إلى الوقوف إلى جانب الفنان “الموهوب الغبي”.
وكثيراً ما يخرج السينمائيون باستنتاجات لافتة من البيئات الاجتماعية التي يعملون عليها. ونذكر من هؤلاء المخرج رضوان الكاشف، الملقَّب بفيلسوف السينما. فالكاشف ابن سوهاج، خرج من دراسة نساء بيئته، بطلات أفلامه بخلاصة مفادها أن “المرأة وخاصة في المجتمعات المنغلقة، تحمل سراً كبيراً. وذلك الغموض الذي يغلّف حياتها، هو غموض أقرب إلى الفن، من التصريح الذي عند الرجل”. ويؤكّد عاشق جذوره أن “الصعيد صاحب ثقافة محاصرة. فالقاهرة تفرض على الجميع أن يشبهها. حتى اللهجة تروّض حتى تكون قابلة للفهم في المدينة، فتفقد أسرارها من كونها وعاء للمشاعر والثقافة”.
ونختتم هذه الطائفة من الأقوال المأثورة للسينمائيين العرب مع المخرج السوري نزيه الشهبندر المتوفى عام 1996م، الذي أوصى المخرج الذي صنع عنه الثلاثي عمر أميرالاي، محمد ملص وأسامة محمد، الفلم الوثائقي المميز “نور وظلال”. ففي هذا الفلم، يوصي الشهبندر ألا تباع آلاته السينمائية، بل “أن تموت في الغبار كما سيموت هو.. فكل شيء يُنسى مصيرُه الموت”.


مقالات ذات صلة

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟

يُفاجأ الذي يدلف إلى محترف الفنّان التشكيلي السّوري سعود العبدالله، في العاصمة الأردنية عمَّان حيث يقيم، بحجم تلك السّكينة التي تجلّل المكان. صالة واسعة بأثاث بسيط ومتناسق، طاولة ومزهريّة من الورد، عود يرتاح على أحد المقاعد، ومجموعة من اللوحات يطغى عليها موضوعان: الطبيعة الموشومة بالكثبان والعامرة بالحياة بكل ما فيها، والمرأة التي كان لها النصيب الأكبر من الحضور.


0 تعليقات على “كلمات نجوم الفن السابع”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *