مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2019

طريق من الأرض إلى القمر


وسام بشير

جارنا القمر مهمٌ جداً لنا من نواحٍ كثيرة، منها على سبيل المثال استخدامه محطةً ثابتةً تتيح لنا في المستقبل، الانطلاق منها إلى الفضاء الواسع. كما أنه يمكن أن يكون مصدراً ثميناً لبعض المواد النادرة على الأرض، مثل الهيليوم، الذي ربما يكون المصدر الأساسي للطاقة النظيفة في المستقبل. لذلك يُعدُّ الوصول إليه بسهولة مسألةً مهمة لمستقبل البشرية. ومن الأفكار المطروحة في هذا المجال، طريق يوصل الأرض بالقمر!

تمكّن الإنسان من الطيران فوق الأرض في عام 1903م، ولكن معظم الطائرات النفاثة اليوم لا تتمكَّن من التحليق على ارتفاع يتجاوز 15 كلم، إذ لا يعود في تلك الأعالي ما يكفي من الأوكسجين لحرق الوقود في محركاتها والحفاظ على تحليقها. ولكن الخروج إلى الفضاء يحتاج إلى التحليق 100 كم فوق الأرض، وهو ما يسمى أحياناً “خط كارمان”.
لتجاوز هذه العقبات، طوَّر العلماء الصواريخ التي تحمل أقماراً اصطناعية وغيرها إلى الفضاء. وهي عبارة عن مركبات تعمل بالطاقة النفاثة وتحمل إمدادات الأوكسجين الخاصة بها. إنها بحاجة إلى سرعة كبيرة وكمية هائلة من الطاقة للتحرر من قوة الجاذبية ومنعها من العودة إلى الأرض مثل الحجارة المتدحرجة. هذه السرعة والطاقة الهائلة تعني أن على المحركات الصاروخية توليد قوة هائلة تعادل قوة دفع 10,000 سيارة على الأرض تقريباً.
يتطلَّب كل ذلك إمكانات مادية وجهوداً مضنيةً، ولتلافي هذه التكلفة والمشقات الكبيرة، يفكر العلماء في بناء طريق دائمة بين الأرض والقمر على شكل كابل كربوني شبيه من ناحية بفكرة “مصعد الفضاء”. ويمكن لهذا المصعد أن ينقل الناس والمعدات خارج الغلاف الجوي للأرض بسهولة أكبر. لأن هذا المفهوم قد أصبح، من الناحية النظرية على الأقل، قابلاً للتطبيق مع تقنيات اليوم.

انطلاقاً من فكرة المصعد الفضائي
هذا المصعد تخيله العالم الروسي قسطنطين تسيولكوفسكي في عـام 1895م، عندمـا رأى لأول مرة برج إيفل، واقترح أن يكون ارتفاع المصعد المتخيل 18,500 كم، ليصل إلى المدار الأرضي المتزامن. ففي هذا المدار يصبح دوران أي شيء، بنفس اتجاه دوران الأرض، من الغرب إلى الشرق وبنفس سرعة دورانها، فيصبح وكأنه ثابت وغير متحرك بالنسبة للأرض.
كذلك اقترح أرثر كلارك، في روايته “ينابيع الفردوس”، 1979م برجاً يصل إلى المدار الأرضي المتزامن. لكن العلماء بعد ذلك، خاصة علماء اليوم، لم يأخذوا بهذه الأفكار لسبب بسيط وهي أنها ستنهار بفعل وزنها. واقترحوا بديلاً عنها كابلاً رفيعاً مصنوعاً من مواد قوية جداً وخفيفة الوزن في الوقت نفسه. ويمكن تثبيت الأشياء إلى هذا الكابل التي ستتحرك بفعل ما يعرف بـ “حقل الجاذبية الظاهر”. وهو حاصل جمع قوة الطرد المركزية نحو الأعلى، بفعل دوران الأرض، وقوة جاذبية الأرض الحقيقية نحو الأسفل.
ولكن بدلاً من بناء مصعد للفضاء من الأرض، كما اقترح تسيولكوفسكي أو برج كما اقترح كلارك، لماذا لا يتم إنشاء خط فضائي يبدأ من القمر نزولاً إلى الأرض؟ كما يقول عالما الفيزياء الفلكية زفير بينوير من جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة وإميلي ساندفورد من جامعة كولومبيا في نيويورك.
فاستناداً إلى حساباتهما، إن مثل هذا البناء ممكن تقنياً واقتصادياً باستخدام الأدوات والمواد الموجودة لدينا اليوم، وهو الأمر الذي لم يكن بالإمكان قوله عن مفهوم “مصعد الفضاء” القديم والبرج في رواية كلارك.
لقد وجدا أن موادَ مثل “الزيلون”، وهو كربون بوليمر، يسمح لنا ببناء كابل بين القمر والمدار الأرضي المتزامن والثابت بالنسبة للأرض. وبذلك سيكون على مسافة آمنة من الأرض، وعلى بُعد حوالي 362,000 كيلومتر من القمر، وهكذا يمكن تجنُّب ملامسة الأقمار الاصطناعية والاصطدام بها. وأشار الباحثان إلى أن الكابل قد يكون بسماكة قلم الرصاص لكنه يكلف مليارات الدولارات.
تكمن الفائدة من وجود مسافات طويلة فوق مصعد الفضاء في أنه يدور حول الأرض مرَّة واحدة في الشهر فقط – لأنه سيكون مرتبطاً بالقمر، وليس بالأرض – وهذا يعني تقليل الضغط الناتج عن قوى الطرد المركزي.
فإذا انطلق هذا الكابل من الأرض صعوداً إلى القمر، ستؤدي قوة الجاذبية الأرضية وسرعة دورانها إلى إتلاف الكابل قبل اكتماله. ويقول الباحثون إن خطر انهيار الكابل الكارثي، هو أقل عندما يرتبط الكابل بالقمر فقط.
وستصبح عند ذلك الرحلة إلى القمر منطلقةً من الارتفاع الصحيح، عند نهاية كابل الفضاء، حيث تستخدم الدفع الشمسي للتنقل على طول الكابل إلى “نقاط لاغرانج”، حيث لا توجد جاذبية ولا أي تداخل فيزيائي آخر. ومن ثم يتباطأ للهبوط على سطح القمر.
تبقى هناك مشكلة توفر المواد بكميات كافية لصنع الكابل. فخلال البحث، لاحظت إميلي ساندفورد، أن الأنابيب النانوية الكربونية ستكون أفضل مادة يمكن استخدامها، ولكن التكنولوجيا الحالية لا تسمح لنا ببناء كابل بهذا الطول. إن الأمر كله منوطٌ بإيجاد هذه المادة القوية لصنع كابل بهذا القياس. وفي ما يتعلق بالشكل، فقد تحقق الباحثان من عدد من الأشكال، وتوصلا في النهاية إلى كابل يكون ضيّقاً للغاية عند طرفيه، لكي لا ينهار تحت ضغط الجاذبية، ولكنه سميك في المنتصف لمنع انجذابه.
فإذا نجح كل ذلك وظهر كابل من هذا النوع، فإن الباحثين يتصوران أن البشرية ستستخدمه مستقبلاً كحبل للتلسكوبات المدارية ومراكز البحوث والمرافق الأخرى التي يمكن أن تحوم عند “نقطة لاغرانج”، الارتفاع الذي تتساوى فيه قوة الجاذبية بين القمر والأرض. وسوف تنخفض كمية الوقود اللازم للوصول إلى سطح القمر إلى ثلث القيمة الحالية تقريباً، كما يتصور هؤلاء العلماء.
ويقول بينوير، “يصبح الخط جزءاً من البنية التحتية، يشبه إلى حد كبير السكك الحديدية القديمة. فتصبح حركة الناس والإمدادات على طولها أبسط وأسهل بكثير من نفس الرحلات بالطريقة المتبعة اليوم”.
إن نقطة لاغرانج بعد بناء هذا الكابل ستكون المكان المثالي للبناء. وسوف يصبح بإمكاننا إرسال معدَّات ومواد عبر هذا الخط، وتجميعها في مستعمرة متنامية باستمرار. وستكون بمثابة محطة يستعملها أهل الأرض للانطلاق وتحقيق أحلامهم القديمة بالسفر بين الكواكب والنجوم.


مقالات ذات صلة

ماذا يفعل الفلاسفة في وادي السيليكون بجانب مديري غوغل وأبل ومايكروسوفت وفيسبوك وغيرها؟ نحن نعلم ومنذ فترة طويلة، أن هناك مستشارين فنيين واجتماعيين ونفسيين في إدارات هذه الشركات، المفاجئ اليوم أن هؤلاء المديرين يتوجهون بشكل متزايد إلى “الفلاسفة العمليين”. فَثَمَّة أسماء عديدة معروفة بتخصصها الفلسفي تعمل في شركات التقنية في وادي السيليكون؛ منهم أندرو تاغارت، […]

من السذاجة أن يعتقد الإنسان أنه بتقليص بعض عضلات وجهه يستطيع أن يخادع الآخرين. أما المقولة العربية المأثورة “لو كان للنوايا لسانٌ لما بقي صديقان على وجه الأرض”، فلم تعد لها مكانٌ في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ أصبح للنوايا أكثر من لسان. تنطوي الابتسامة الحقيقية على تغيير ملامح الوجه بأكمله، وعلى وجه الخصوص عضلات الخد […]

لاحظ علماء الفلك في عام 1845م، أن كوكب أورانوس يتحرَّك بشكل شاذ لا يتوافق مع قانون نيوتن للجاذبية. وبعد حسابـاتٍ مختلفة واستخدام كثير من الورق وأقلام الرصاص، اقترح عالمان هما أوربان لوفيريي وجون آدمز أن حركة أورانوس الشاذة يتسبب بها كوكب جديد لم ينتبه إليه أحد من الفلكيين. ثم أوعز العالمان إلى المراصد الفلكية أن […]


0 تعليقات على “طريق من الأرض إلى القمر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *