سلمى الراضي – مجلة القافلة

مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو - يونيو | 2018

سلمى الراضي ومدرسة العامرية في اليمن


محمد محمد إبراهيم

سلمى الراضي

تؤكد المراجع التاريخية أن السلطان عامر بن عبدالوهاب بن داوود الطاهري الذي حكم اليمن ما بين العامين 1489-1517م، حشد أمهر العقول والمهن المعمارية والهندسية والعلمية، لبناء مدرسة العامرية، في العاصمة اليمنية آنذاك “رداع”.

واليوم، ومن أعلى «قلعة رداع» الواقعة على بُعد 500 متر تقريباً، تبدو مدرسة العامرية تحفةً معمارية نادرة، يملأ سطوع قبابها ومهابة اكتمالها فضاء المدينة. مبنى فخم مستطيل التصميم والشكل الهندسي، يتكوَّن من طابقين أساسيين متوجين بطابق ثالث مؤلف من كتلتين معماريتين هائلتين، الأولى: من الناحية الشمالية وتضم ست قبــاب ناهدة نحو السمـاء، والثانية مقصورتان معماريتان كبيرتان، وتسمى “قصر المقام”.
وتتجلَّى رهبة التفاصيل والتقاسيم الداخلية للمبنى، من لحظة ولوج الزائر من الباب الخشبي الكبير المفتوح على ممر حُمّل سقفه على خمسة عقود ضخمة. وبين كل عقد وآخر تتساوى مساحات شبه مستطيلة، تستخدم كقاعات محكمة ومناسبة للدروس، وتقع، إلى يمين الداخل إلى الممر من الجنوب. وإلى يساره وأمامه، نحو 22 غرفة فتحت أبوابها إلى خارج المدرسة شرقاً وشمالاً وغرباً.. وتستخدم سكناً للطلبة والمعلمين.. ومن الناحية الغربية لقاعات الدرس (أي خلف الغرف التي فتحت أبوابها غرباً) توجد غرف استحمام بخارية سميكة الجدران الملساء تحكي قصة المياه الكبريتية التي كانت تستخدمها المدرسة وتأتي من عيون ماء غرب المدرسة، طمسها الجانب الحضري للمدينة.
ويتكوَّن الطابق الثاني من أربعة أروقة تتلاقى حول باحة مكشوفة السقف، ومصلّى، وتعلوه ست قباب شاهقة مزدانة بالنقوش والزخارف الإسلامية الجامعة المانعة، وبألوان حيَّرت الباحثين، الذين أكدوا أنها كانت تحضر من أوراق ولحاء الشجر، لكنهم عجزوا عن تحديد طريقة التحضير، التي جعلت من الألوان حافظاً لبريقها رغم مرور خمس مئة عام عليها.
وقد تعرَّض هذا الصرح العمراني بعد زوال حكم بني طاهر للإهمال ومحاولات الطمس. وعاشت المدرسة فترة مظلمة، فطمرت طبقات النورة تلك الزخارف نهائياً، وانتشرت مخلفات البناء العشوائي في جوارها وقضت على جمال ومهابة المدرسة التي لم يتبقَ منها سوى “بيت الصلاة”.

لوحة مدهشة في تجويف إحدى القباب الست

ترميم العامرية.. قصة نجاح
المهندسة المعمارية الدكتورة سلمى سليم الراضي عالمة آثار عراقية ولدت ببغداد عام 1939م، وتنقلت في طفولتها وصباها بين بلدان كثيرة بحكم عمل والدها سفيراً. وتخرجت في جامعة كامبريدج التي درست فيها الآثار واللغات السامية القديمة، ثم نالت الماجستير من جامعة كولومبيا الأمريكية، ولاحقاً الدكتوراه من جامعة أمستردام في هولندا.
عملت الراضي في كثير من المواقع التاريخية في بلدها العراق، وأيضاً في سوريا وتركيـا، ولبنــان، والكويت، ومصر، بالإضافة إلى اليمن الذي زارته في أوائل سبعينيات القرن الماضي، حيث أسهمت في المرحلة التأسيسية والتطويرية للمتحف الوطني اليمني.

أعلى «قلعة رداع» المنتصبة شمال شرق المدرسة -على بُعد 500 متر تقريباً- تبدو مدرسة العامرية تحفةً معمارية نادرة يملأ سطوع قبابها ومهابة اكتمالها اتساع المدينة

وفي عام 1977م، حملتها الصدف إلى زيارة مدرسة العامرية لأول مرة. ومنذ اللحظة الأولى، أدركت الراضي أن كنزاً ومأثرة نادرة تحت ذلك الركام. فبادرت من تلقاء نفسها إلى إجراء الدراسات الأولية العاجلة للعامرية، وقدّمت تصوراً شاملاً عن مشروع ترميم هذا المَعْلَمْ النادر، وتكلفته وما يتطلبه من جهد ومال ووقت.. ووظفت علاقاتها المهنية والعلمية فاندفعت إلى هولندا وإيطاليا وأمريكا وإلى المنظمات الدولية المهتمة بالتراث العمراني الإنساني، باحثة عن الدعم اللازم والكافي لإنجازه.
وفي عام 1982م، بدأت مراحل التنفيذ بتنظيف عام للمدرسة على المستوى الداخلي والخارجي، لكثرة ما تراكم عليها من مخلفات وصل ارتفاعها في بعض الأماكن إلى ثلاثة أمتار، وتمت الاستعانة بخبرات محلية إلى جانب الخبرات العلمية الأجنبية، حيث عمل في المراحل التنفيذية ستون حِرَفياً محلياً، وتم استخدام تقنيات ومواد بناء تقليدية. ولعب المشروع دوراً كبيراً في تأهيل كوادر وطنية في مجالات الترميم وإعادة التأهيل. وشاركت الراضي بشكل مباشر في عمليات الترميم وإعادة البناء وتنظيف النقوش والزخارف. كما درَّبت ستة فنيين يمنيين في مجال الحفاظ على الرسوم الجدارية.

قباب العامرية الست

أهدت الدكتورة سلمى الراضي كتابها «قصة مدرسة العامرية»:”إلى البنّاء اليمني الأسطى “عزي محمد”، الذي قالت عنه: إنه «يملك في يديه ورأسه خبرة أجيال متعاقبة، ولولاه لانتهى المبنى إلى كارثة».. ذكرته بصفته (الأسطى) باللهجة اليمنية أي المعلم أو (البنّاء)، فيما لفظ “عزي” يطلق دائماً على من اسمه (محمد) كجانب من الاعتزاز في عرف وثقافة صنعاء وأسرها المشهورة.. واضعةً هذا البنّاء في صدارة أبرز الحرفيين الذين شاركوا بفاعلية في إحياء مدرسة العامرية ميزانية كبيرة لتنفيذ مراحل المشروع، الذي جرى تدشينه في عام 2005م بحضور رسمـي، وإعلامي عربي وعالمي كبيرين.
وفي عام 2007م أعلنت مؤسسة الآغا للعمارة الإسلامية فوز سلمى الراضي وفريقها الهندسي والتنفيذي بجائزة الأغا في دورتها العاشرة 2005-2007م، عن مشروع ترميم “مدرسة العامرية كأهم مشروع ناجح في شبه الجزيرة العربية، حافظ على هوية الطراز المعماري القديم الحافل بالتنوع حدّ التعقيد”. لتُرشّح مدرسة العامرية للإدراج ضمن قائمة مواقع التراث العالمي..
ختاماً، نشير إلى أن المعمارية وعالمة الآثار سلمى الراضي كانت عضواً في لجنة جائزة الآغا خان لتقييم ترميم الآثار الإسلامية، ومنها جسر موستار في البوسنة، والمركز التاريخي لبخارى في أوزبكستان. وكانت مستشارة لصندوق الأمير كلاوس في هولندا، وعضواً في مجلس إدارة معهد غيتي.. وعملت في معهد جامعة نيويورك للفنون الجميلة بدرجة باحث مشارك.. وتوفيت -رحمها الله- في الولايات المتحدة في 17/9/2010م.

 


مقالات ذات صلة

برز فنُّ المقامة مرافقاً ومتأثراً بانتشار الخطابة وكتابة الرسائل وتدوين الأمثال ونقل الأخبار. وكانت البداية الجلية للمقامات على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري الذي شهد تمازجاً حضارياً واسعاً، وسط مجتمع إسلامي مترامي الأطراف، تحوَّل قاطنوه إلى سكان مدن، بما يعنيه ذلك من تبدل اجتماعي. فلم يعد التأليف على نهج قديم هو الساري، […]

برز في السنوات الأخيرة اهتمام بعض دور النشر الفرنسية بترجمة مختارات من الروايات السعودية المعاصرة، إلى جانب غيرها من الروايات العربية. ورغم النجاح الذي حققه بعضها، فإن التدقيق في المدى الذي بلغه هذا الاهتمام، يؤكد أنه لا يزال دون ما تلقاه الروايات المعاصرة العائدة إلى ثقافات عديدة أخرى. فالرواية السعودية، كما هو حال الرواية العربية […]

في كتابه البيان والتبيين يتعرّض الجاحظ إلى مسألة اللثغ. فأتى على ذكر الحروف التي تدخلها لثغة، ولم يكن ما ذكره من باب دراسة لغوية أو ما يشابهها، بل كان أكثر من باب الملاحظة الفذّة والتعليق الساخر اللمّاح؛ فالجاحظ، كما هو معروف، كان ناقداً وأديباً ومصوراً لا يُفوّت تعليقاً ظريفاً أو نكتة ينثرها أينما كان. قال […]


0 تعليقات على “سلمى الراضي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *