مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

“زفرَ فبَرْبر ثمّ زأرَ فجَرجرَ”


نجاح طلعت

تنبّه علماء العربية القدماء إلى ظاهرةٍ في اللغة العربية أسموها “مناسَبَة الألفاظ للمعاني”، فقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: “وكأنّهم توهّموا في صوت الجُندب استطالةً فقالوا “صَرَّ”، وفي صوت البازي تقطيعاً فقالوا: صَرْصرَ”.
ولاحظوا من هذا القبيل أيضاً أنّ المصادر التي جاءت على وزن فَعَلان، مثلاً، تدلّ على الاضطراب والحركة نحو: غَثَيان، غَلَيان، نقَزان… ولاحظوا أنّ المصادر الرُّباعيّة المضَعفّة تدلّ على التكرار نحو: الزَعْزعة، والقلْقَلَة، والجَرْجَرَة، والقَرْقَرَة… وغير ذلك من حكاية الأصوات.
ولعلّ من أفضل الأمثلة على أنّ لأصوات الحروف في اللغة العربيّة وقعاً وتأثيراً خاصاً في السمع والنفس ما ورد في وصف الأسد لأبي زُبَيد الطائيّ، وكان ذلك عندما سأله الخليفة عُثمان بن عفّان -رضي الله عنه- عن سبب إكثاره من الحديث عن الأسد في مجالسه وفي أشعاره. فقصّ عليه قصّة طلوع الأسد من وادٍ عليه هو وصحبه، وفتكه بأحدهم؛ وأفصح عن أنّ ذاك الخوف من الأسد ما زال يتجدّد ويتردّد في قلبه. وفي الفقرة الآتية نجتزئ بعضاً من قصّة أبي زبيد، حيث أتى وصفه للأسد عجيباً في مؤثّراته السَمعية والبَصريّة اللغوية، مما حمل الخليفة على إسكاته ممازحاً!! وإخبار الحادثة موجود في كتاب الأغاني وقد اجتزأنا منه الفقرة الآتية:
“….. فما لبثَ أقصى الخيلِ أنْ جالَ، ثم حَمْحَمَ فبالَ، فتضعضعت الخيلُ، وتكَعْكعت الإبْلُ، وتقهقرت البِغال، وأقبل أبو الحارث من أُجمته، فضرب بيده فأرهَجَ، وكشَّر فأفرجَ عن أنيابٍ كالمعاولِ مَصقولة، غير مَفلولة، وفمٍ أشدَقَ كالغار الأجوف؛ ثمّ تَمطّى فأسرع بيديه، وحَفزَ وِركَيْهِ بِرجليه، حتى صار ظلّه مِثْلَيْهِ؛ ثمّ أقْعى فاقْشعَرَّ، ثمّ مَثَلَ فاكفهَرَّ، ثمّ تجهَّم فازبأرَّ. فلا، والذي بيتُه في السّماء، ما اتّقيناه إلّا بأوّل أخٍ لنا من فزارة، كان ضخم الجُزارة، فوَقصَهُ ثم نفَضَهُ نَفْضةً فقَضْقَض مَتنيه، فجعل يَلَ في دمه. فهَجْهَجْنا به، فكَرَّ مُقشَعرّاً بزُبْرَتِه، ثم نهَمَ ففرْفَرَ، ثم زفَرَ فبَرْبَرَ، ثم زَأرَ فجَرْجَرَ، ثمَّ لَحَظَ، فوالله لخِلتُ البرقُ يتطايرُ من تحتِ جُفونه، مِن عن شماله ويمينه، فأُرعِشَت الأيدي، واصْطكَّت الأرجل، وأَطَّت الأضلاع، وارتجَّت الأسماع، وشَخصَت العيون، وتَحقّقت الظّنون، وانْخزلتِ المُتون….

فما كان من الخليفة عثمان -رضي الله عنه- إلا أن صاح به: اسكتْ! قطعَ الله لسانك! فقد أرْعَبت قلوبَ المُسلمين!.


  • أبو زبيد الطائي: شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وكان قد لقي الأسد بالنَجف، فانطبعت صورته في نفسه فلم يفتأ يذكر الأسد في قصائده.
  • أبو الحارث: الأسد
  • أرهج: أثار الغبار.
  • حفز: دفع.
  • مثَل: قام منتصباً.
  • ازبأرّ: نفش شعره.
  • ضخم الجزارة: عظيم الجسم.
  • وقصه: دق عنقه.
  • قضقض متنيه: كسر متني ظهره
  • هجهجنا به: زجرناه
  • الزُبرة: الشعر المجتمع بين كتفي الأسد.
  • نهم: أخرج صوتاً كالأنين.
  • بربر: صاح.
  • جرجر: ردّد صوته في حنجرته.
  • أطّت الأضلاع: صوّتت.

مقالات ذات صلة

ثمــة أفـلام في السينمـا السعوديــة الحديثــــة لا يمكن تجاهلها، رغم ما قد يشوبها من تحفظات على السيناريو أو مآخذ على اللغة السينمائية أحياناً، وإن كان يصعب الحكم عليها بمقاييس سينمائية خالصة كتلك التي نحكم بها على أي فلم عالمي، أو أي فلم عربي من دولة لها تاريخ في صناعة السينما. إذ يصعب أن نطبِّق على الأفلام السعودية القصيرة، وحتى الطويل القليل منها، أياً من تلك المقاييس من دون الالتفات إلى الظروف التي أحاطت بإنتاجها.

بيوت الفنَّانين هي مداخل لفهم علاقاتهم بالأمكنة وخياراتهم الفنّية، ومعايير التذوّق والتلقّي التي سادت في عصرهم. هنا في بيت رامبرانت في أمستردام، مسقط رأسه، تلتقي تشكيلات المجتمع وطبقاته. البنّي هو سيّد الألوان التي تمتزج بشجاعة، وتجتذب الدفء والضوء في هولندا المنخفضة، حيث يتناغم كل شيء مع الأوراق المتساقطة على أرصفة المدينة بحزنٍ رومانسي.

لو قدِّر لك أن تسأل المتذوقين من الجماهير المحبَّة للبيان والأدب، شعره ونثره، وهم يطربون لإلقاء شاعر يعزف حروفه لحوناً شجيَّة، أو خطيب مفوّهٍ يلقي شظايا كلماته، ليلهب قلوب مستمعيه: ما الذي يجعل المبدع بليغاً؟ وما البلاغة؟


0 تعليقات على “زفرَ فبَرْبر ثمّ زأرَ فجَرجرَ”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *