مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر – أكتوبر | 2020

روبوتات صغيرة تطلق الثورة الزراعية الخضراء


حسن الخاطر

تُعدُّ إزالة الأعشاب الضارة التي تنمو بين المزروعات والمحاصيل من أكبر التحديات التي واجهت وتواجه المزارعين منذ فجر عصر الزراعة. واعتبرت إزالتها عملاً مضنياً على مر العصور، إذ كانت تُقتلع بواسطة الأيدي حتى وقت قريب. أما في الوقت الحالي فتتم مكافحتها بالمبيدات الكيميائية التي تؤثر بشكل سلبي جداً على البيئة والصحة. لكن الذكاء الاصطناعي يعدنا بثورة زراعية خضراء تجعل صورة المستقبل أكثر إشراقاً.

الحشائش الضارة هي نباتات غير مرغوب فيها، تستهلك كثيراً من موارد الأرض والمياه، وتُسهم في سد قنوات الري، وهذا بعض ما يؤدي إلى انخفاض جودة المحاصيل الزراعية وكمياتها. ومن الطرق الشائعة في الوقت الحالي في مكافحة الأعشاب الضارة استخدام المبيدات التي أثبتت فعالية عالية في إزالتها والقضاء عليها. لكن من جانب آخر، فإن هذه المبيدات الكيميائية رغم فعاليتها خطرة جداً ولها انعكاسات سلبية على البيئة وصحة الإنسان، خاصة المزارعين أنفسهم نظراً لعدم توفر معدات السلامة مثل أجهزة التنفس والملابس الواقية بأسعار مناسبة في متناول الجميع.
ويُعدُّ الغليفوسات (Glyphosate) من أشهر مبيدات الأعشاب ويستخدم على نطاق واسع. وهناك دراسات علمية عديدة أظهرت تسببه بأمراض السرطان ومشكلات صحية خطيرة أخرى. فعديد من الأوراق البحثية المنشورة حديثاً تُثبت وجود علاقة بين السرطان والغليفوسات والأضرار التي يسببها في الجهاز التناسلي، إضافة إلى اضطراب الغدد الصماء وتلف الأنسجة، والمشكلات الإنجابية مثل التشوهات الخلقية للأطفال.
وعلى هذا يوصي العلماء ومقدِّمو الرعاية الصحية بالتوقف عن استخدامه وحظره. وقد تم تصنيفه في عام 2015م، بأنه مادة مسرطنة بشرية محتملة من قبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية. وقد بدأت عديد من الدول منها ألمانيا بإزالة الغليفوسات بشكل تدريجي وسوف تحظره بشكل كامل في نهاية عام 2023م، من أجل حماية البيئة والوصول إلى تحقيق أهداف البرنامج المناخي الألماني 2030م، ضمن رؤية أهداف الاتحاد الأوروبي للمناخ والطاقة 2030م.
لذلك فإن استخدام الروبوتات الصغيرة الذكية التي تستطيع التمييز بين الأعشاب الضارة والمحاصيل الزراعية سيكون حلاً فعالاً في تحسين الموارد والمحافظة على البيئة وصحة الإنسان وإنتاج محاصيل زراعية صحية وبجودة عالية. وذلك عن طريق إجراء استئصال ميكانيكي لها، أو التعامل معها بالكهرباء أو بأشعة الليزر، أو استخدام الرش الدقيق من المبيدات الكيميائية على الأعشاب الضارة فقط دون المحاصيل الزراعية، أي التقليل بشكل كبير جداً من المواد الكيميائية التي يرشها المزارعون في الحقل بكامله، إذ إنه يقلل من كمية المبيدات المستخدمة بمقدار عشرين مرَّة بحسب تقديرات الشركة السويسرية الرائدة في مجال الروبوتات لإزالة الأعشاب الضارة (Ecorobotix). وهكذا سوف تقل الحاجة إلى استخدام المبيدات الكيميائية مما يعني تأثيراً بيئياً سلبياً أقل وانخفاضاً كبيراً في إنفاق المزارعين السنوي على مبيدات الأعشاب.
وتتميز هذه الروبوتات بكونها مقاومة للماء وصديقة للبيئة، لأنها تستمد طاقتها التشغيلية من الخلايا الشمسية. وهذه الخاصية تجعلها مستقلة تماماً من حيث الطاقة، كما أن خفة وزنها تساعدها على تقليل انضغاط التربة مقارنة بالآلات الثقيلة وبالتالي الحصول على تربة بجودة عالية.

روبوت مجهَّز بتقنيات حديثة ورؤية اصطناعية يقوم بالتمييز بين الأعشاب الضارة وفصلها عن المحاصيل الزراعية

كيف تعمل؟
يتم تمييز الأعشاب الضارة وفصلها عن المحاصيل الزراعية بواسطة نظامٍ يجمع بين عدَّة تقنياتٍ حديثة. يعتمد نظام هذه الروبوتات بشكل أساسي على نظام رؤية اصطناعية بواسطة كاميرا أو مجموعة من الكاميرات المتعدِّدة التي تكون بمثابة العين للروبوت. إضافة إلى وجود أجهزة استشعار وتوجيه تعمل بالموجات فوق الصوتية أو الليزر، وجهاز تحديد المواقع (GPS)، وخريطة دقيقة مبرمجة مسبقاً. وتتم تقنية المطابقة بين هذه التقنيات جميعها من خلال مجموعة من الصور الموجودة في الروبوت أو من خلال الأجهزة الذكية المرتبطة كالهواتف وغيرها، وذلك بواسطة تطبيقات وخوارزميات مخصصة لذلك، أو باستخدام الحوسبة السحابية مباشرة.
ويكون هذا النظام مبرمجاً بشكل يتيح للروبوتات الاستفادة مما يعرف بتعلم الآلة (Machine Learning) ويسمح لها باتخاذ قرارات بناءً على البيانات المدخلة وما اكتسبته من جديد في الأوضاع العينية الخاصة.

الخوارزميات
الخوارزميات هي إجراءات رياضية ومنطقية وسلسلة من التعليمات لحل مشكلة معينة يستخدمها الكمبيوتر من أجل اتخاذ قراراته، ولتبسيط الصورة بشكل أكثر، سنقوم بعمل خوارزمية بسيطة لحل مشكلة الأعشاب الضارة من خلال الخطوات التالية:
1 – ابحث عن العشبة.
2 – هل العشبة تتشابه مع الصور المدخلة (نعم/لا)؟ إذا كانت الإجابة (لا) اذهب إلى الخطوة الأولى، وإلا اذهب إلى الخطوة الثالثة.
3 – قم بإطلاق شعاع ليزر على العشبة ثم الرجوع إلى الخطوة الأولى.

إزالة الأعشاب الضارة
بعد أن يتم تحديد الأعشاب الضارة، تتم معالجتها باستراتيجيات عديدة طبقاً لآلية عمل الروبوت والشركة المصنِّعة له. فالروبوتات التي تستخدم مبيدات الأعشاب تحتوي على خزان وأذرع ميكانيكية بداخلها تقوم بإخراج جرعة صغيرة من مبيدات الأعشاب مباشرة إلى العشبة الضارة وحدها، أو عن طريق استخدام ذراع آلي يشبه المحراث لإزالة الأعشاب الضارة. وهناك بعض الروبوتات تعتمد على الكهرباء لقتل الأعشاب الضارة بتحويل تيار كهربائي إلى حرارة تغليها من الداخل إلى الخارج حيث تقتلها. وبعدها يتحلل النبات بشكل طبيعي ويعيد مغذياته إلى التربة.
لقد تم الإعلان عن هذه التقنية من قِبل “RootWave” و” Small Robot” وهما شركتان بريطانيتان تعملان في مجال الزراعة المستدامة. ومن المقرَّر أن تبدأ التجارب المبكرة على هذه التقنية في أواخر العام الجاري 2020م. وتتميز هذه التقنية بأنها لا تستخدم المواد الكيميائية إطلاقاً مما سينعكس إيجابياً على جودة المحاصيل الزراعية وكثرتها، وبالتالي الحفاظ على التنوُّع البيولوجي والبيئة الطبيعية. وقد طورت شركة “Small Robot” بالفعل سلسلة من الروبوتات الزراعية الصغيرة تسمى Tom)، (Dick) (Harry، لكن المرحلة التالية ستكون بالشراكة مع “RootWave”، لتطوير روبوتات تستخدم الكهرباء والذكاء الاصطناعي لتدمير الأعشاب الضارة. ومن المتوقع أن تكون هذه الروبوتات متاحة تجارياً في أواخر العام المقبل 2021م.
ولاستخدام هذه التقنيات ميزة أخرى، وهي أن بعض الأعشاب الضارة مقاومة للمبيدات الكيميائية وبذلك ستكون إزالتها بالكهرباء أحد الحلول المناسبة لذلك. وعوضاً عن الكهرباء فمن الممكن استخدام أشعة الليزر عالية الطاقة وقصيرة النبضات.

الإمكانات المستقبلية
ستنتشر أسراب الروبوتات الصغيرة في المستقبل القريب. ولن تقتصر وظيفتها على إزالة الأعشاب الضارة فقط، فقد تتوسع في وظائفها لتدير الحقول الزراعية بشكل كامل من الألف إلى الياء، برسم خرائط الأرض وزراعة البذور ورعاية المحصول وإزالة الأعشاب الضارة ثم الحصاد. وفي النهاية، سوف يتخلى مزارعو المستقبل عن أعمالهم وتكون مزارع المستقبل خالية من البشر؛ وستقتصر أعمالهم على إدارة هذه الروبوتات وبرمجتها. فالروبوتات الصغيرة المستقبلية التي تقوم بالزراعة وقتل الأعشاب الضارة ثم الحصاد، ستطلق الثورة الزراعية الخضراء للأجيال المقبلة. 


مقالات ذات صلة

في الحركة الرابعة من سيمفونيته التاسعة، يبدأ بيتهوفن بلحن مميَّز يُعزف خافتاً في البداية، ثم يتصاعد بإيقاع منتظم نبدأ تدريجياً بإدراك جماله ورفعة سنائه مع تكرار اللحن، قبل أن يُفجره بيتهوفن بتناغم يضعه في مرتبة استثنائية في تاريخ الموسيقى. هذا الجَمَال الفائق في لحن “أنشودة الفرح” وغيره من الألحان الموسيقية العظيمة يعود إلى ما يُسمى في الموسيقى “التناغم” وفي الميادين الأخرى التآلف أو التناظر. فالتناغم أو التناظر موجود في كل مكان من حولنا، في الورود وأغصان الشجر وأصداف البحر وبلورات الثلج، وفي وجه الإنسان كما في الكواكب والنجوم ومساراتها.. إنه في كل مكان من حولنا.

تهاجر كل عام مرتين مليارات الطيور مجتازةً مسافات شاسعة، لتبني أعشاشها في مناخ أدفأ. وهي تطير فوق المحيطات والصحارى، في ظروف مناخيّة شديدة القسوة، لتصل بالتحديد إلى الأماكن التي كانت فيها في رحلات سابقة. وفي أجواء المملكة وحدها، يهاجر كل عام نحو 500 مليون طائر، تنتمي إلى أكثر من 500 نوع. 

تتجه بعض الشركات الفضائية ضمن خططها المستقبلية نحو الاستثمار في تنظيم رحلات إلى الفضاء الخارجي بتكلفة منخفضة. ولكن السفر إلى الفضاء ينطوي على مخاطر صحية جسيمة نظراً لانعدام الجاذبية الأرضية، مثل اضطرابات التوازن، وضمور العضلات وأهمها عضلة القلب، وهذه التأثيرات الفسيولوجية السلبية تمثِّل واحداً من أبرز التحديات في السياحة الفضائية، بعدما كانت ولا تزال من التحديات التي يواجهها روَّاد الفضاء المحترفون خلال إقاماتهم الطويلة في الفضاء الخارجي.


0 تعليقات على “روبوتات صغيرة تطلق الثورة الزراعية الخضراء”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *