مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يناير – فبراير | 2019

دفاعاً عن وقت الفراغ


مهى قمر الدين

غاليليو واختراع ضبط الوقت الذي غيَّر العصر الحديث بأكمله

من الاتجاهات المؤسفة في العصر الحديث سيطرة العمل على كل جوانب حياتنــا، بحيــث أصبحنـا نقيّــم الأمــور وحتى الأشخاص من خلال المنفعة المهنية فقط وبتنا نعيش لنعمل، بدلاً من أن نعمل لنعيــش. وأضحـت المنافسة العملية تطغى على الثقافة العامة، فصارت الشركات تتوقَّع من موظفيها العمل لساعات طويلة من دون توقف بدافع قوي للإنتاج والتقدُّم. وصار “وقت الفراغ” مرادفاً للوقت المهدور، وكأن لا قيمة ولا دور له. فهل الأمر هو فعلاً كذلك؟

المدخل الأفضل لتناول مسألة وقت الفراغ قد تكون في تناول نقيضه: الإدمان على العمل. فقــد كــان عالِـم النفــس وين إ. أوتس أول من تطرَّق إلى هذه المشكلة في عام 1971م، وذلك في كتابه “اعترافات مدمن عمل”، حيث أدخل إلى التداول هذا المصطلح الجديد، عندما تحدَّث عن الرغبة التي لا يمكن التحكم بها للعمل باستمرار. وقد تكون هذه الثقافة العامة الحديثة التي حوَّلت حياتنا إلى سلعة في سوق العمل هي التي دفعت بالفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني برتراند راسل، إلى وضع كتابه بعنوان “في مديح الكسل” الذي انتقد فيه بأسلوبه الخاص والساخر الميل إلى العمل الشاق في عصرنا الحديث، ووصف أخلاقيات العمل اليوم: “بأخلاقيات العبودية”، وأردف ذلك بالقول إن العالم الحديث ليس بحاجة إلى العبودية.

وجهات نظر مختلفة
في تعريف وقت الفراغ

ولكن ماذا يمكن لمفهوم وقت الفراغ أن يعني في العالم الحقيقي؟ فهو مبدئياً يتيح لنا الفرصة لمشاركة عائلاتنا وأصدقائنا والعالم الخارجي، بما في ذلك الهياكل التي بنيناها لتنظيم مجتمعاتنا، في أنشطة ترفيهية بعيدة عن نظام العمل الكلي. ولكنه أيضاً وقت للتفكير والتأمل والإبداع والتعلُّم من أجل التعلُّم. كما يعطينا الفرصة للتوقف، للنظر في حياتنا وخياراتنا، وإجراء تغييرات عليها إذا لزم الأمر. باختصار، هو الوقت الذي نجدِّد فيها قدراتنا على الازدهار والتقدُّم نحن كبشر.

“وقت الفراغ” ليس التوقف عن العمل أو حتى كهدوء داخلي، بل هو بالأحرى مثل السكون في محادثة العاشقين، التي تغذيها وحدانيتهم.

وفي عصرنا هذا، يُعدُّ توفر الأفلام والموسيقى والألعاب الرياضية والألعاب الإلكترونية وجميع أنواع الترفيه الحديثة، كوسائل لملء وقت الفراغ. ولكن حسب الفلسفة اليونانية القديمة، وكما قال أرسطو في كتابه “الأخلاق النيكوماشية” فإننا “نعمل من أجل الحصول على وقت الفراغ”. وبعبارة أخرى، نحن نعمل من أجل الحصول على الوقت لأمور أخرى، ولكن تلك الأمور الأخرى ينبغي أن تنحصر بالفن والدراسات، وقبل كل شيء، بالتفكير والتأمل.

أرخميدس في حمامه عندما أدرك أن المياه التي فاضت عند دخوله إلى حوض الاستحمام كانت هي الحل في تحديد نقاء تاج ذهبي كان قد قدم إليه، إذ أدرك فجأة وهو داخل حمامه أنه يمكنه استخدام إزاحة المياه لتحديد حجم وكثافة التاج

وفيما يتعلَّق بأهمية التفكير بالنسبة لوقت الفراغ، فقد عرف المفكر والفيلسوف، جوزيف بيبر، صاحب الكتاب الشهير “الترفيه: أساس الثقافة” الذي كان قد وضعه بعد الحرب العالمية الثانية، وقت الفراغ بأنه “ليس التوقف عن العمل أو حتى كهدوء داخلي، بل هو بالأحرى مثل السكون في محادثة حميمة”، وهذا في الأساس موقف عقلي وروحي، وليس مجرد نتيجة لأي تفاعل مع عوامل خارجية. إنه يتطلَّب وجود المرء في سلام داخلي عميق، حيث يمكن أن يتحلى بصمت القلوب الذي هو “منبر الإنسانية” كما يقول المفكِّر والأديب جبران خليل جبران. وهو أمر نادر الحدوث في عديد من الأنشطة التي نملأ بها أوقات الفراغ اليوم، وبذلك يكون هذا العصر الحديث، بالنسبة لبيبر، وبالنسبة لهذه النظرة إلى وقت الفراغ، في ورطة كبيرة.

ثقافة العمـل تطغى
على التعليم أيضاً

لا تقتصر ثقافة العمل الطاغية، على عالم الأعمال فقط، بل إن النظام التعليمي الحديث يغذِّي هذا المفهوم أيضاً، حتى أن الفلسفة والعلوم الحديثة أصبحت تركِّز في المقام الأول على الغايات النفعية، بخلاف ما كانت عليه عند الإغريق والرومان القدماء الذين اعتبروا الفنون الحرة غاية في حد ذاتها.

أوقات الفراغ في الماضي كانت تستخدم لترفيه من نوع آخر، أي لممارسة نشاط التأمل ولتوفير مساحة للفلسفة والصمت والسكينة والتقدير. وهكذا فإن المعنى الأصلي لمفهوم “وقت الفراغ” قد تم نسيانه عملياً في ثقافة “العمل الكلي” اليوم.

ففي عصرنا الحالي، وعلى المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، صار كثيرون يفضلون “العلوم الصعبة” مثل البيولوجيا والكيمياء والفيزياء والرياضيات وعلوم الكمبيوتر والهندسة والطب على “العلوم الناعمة” مثل الفلسفة والآداب. غير أن وجهات نظر الفلاسفة القدماء للمعرفة لم تركز حصراً على الحواس والعلوم التجريبية، بل أيضاً على قاعدة روحية أوسع للمعرفة. فالمعرفة بالنسبة لهم كانت تعني أكثر من المادية وتتجاوزها إلى فهم الأشياء النهائية. ومع كل ذلك أصبحنا نرى مفهوم “وقت الفراغ” نفسه كأمر ليس ضرورياً للروح البشرية بل كرفاهية محفوظة للأشخـاص المميّزين أو للكسالى.

أوراق التنبيه اللاصقة من اختراع آرت فراي

وقت الفراغ
مساحة لأبرز الاكتشافات

من المهم أن نتذكَّر أن الإنجازات البشرية الأهم في التاريخ، أعظم الفنون لدينا، وأكثر الأفكار ثباتاً في الفلسفة، والشرارة التي أطلقت عديداً من الإنجازات التكنولوجية، نشأت في أوقات الفراغ، في لحظات من التأمل غير المثقل، والانتباه المطلق للحياة. ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك يمكننا أن نذكر غاليليو واختراع ضبط الوقت الذي غيَّر العصر الحديث بأكمله، وذلك بعدما أصبح مهتماً بتحركات البندول عند مشاهدة تأرجح الثريا في سقف أحد المباني. وعالم الأعصاب والكاتب البريطاني أوليفر ساكس،الذي اكتشف تأثيرات الموسيقى التي لا تصدق على العقل البشري أثناء المشي في المضيق النرويجي. وأرخميدس الذي كان في حمامه عندما أدرك أن المياه التي فاضت عند دخوله إلى حوض الاستحمام كانت هي الحل للمهمة التي طلبها منه الملك هيرون اعندما أمره بتحديد نقاء تاج ذهبي كان قد قدم إليه، إذ أدرك فجأة وهو داخل حمامه أنه يمكنه استخدام إزاحة المياه لتحديد حجم وكثافة التاج، وتقول الرواية إنه في تلك اللحظة راح يركض من شدة فرحته ويصيح “يوريكا يوريكا” أي وجدتها وجدتها. ومن أبرز الأمثلة أيضاً ما حصل مع آرت فراي الذي كان كيميائياً بارزاً في شركة 3M الأمريكية عند اختراعه لأوراق التنبيه اللاصقة حين أراد وضع علامة في كتاب الأغاني التابع له، وفجأة، وفي لحظة تأمل، استطاع أن يجد استخداماً جديــداً لاختراع زميله سبنسـر سيلفـر الذي كان قد اختـرع مواد لاصقة يمكن ازالتها بسهولـة، ففكـر فراي بوضعها على قطع ورق صغيرة وهكذا كان اختراعه لأوراق التنبيه الصغيرة التي باتت موجودة في كل المكاتب ولشتى الاستخدامات.

ويمكن للابتكارات وحلول قضايا شائكة أن تتبلور أثناء ممارسة هوايات معيَّنة، مثل ما حصل مع الأخوين رايت عندما كانا في وقت فراغهما يراقبان النسور وأدركا حينها كيف كانت النسور تدير أجنحتها وتتحكم بها عند التحليق في الجو. فحتى ذلك الحين، كانت مشكلة انحراف الطائرات واستدارتها بسلام قد حيّرت الطيارين وأدت إلى حوادث مميتة لمن حاولوا الطيران من قبل.

كلمة مدرسة
التي كانت مرادفة لوقت الفراغ

واذا ما تتبعنا فكرة الترفيه حتى جذوره القديمة يتبين لنا كيف أن معنىاه الأصلي، قد أصبح مشوهاً وحتى مقلوباً، مع مرور الوقت. فقد أنتجت الكلمة اليونانية (σχoλη) التي تُلفظ “سكولي” وتعني “أوقات الفراغ”، الكلمة اللاتينية (scola)، والتي أعطتنا بدورها كلمة (school) أو مدرسة باللغة الإنجليزية، أي كل مؤسسات التعلم الحديثة التي أصبحت تعدّنا اليوم للدخول إلى عالم الأعمال والصناعة. ولكن أوقات الفراغ في الماضي كانت تستخدم لترفيه من نوع آخر، أي لممارسة نشاط التأمل ولتوفير مساحة للتفكير والصمت والسكينة والتقدير. وهكذا، فإن المعنى الأصلي لمفهوم “وقت الفراغ” قد تم نسيانه عملياً في ثقافة “العمل الكلي” اليوم. ومن أجل فهم حقيقي لماهية وقت الفراغ، يجب علينا مواجهة التناقض الذي ينطلق من المبالغة في التركيز على العمل وطغيانه على حياتنا.

أعظم الفنون لدينا، وأكثر الأفكار الثابتة للفلسفة، والشرارة لعديد من الإنجازات التكنولوجية – نشأت في أوقات الفراغ.

ختاماً، هناك من يحذِّر من أنه إذا لم يتم استرجاع مفهوم وقت الفراغ الفعلي في القرن الواحد العشرين، فإننا سندمِّر أساس الثقافة وأنفسنا أيضاً. ومع الأسف، في هذا العصر الذي يسيطر عليه الإلهاء والعمل المتواصل قد يكون هذا التحذير في محله تماماً. فكيف يمكننا أن نستعيد الهدف الأسمى لوقت الفراغ، أو بالأحرى استعادة إنسانيتنا نفسها، ونحن نعيش في عصر نتحدَّث فيه عن إجازات خاصة لـ “التخلص من السموم الرقمية” (Digital Detox)، أي أننا نحاول أن نتعافى منها من أجل تحصين أنفسنا من أجل مزيد من التفاعلات الرقمية المتواصلة التي لا بد أن نستأنفها عند عودتنا. فكم نحن بعيدون كل البعد عن مفهوم العطل بمعناها الحقيقي حيث نتخلص من ضغط الإحساس بالوقت، ونكون متحررين من أي عمل ومن طغيان الجداول، وحيث نأتي لتجربة الحياة تماماً كما تتكشف، مع انحسارها الكامل وتدفق ديناميكيتها البطيئة أحياناً والمتسارعة أحياناً أخرى.


مقالات ذات صلة

هي حولنا في كل مكان، نجدها في الكتب المخصَّصة لأنواع الحميات المختلفة التي غالباً ما تصبح على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، وعلى أغلفة المجلات، وفي البرامج التلفزيونية التي تقدِّم لنا النصائح الغذائية على مدار الساعة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعية، حيث تطالعنا إعلانات من هنا وهناك، تدور كلها في فلك النحافة وكيفية الحصول على الأجسام الرشيقة، من ترويج أنواع الشاي المنحّفة إلى طرق تحضير الوجبات الخفيفة، مروراً بأساليب تنظيف الجسم من السموم.

أن تكون بذور البُن قد ظهرت أولاً بين النباتات البريَّة في القرن الإفريقي، فإن مشروبها بدأ في اليمن وكذلك زراعتها. فما سرّ تفرُّد اليمن بجودة نبتة القهوة؟ ولماذا احتكرها اليمنيون زمناً طويلاً وكيف؟ وكيف وصلت إلى العالم مشروباً ثم زراعةً؟ وماذا تعني لحركته الفكرية والثقافية عبر محطات تاريخها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي الانطلاق من […]

تهدف درجة الماجستير في الهندسة الخرائطية والجغرافية الذي أطلقته جامعة كاتالونيا للبوليتيكنيك في برشلونة عام 2017 إلى إكمال المهارات التي يحصل عليها جميع الطلاب المهتمين بمجال رسم الخرائط الرقمي. ويتيح هذا البرنامج الدراسي للطلاب تطوير المعرفة المتعمقة بالمفاهيم والأدوات النظرية المتعلقة بالمعلومات الجغرافية (Geoinformation)


رد واحد على “دفاعاً عن وقت الفراغ”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *