مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2020

دحمان الحرَّاشي والجزائر


خالد بن صالح

من حي الحرَّاش في جنوب الجزائر خرج عبدالرحمن عمراني الذي تميَّز بالأغنية الشعبية الناقدة لبعض المظاهر الاجتماعية ومن بينها الهجرة، فكانت أغنيته التي ما زال جيل الشباب يردِّدها حتى يومنا هذا “يا الرّايح”. وعندما عرفه الجميع من خلال أغانيه الوطنية والاجتماعية، لقبوه بالحرَّاشي، وأصبح اسمه “دحمان الحرَّاشي”. 

الكتابةُ عن الموسيقي ومجدِّد الغناء الشَّعبي الجزائري دحمان الحرَّاشي (1926 – 1980م)، لا تخلو من حضورِ المكان كجُغرافيا وتجربة حياة وتأريخ لعلاقة وطيدة بالناس. 

الحي الجزائري الذي ولد فيه عبدالرحمن عمراني فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر.

ثورة من داخل النَّوع
في أغنية دحمان الحرَّاشي “كيفاش ننسى بلاد الخير” التي كانت على أوّل أسطوانة سجّلها عام 1956م أثناء وجوده في فرنسا؛ ترد عبارة “الجزائر باب الجنة” في سياق التغنِّي بأمكنة ومعالم البلاد وارتباطها بتاريخِ كل منطقةٍ ومآثرها وثرواتها الطبيعيّة التي تدعو إلى الفخر، وأيضاً حقيقةَ أن يكون الإنسان فقيراً في بلد غني؛ “كيفَاشْ صُغري جَايزْ فَقِير، ووَطْنِي غاني ما يَفْنَى”. كأن ذلك الباب موصد في وجه العامّة، ولا يُفتحُ إلا لمن يملك مقاليد الحكم والسّيطرة على الثَّروة.
من الحرمان ومن الهامش في تلك الزوايا المُعتمة في الحرَّاش، حي الفدائيين في العاصمة، حيثُ ترعرع عبدالرَّحمن عمراني (دحمان الحراشي)، جاءت كلمات أغاني الحرَّاشي وموسيقاه. فهو المُغنِّي والمُلحِّن والمؤلف والعازِف البارع على آلتيْ “البانجو” و”المندول”، بعد أن أدخلهما على الغناء الشَّعبي، محدثاً ثورة من داخل النّوع، متفرِداً ببحَّة صوته وبساطةِ ألحانه، مُستلهماً موضوعات أغانيه التي تجاوزت الخمسمئة، ممَّا سُمِّيَ بـ “حكمة الهامش” وهو في كل ذلك، صانع مجد فنِّي استثنائي لم ينل منه في حياته إلّا القليل.
بخلافِ استنطاقه للمسكوت عنه من الموضوعات كالنساء والهجرة والمنفى، وانشغاله بإثراء معجمه الغنائي من التراث؛ استطاع الحرَّاشي الخروج عن سياق القواعد المتوارثة لدى مجايليه التي أسَّسَ لها الحاج محمد العنْقى وغيره من روّاد الأغنية الشعبية في مرحلتِها الكلاسيكية الأولى من أمثال الحاج مْنَوَّر والحاج مْرَيْزَق. فالمتتبِّع لأغاني الحرَّاشي يكتشف، الاختلاف الواضح في الإيقاع واللّحن والتجريب الماثل وراء كل جملة موسيقية، تحتشد وراءها، بعد الاستخبار الأوَّل قبل الدخول في الأغنية، كلماتٌ من لحم ودم التجربة.

الحرَّاش فترة الاحتلال الفرنسي.

المتمرِّد المغترب
يتحدر الفتى القادم من الضاحية الشرقية للمدينة من أسرة تعود أصولها إلى خنشلة في الشرق الجزائري. توفيَّت أمه بعد ستة أشهر من ميلاده. وكان والده مؤذناً في المسجد الكبير بالعاصمة. عاش حياة صعبة في عائلة تضم أحد عشر فرداً؛ واشتغل مُصلِّح أحذية وقاطعاً للتذاكر في القطار. أحبَّ الموسيقى منذ صغره، لكن الظروف المعيشية القاسية دفعته إلى الهجرة والبحث عن عمل في فرنسا خلال الخمسينيات من القرن الماضي. وهناك استطاعَ أن يلامس خيوطَ حلمه الأولى، بأن يصبحَ فناناً.
دخل إلى الأستوديو لأول مرة عام 1951م، عازفاً على آلة “البونجو”. وبعد خمس سنوات سجّل أسطوانته الأولى التي ضمَّت أغنيتين هما “بهجة بيضا ما تحول” و”كيفاش ننسى بلاد الخير”، ولاقت الأغنيتان آنذاك رواجاً واسعاً في أوساط الجالية المغاربية في فرنسا.
في مدينةِ لِيل الفرنسية، تمسَّك دحمان الحرَّاشي بأمل العودة إلى الوطن. وتجلَّى هذا الشعور في الجلسات الشعبية والحفلات التي أحياها في المقاهي والحانات والأماكن التي كان المهاجرون الجزائريون يجدون فيها ملاذاً من همومهم اليومية، وكونهم أيديَ عاملة رخيصة اضطرتهم الظروف إلى الهجرة والكدح في بلاد المستعمِر.
ترسّخت بمرور السنوات اللمسة الخاصة والفريدة لدحمان الحرَّاشي في أدائه وألحانه الشعبية، بعد أن خطَّ مساراً رائداً للتغيير. وأصبحت أغانيه تُبثُّ في الإذاعة والتلفزيون بعد عودته إلى الجزائر، حيث راح يحيي الحفلات في قاعة ابن خلدون وقاعة الأطلس والمسرح الوطني وغير ذلك من الأماكن التي شهدت خلال عقد من الزَّمن (1970 – 1980م) على كثير من نتاج الفنان المتمرد والمجدد.

دحمان الحرَّاشي.

صوت الشَّعب
لا يمكن للغناء الشعبي، في شكلهِ القديم والعصري، إلَّا أن يكون صوت الشعب. وهنا تكمنُ عبقرية دحمان الحرَّاشي وتماهيه مع الطبقات الكادحة، حتَّى في اختيار طريقة لباسه، وتناوله لموضوعات لامست عمق المجتمع، حتَّى في المهجر. فقد عبر صوته الحدود، واستوطن قلوب الجزائريين من خلالِ تأليفه لأغانٍ باللّهجة العامية اليوميَّة، الآتية من نبض الشارع، كاسراً بذلك القوالب، مُديراً ظهره للجاهز من الأساليب الغنائية السابقة والمجايلة لزمنه.
“يا الرَايح وين مسافر تروح تعيا وتولي
شحال ندموا العباد الغافلين قبلك وقبلي”
لا تقتصر شهرة الحرَّاشي على أغنية “يا الرَّايح” على الرغم من شهرتها العالمية. فقد أعاد غناءها فنانون كثر، جزائريون وعرب وأجانب، ومن بينهم الفنّان رشيد طه الذي غنَّاها برفقة الشاب خالد وفوضيل في الحفل الشهير “الشموس الثلاث” في باريس عام 1998م. وقصة هذه الأغنية كما هي جُلَّ أغاني الحرَّاشي، تعود إلى نصيحة قدّمها الفنّان لأحد أصدقائه الذي قرَّر الهجرة والتغرّب من أجل العمل والبحث عن الحياة الهانئة.
وفي أغنياته “خبِّي سرّك يا الغافل” أو “لازم السْماح يكون بيناتنا” أو “ربي بلاني بالطاسة”، تتلون وتتنوع كلمات وألحان دحمان الحرَّاشي لكثرتها في مساره الفني الذي لم يعمِّر كثيراً، إنْ بسبب اغترابه الطَّويل، أو وفاته المفاجئة بعد عودته إلى الجزائر إثر حادث سير في عام 1980م، وهو في طريقه لإحياء حفل، حيثُ لا يزال يعزف ويغني حتى اليوم.


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “دحمان الحرَّاشي والجزائر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *