مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2020

بُورتريه الفَوضى
إياد الحكمي


ما بين جازان وبرشلونة، تضاريس من المحبة والعشق، تنقل النصوص وتنقذ المشاعر من محراب الأقواس، شوارع ملؤها الحياة، وضجيج يسكن القطارات، وما عليك سوى المضي قدماً داخل تلك السكك الحديدية لتختبر حروفك في بصمة الحياة.
وباء ينتشر هنا، وذاكرة لرحيل الأوبئة والحروب من التاريخ والمدن، تغيرت في تلك الحروب أنواع الأسلحة، وسلاح النص مسكون بلغة الألوان وإيقاع الألوان، الدروع هي القصائد، وما على الشاعر سوى الوقوع في مساحاته الخاصة، ويكتب ما يعينه على اسمرار الحياة.


على هُدى عشبةٍ
تنمو على سككِ الحديدِ
أختارُ إيقاعًا لذاكرتي

ألقي بكل جهاتي جانبًا
أترك الأقواسَ في يدِ باريها
وأختبر الدليل
هذا دمي في قبضة الكاميرا
وهذه بصمتي في حائط الكوليرا
لا حدْسَ
إلا الذي مسَّ المجرِّبُ في أعماقهِ فرأى
لا دربَ
إلا ممرٌّ زادَ عن حاجةِ القُطَّاعِ والجثثِ

عليَّ إهمالُ حرف الموتِ في لغتي
عليَّ أن أتناسى أن أغنيتي
مسمومةٌ
وفمي فخٌّ
عليَّ اقتحامُ الوقتِ
أقلامُ بيكاسو الرصاص معي
هذا الإطارُ فضاءٌ في مخيّلتي
عليَّ تكسيرُ باب البيت
لم أجد المفتاحَ في المخبأ المعتادِ يا أبتِي

..

على سجيَّةِ درعٍ يمتطي ورَقا
ضاعفتُ جِلديَ
لكن ظلَّ مخترَقا

مهمَّتي
غمسُ ألوانِ الطبيعةِ
في بترولها الحجريِّ
لابتكارِ زجاجٍ يعكسُ القلقَ

عامٌ ويومانِ
لا أدري بأيةِ تقويمٍ
أؤرخُ دمعًا بعدُ ما خُِلقا

ما زال قبرُ لسان الدين منفلقا
ورأسه لم يزل كالشمس محترقا

حقيقةُ الوهم
في وهم الحقيقةِ
لم أدركْ دمشقَ
لكي أبكي على ملقا

عليَّ إهمالُ حرف الحرب في لغتي
عليَّ أن أتلاشى بين أمتعتي
وأصعد الباص في رفقٍ بلا دعةِ

..

على الماكينةِ
شيخُ الكارِ منشغلُ
بنسجِ قصةِ قتلى
جدُّهُم بطلُ
وجدُّهم مات مقتولًا
ولكن ميزانية الفلاش باك لم تسعهُ
فقرر المنفِّذُ أن الجدَّ منفصلُ
عن الخطوط الدراميَّةِ في قصة القتلى
وأن مزاجَ الفلم لا يصلُ
إلى المشاهدِ إلا حين ينتقلُ
بحسّهِ الناقد الثوريّ
من ترف الأحياءِ
نحو الخلودِ الكشفِ
حيث رقابُ الناسِ تُنتَشَلُ
وتُستعادُ
بسرياليّةٍ
لا يعيها غيرُ من قُتِلوا

عليَّ إهمالُ حرف القتل في لغتي
عليَّ أن أطفئ الموالَ في شفتي
وأنثرَ المتبقي
من حكاية موقد الشتاء الذي سمَّيتُهُ “ميفا”
على اسمِ آلهة النار القديمةِ في الشِّعر المعاصرِ لي
تحكي الأساطيرُ عن ذِبحٍ عظيمٍ
له في الأرض منزلةٌ
تأبى عليه بأن يُشوى عليها
اهتدت نارٌ إلى خطةٍ
جاءت بقطعةِ فردوسٍ هي العزلة
اشترت لها شجرًا حيًّا
وأحكمت الأقمارَ من حولهِ
ونادت الذِّبحَ
واحتالت عليه بأن الأرض صالحةٌ للموت….

عليَّ إهمالُ حرف الموت في لغتي
..


إياد الحكمي
• من مواليد جازان 1988م
• بكالوريوس الحاسب الآلي ونظم المعلومات، جازان، 2012م
• ماجستير التربية في تقنيات التعليم، كاليفورنيا، 2016م
• طالب دكتوراه في قسم تقنيات المعلومات والاتصالات بجامعة بومبيو فابرا في برشلونة

أهم الإصدارات والمشاركات والجوائز:
• حاصل على لقب وبردة شاعر شباب عكاظ 2012م
• “على إيقاع الماء” ديوان شعري حاصل على جائزة الشارقة للإبداع العربي 2012م
• “ظل للقصيدة صدى للجسد” ديوان شعري حاصل على جائزة مجلة دبي الثقافية 2014م
• “مئة قصيدة لأمي” ديوان شعري 2015م
• حاصل على لقب وبردة أمير الشعراء 2017م
• “لا أعرف الغرباء أعرف حزنهم” ديوان شعري2017م، ترشح للقائمة الطويلة بجائزة الشيخ زايد للكتاب 2019م


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “بُورتريه الفَوضى”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *