مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2020

بين ذائقة اللغة واختبارات الكائن


شربل داغر

“ذاق”، من الألفاظ التي لا أتوانى عن العودة إليها في قصائد، أو في دراسات معنيَّة بالحسن في الآداب والفنون القديمة. وهو لفظ، باشتقاقاته العديدة والغنية، سقط في جانب كبير منه في الإهمال… بكل أسف.
ومن أراد أن ينعش ذاكرته اللغوية، في إمكانه العودة وحسب إلى “لسان العرب”. سيجد، في المدخل المعجمي: “ذ و ق” الاشتقاقات التالية: ذاق، ذَوقاً، ذِواقاً، مَذاقاً، الذِّواق، المَذاق وغيرها.
إذا كان أقربُ المعاني المشتقة من هذا الجذر يعني: الطعم، سواء في المأكول أو في المشروب، فإنه يتنوَّع ويتسع في الاستعمالات ما يبلغ: امتحان الشيء واختباره (في نوع من التوسع صوب ذوق الأشياء والأفكار والألفاظ وغيرها)، كأن تذوق باللسان نطق حَرف، أو أن تذوق بقوى العقل. وهو ما يعتلي بمعاني اللفظ ومدلولاته بلوغاً إلى تحديد الذوق بوصفه ملكة “لِما يُكره ويُحمد”.
فما كان يقال في القوس (“ذقتُ القوس، إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها”) بات يقال في الحكم على الكتاب والكلام وغيره، وفي كل ما يصيبه “التحسينُ” أو “التجويدُ” في صنعه. هكذا صاحب اللفظُ اللسانَ في حسيته، ليبلغ به تجليات الصنع المادية أو اللغوية.
إلا أن هذا القول لا يستقيم لغويّاً وتاريخيّاً من دون ربط اللفظ بلفظ آخر، قد يكون السابق له: “زوق”، وهو المتحدر من لفظ “الزئبق”، والمرتبط صنعاً بالتصوير، حسبما ثبت ذلك “لسان العرب” نفسه. لذلك “قالوا (في المدينة) “لكل مزين مزوق”. ويتأتى “الزاووق”، حسب تعريف الجوهري، من عمليــة الإذابة الجارية تحت النار القوية، “فيذهب منه الزئبق ويبقى الذهب”.
إن من يتتبع اشتقاقات هذا اللفظ، يجدها موازية لاشتقاقات ومعاني “ذاق”، فيصحُّ في: “زوق” استعمالها للزينة، ولما يتمُّ تحسينه، مثل الكلام وغيره. وهو ما يجده الدارس، في استعمالات للفعل واشتقاقاته إثر العهد النبوي، في كراهية “تزويق المساجد”، على سبيل المثال. ومن يتابع ويدقق في استعمالات الجذر “زوق” سيجد أنها أكثر توسعاً من اشتقاقات الجذر السابق؛ بل أكثر من ذلك: سيجد أن اشتقاقات “زوق” واستعمالاتها ستصيب المنتجات القابلة للتحسين والزينة، مثل الكلام والكتاب وزينة السقوف وغيرها.
وهذا يوفِّر، عبر اللفظين المذكورين، شجرة مفهومية ودلالية، ذات أساس تاريخي، لما هو الصنيع الأدبي والفني عبر الزواقة، ولما هو اختبار جمال هذا الحُسن عبر الذائقة.
أسوق هذا الكلام كله – في اختصار – للقول إن لِما نسميه “الحسن” أو “الجَمَال”، أو إنتاجات الآداب والفنون، أساساً اختبارياً وفلسفيّاً. ومن يعد إلى فلسفة الجَمَال في الفنون وغيرها، ابتداءً من بومغارتن أو عمانوئيل كانت وغيرهما، سيجد أن “الحكم” على الأشياء والأعمال والمصنوعات، يقوم وفق علاقة اختبارية هي في أساس الحكم الجمالي عليها. وهو ما جعلني أتحدث في عدد من دراساتي عن “الذائقة”، بوصفها المَلَكة القادرة على إبداء الرأي والحكم في ما تستحسنه أو تستقبحه.


مقالات ذات صلة

في عام 1369هـ/1950م اكتملت خمسون سنة قمرية على استعادة الملك عبدالعزيز للرياض، وكان من المقرَّر أن تحتفل المملكة بهذه المناسبة، لكن وفاة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن قبل أسبوعين من تاريخ الذكرى الذهبية، وتحديداً ليلة الإثنين 25 رمضان 1369هـ/10 يوليو 1950م، أدَّت إلى إلغاء الاحتفال.وفي اليوم الوطني السعودي التسعين، نعود بالذاكرة إلى سيرة الأميرة نورة بنت […]

تشهد المملكة في الفترة الحالية حراكاً ثقافياً كبيراً يترافق مع حركة تغيير وإصلاح، وورشة من التجريب المستمر. وإلى أن تصل المملكة إلى العام 2030، سيكون هنالك كثير من الخطط الثقافية التي ستخرجُ من الأدراج، سينجحُ بعضها، وستضمرُ أخرى؛ ولكن الأهم أن يكون المثقف في صلبها، والمجتمع مختبرها الحقيقي، والفرد السعودي غايتها الأولى، لأنه لبنة التغيير […]

قبل أيام وعلى كنبة مريحة جداً في معهدٍ لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في إحدى الجامعات السعودية؛ ناولني أحد الموظفين كأس شاي “خادر”، شكرته ثم أطرقت متأملاً شكل المبنى الجميل الذي يصلح لأن يكون أي شيء إلا مكاناً لتعليم اللغة!لا مكانَ للتفاعل ولا فناءَ للتعارف ولا فصولاً مفتوحة ولا قبولاً فورياً ولا أحدَ في المساء. […]


0 تعليقات على “بين ذائقة اللغة واختبارات الكائن”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *