مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو - يونيو | 2018

الليزر


د. نجم الحصيني

في روايته “حرب العوالم”، كتب الروائي هيربرت ويلز عام 1898م تصوُّره عن حرب يشنها سكان الكواكب الأخرى على الأرض. وفي هذه الحرب يستخدم المهاجمون سلاحاً فتاكاً سمَّاه “شعاع الموت”، له قدرات خارقة على التدمير. وقتها، لم يكن يدور في خلد هذا الروائي أن شعاعه الخيالي سيصبح خلال أقل من قرن أحد أهم اكتشافات العصر الحديث، مع فارق بسيط وهو أن الشعاع الحقيقي لن يكون شعاع موت فحسب بل شعاع حياة لدى أكثر المتشائمين من هذه التقنية، إنه شعاع الليزر.
الليزر كلمة مختصرة LASER تتألَّف من الأحرف الأولى للعبارة Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation  وتعني تكبير الضوء بواسطة الانبعاث المستحث للإشعاع.
فمن المعلوم أن كل ذرة تتألَّف من نواة موجبة الشحنة تدور حولها إلكترونات سالبة الشحنة. فإذا امتصت الذرَّة طاقة معيَّنة (ضوئية مثلاً) فإن هذه الإلكترونات تنتقل من مستويات طاقة دنيا إلى مستويات الطاقة الأعلى، ونظراً لحالة عدم الاستقرار التي تعيشها الذرَّة (أو حالة الاستثارة) تفضل الإلكترونات العودة إلى مستويات الطاقة السابقة، وتطلق فرق الطاقة على شكل فوتونات (Photons). ويسمى هذا الانبعاث بالانبعاث التلقائي، لأنه يحدث دون اشتراط أي مؤثرات خارجية. ولنفرض الآن أن الذرَّة في حالة إثارة وتريد العودة إلى حالتها الطبيعية، وصادف ذلك مرور فوتون يحمل فرق الطاقة المكتسبة نفسها، فإن الذرَّة في هذه الحالة تفضِّل العودة إلى حالة الاستقرار باعثة فوتوناً مناظراً للفوتون الساقط تحت استحثاث هذا الأخير، وهذا هو سبب تسمية هذا الانبعاث بالانبعاث المستحث.

خصائص شعاع الليزر
يمكننا تلخيص خصائص شعاع الليزر كالتالي:
1- أحادي الطول الموجي. أي إنه ذو لون واحد، فلا يمكن أن نجد ليزراً ذا لون أبيض، فالضوء الأبيض كلون يحتوي على عديد من الألوان (الأطوال الموجية). أما الليزر فهو ذو لون واحد غير قابل للتحليل لأن لجميع فوتوناته الطاقة نفسها.
2- ترابط فوتونات شعاع الليزر، أي إنها تتحرَّك مكانياً بطريقة متناغمة، أو بعبارة أعم فإنها تكون متماثلة تماماً في الحيز الذي تنتقل فيه.
3- الاتجاهية، وهذه الخاصية تظهــر في انتقال أشعة الليزر بصورة متوازية لمسافات كبيرة من دون أن تتشتت.
4- السطوع والشدّة، وهي كذلك ناشئة عن الخصائص السابقة جميعاً، وهذه الخاصية هي منشأ شهرة الليزر ودخوله في عديد من التطبيقات، فالشدّة العالية لأشعة الليزر توفر لنا أداة ضاربة، شديدة الدقة.
منذ اختراعه، غيّر الليزر معظم ملامح حضارة القرن العشرين ودخل في عشرات المجالات وأسهم في معظم التطبيقات التي نستخدمها في حياتنا اليومية. ويمكن تلخيص أبرز تطبيقات الليزر بالآتي:
1- التطبيقات العلمية، وتشمل استخدامه في المطيافية والكشف عن المواد وتركيبها وأشكال أسطحها، والقياسات الدقيقة، وتحديد المدى.
2- التطبيقات الصناعية، وتشمل القطع واللحام، إذ يتميز الليزر عن غيره بقدرته على قطع ولحام أصلب المعادن بكل دقة، ومن دون مخلفات ومن دون الحاجة لدرجات حرارة عالية. كما يدخل أيضاً في صناعة الدوائر الإلكترونية الحديثة، خصوصاً مع الاتجاه نحو تصغيرها بشكل ملحوظ.
3- التطبيقات الطبية، وتشمل تشخيص الأمراض والكشف عن الأورام السرطانية، واستخدامه بشكل واسع في عمليات التجميل وتبييض الأسنان وتصحيح النظر، وغير ذلك الكثير.
4- التطبيقات العسكرية، وتشمل تحديد المدى، وكذلك أجهزة الرادار، وأجهزة تحديد الاتجاه (الجيروسكوب)، وأيضاً كشعاع للتدمير.
5- التطبيقات الأخرى، وتشمل وسائط التخزين، ماسحات الليزر، الطابعات، مؤشرات الليزر، الاتصالات (الألياف الضوئية)، وكذلك استخدامه فنياً في عروض الليزر الترفيهية.
فمن الصعب الإلمام بتطبيقات الليزر أو محاولة حصرها، ذلك أن تقنيات الليزر تطالعنا كل يوم بجهاز جديد، ينتج شعاعاً ساحراً ذا طول موجي مميّز وطاقة متفردة، باحثاً عن مشكلة من مشكلات هذا العصر ليسهم في حلِّها.


مقالات ذات صلة

كان الأديب الفِرنسي فِيكتور هوغو يصف العمارة بِأَنّها المرآة التي تنعكس عَليها ثقافة الشعوب ونهضتها وتطوُّرها. وتتأكد صحة هذه النظرة بإسقاطها على ما يشهده فن العمارة اليوم بفعل التطوُّر التكنولوجي. إذ أصبح جهاز الكمبيوتر اليد اليمنى للمصمم المعماري، يتيح له إبداع تصاميم ما كانت لتبدو قابلة للتنفيذ قبل عقدين أو ثلاثة من الزمن. فتسارعت وتيرة […]

لم يكن مفهوم الداخل والخارج، أي داخل الأماكن المقفلة وخارجها، قبل نمط الحياة العصرية واضحاً. كان الداخل قبل الثورة الصناعية، التي انطلقت في أواخر القرن الثامن عشر، يقتصر بمعظمه على المنازل أو بعض دور العبادة أحياناً. وحتى ذلك الحين، لم تتغيَّر وظيفة المنزل كثيراً بالنسبة لمعظم سكان الكرة الأرضية عن وظيفة الأكواخ الأولى التي بدأ […]

شكّلت الحيوانات الثدية التي تعيش في الصحراء مادة بحثية مهمة للعلماء العاملين على تطوير استراتيجيات جديدة في تقنيات التبريد السلبي ثنائي الطبقة من دون الاعتماد على الكهرباء. ويفتح هذا التطوُّر العلمي الطريق لاستحداث تقنياتٍ لا حدود لها في المستقبل. وبذلك يتم التقليل من احتياجات التبريد المتزايدة باستمرار، التي تستهلك كثيراً من الطاقة وتؤثر بشكل سلبي […]


0 تعليقات على “الليزر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *