مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2020

الشباب والهوية واللغة في العصر الرقمي


أ.د. مصطفى حجازي

الشباب والناشئة هم أبطال التقنية الرقمية والشريحة الأكثر استهدافاً من قبلها. وهي بصدد أن تصبح مرجعيتهم بدلاً من مرجعية الكبار والمعلِّمين، الأمر الذي يكاد يشكِّل قطيعة بين الأجيال على هذا الصعيد. وكلما توغلنا في المستقبل القريب، سوف نكون بصدد جيل يختلف عن أجيال الكبار وبشكل متزايد، نظراً لتسارع تطوُّر التقنيات الرقمية والتواصلية، وهيمنتها على أوجه الحياة.
فمع تزايد هيمنة الرقمي وانخراط الأجيال الجديدة فيه، ستنشأ الثقافة الرقمية الافتراضية التي تحلُّ تدريجياً محل ثقافتنا الورقية. وسيكون لذلك نتائجه المباشرة على تراجع مرجعية الثقافة التقليدية. إذ أصبحت الثقافة الرقمية هي أداة التعلُّم والتشارك، وصولاً إلى تحقيق الذات رقمياً من خلال تزايد مهارة الجيل الطالع في تشغيل هذه التقنيات. وكذلك تزايد تحوُّل العلاقات الاجتماعية المباشرة إلى علاقات رقمية افتراضية، وتحوُّل المرجعية من الكبار إلى الشبكة وتقنيات التواصل الاجتماعي، ومرجعية التقاليد والتراث إلى مرجعية أفقية، حيث كل واحد هو مرجع وتابع في الآن عينه.
إن للحضارة الرقمية ثقافتها الخاصة بها، حيث أصبحنا بصدد التنميط الثقافي الكوني للجيل الطالع في اللباس، والأذواق، والطعام والشراب (فاست فود) والتفضيلات الموسيقية، والانتماء إلى الشلَّة الرقمية. لم تعد الهوية ماضوية تاريخية، ومسألة عراقة وانتماء وتراث وأصالة عند الجيل الرقمي. ولن تبقى مربوطة بالتاريخ والمكان اللذين سوف يتهاويان باضطراد، حيث نسفت التقنية الرقمية حدود الزمان والمكان. إننا بصدد هوية الحساب الرقمي والموقع على تقنيات التواصل الاجتماعي، لدى الأجيال المقبلة الذي سيدخل في هوية كونية افتراضية. ومعه قد تتحوَّل الهوية الوطنية والثقافية إلى مجرد انتماء رسمي شكلي (جواز السفر وبطاقة الهوية). 
ذلك أن الهوية هي بنت الانتماء إلى الجغرافيا والتاريخ والثقافة والكيان الوطني. وكلها بصدد خسارة موقعها مع تصاعد الهوية الرقمية الافتراضية وثقافتها ومرجعياتها. إننا بصدد هوية كونية فوق الهويات الوطنية والانتماءات الثقافية. 
ويتوِّج هذا التحوُّل قضية اللغة في العصر الرقمي. وهنا لا بد من وقفة حول أهمية اللغة في الثقافة والهوية والانتماء. فاللغة هي المظهر المباشر لحضارة الأمة، وهي الحامل لثقافتها وتراثها. فلا هوية من دون ثقافة، ولا ثقافة من دون لغة. فاللغة هي المعمار الخفي الذي به يتشيَّد الفكر ويستقيم. وتشكِّل السيادة الاقتصادية رمز السيادة السياسية، وهذه الأخيرة مستحيلة بدون سيادة ثقافية لغوية. بينما نحن نكاد نكون راهنا أمة من دون مشروع لغوي، مما يهدِّد بأن نصبح من دون هوية. ذلك أن أقوى عوامل ضعف لغة ما وانحسارها يتمثل بضعف إنتاجهم الاقتصادي والفكري ذي النوعية، والقابل للتسويق باللغة الوطنية. لقد كرَّس عصر العولمة واقتصاد السوق إمبريالية اللغة الإنجليزية على مدى الساحة الكونية، مما أخذ يغزو اللغة الوطنية. وهو ما يتجلَّى تحديداً في الجيل الرقمي الطالع.
لغة هذا الجيل المتداولة على المنصات هي خليط من العربية المحلية والإنجليزية ولغة الأيقونات واللايكات التي تشيع على وسائل الاتصال محل اللغة الوجدانية والعقلانية: أيقونات عدد من رسوم القلوب للتعبير عن الحُب، والأزهار المتكرِّرة للتعبير عن تمني الصحة وحسن الحال، واليدان المضمومتان للتعبير عن الشكر، وصيغ التمنيات الجاهزة للتعبير عن المباركة بالأعياد، بدلاً من المعايدات ذات الطابع الحميم وما يميِّزها من مشاعر التوادد والتقارب. وكذلك جيل أحفاد الأبناء الذي لا يتكلم العربية. وآبائهم الذين يتفاخرون بذلك، بل يتباهون بمخاطبة أبنائهم بالإنجليزية.
إن الجيل الرقمي ينجرف في تسارع مثيرات التواصل الرقمي، ويلهث لمتابعة المستجدات من كل نوع تتدافع بشكل متسارع، مما يعني إلغاء الديمومة واستمراريتها ومعها التاريخ والهوية اللذان ينغرسان كلاهما في ديمومة منتظمة تشكِّل أساس الانتماء.
يُصَدَّعُ العصر الرقمي إذاً ثلاثية اللغة، والتاريخ، والهوية، لدى الجيل الرقمي الصاعد. فما العمل لتحويل هذا التهديد إلى فرصة؟ علماً أنه من غير الممكن عودة الحضارة الرقمية إلى الوراء أو وقفها. وجل ما يمكن عمله هو إعادة تخطيطها لصالح خدمة نمو الإنسان ورفاهه، والكيانات الوطنية وتوطيد أركانها وتمكينها. وهذه مسألة مطروحة بإلحاح على قادة المجتمع السياسيين والعلميين، والمفكِّرين والثقافيين.
تتماشى هذه الدعوة مع مواقف وآراء روَّاد إعادة النظر ببرمجيات التقنيات الرقمية. فالمشكلة في رأيهم ليست في التقنيات نفسها، وإنما في توجهات برامج تشغيلها بقصد جني مزيد من الأرباح. لقد أصبحت هذه الدعوة عالمية، وتلعب الأمم المتحدة دوراً رائداً فيها. وعلينا نحن أن ننضم إلى هذا الركب، ونلعب الدور الفاعل لاحتلال الموقع والمكانة المستحقة. وإن نحن قصّرنا أو تلكأنا، فسوف يجرفنا سونامي العصر الرقمي ويحولنا إلى مجرد أتباع منقادين. الخيار خيارنا وأصبح مُلِحَّاً وما زالت الفرص متاحة. وإذا قمنا إلى هذه المهمة المصيرية، فسيكون لنا كيان وتاريخ ولغة ودور.
تتمثل المهمة إذاً في تعظيم إيجابيات السبرانية، ولا بد لنا أن نسارع إلى أخذ النصيب منها، والتمكُّن من تقنياتها. وفي المقابل، علينا الوعي بسلبيات سوء استخدامها من قبل المتحكمين بها بقصد جني الأرباح وتحقيق الثروات الخرافية من خلال ما أصبح يسمى “نفط المعلومة”.


مقالات ذات صلة

كان “الشرق” بالنسبة لأوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تلك الرقعة الجغرافية الممتدة جهة الشرق والجنوب ناحية البحر الأبيض المتوسط، أي بلاد العرب والأتراك بشكل رئيس. وتعود هذه الصورة بأصولها إلى الماضي ما قبل الإسلامي عندما نظرت الحضارتان الإغريقية والرومانية إلى بلاد الشام والأناضول ومصر على أنها بلاد الشرق (Oriens). ولكن هذه الصورة لم تكن واضحة تماماً في أذهان المعلقين الكلاسيكيين والبيزنطيين، حيث كانت لمفهوم الشرق معانٍ مختلفة، وكانت حدوده دائمة التغيُّر حول حوض البحر الأبيض المتوسط تبعاً لتغير حدود الإمبراطورية، وانضمام الشعوب الساميّة إلى الحركات الحضارية الفاعلة: الهلينستية، الرومانية، والبيزنطية.

السينما ليست أداة ترفيه فقط وإنما هي مسؤولة عن الحفاظ على ذاكرة شعب جنباً إلى جنب مع الكتاب.فعندما يستعرض كاتب تاريخ أرضه، فإنما يحاول الحفاظ على ذاكرة الأرض وبالتالي على ذاكرة الشعب. وأتت السينما لتوثق ذلك عن طريق الصورة والصوت، وتغرس في كل فلم جزءاً من ذاكرة المكان أو الزمان في سياق السرد العام.
لذا، تنبع أهمية السينما السعودية ليس فقط من مناقشة العادات والتقاليد وتعريف العالم بالمملكة وأهلها، وإنما أيضاً من المحافظة على ذاكرة الشعب السعودي من خلال أفلام اجتماعية أو سياسية أو تراثية أو حتى غنائية أو خيالية.

اللغة العربية لغة عالمية بعدد الناطقين بها، وعدد المحتاجين لها من غير العرب، يتعلَّمُونها لأسباب متعدِّدة كالسياسة، والأمن، والاستثمار في التجارة والاقتصاد، وهذا ما أعطاها مكانة مرموقة ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتحتل حالياً مرتبة لا بأس بها على محركات البحث العالمية.


0 تعليقات على “الشباب والهوية واللغة في العصر الرقمي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *