مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو - أغسطس | 2018

الجديد والمستعمَل في سوق الأفكار


علي البزّاز

في سوقِ المستعمل/ سوق الأفكار، نرى الجوهر حقيقياً ومتخفِّفاً من صرامته المصطنعة، نرى القديم كالجديد، نافعاً وقابلاً مثله للتدشين، نصادف المُهمل ونرحَّب به كالسيد، نرى الفقير معادلاً للغنيّ، بل ومساوياً له.
هكذا تفكّر الإيديولوجيا: فالنجاح أخضر، والفشل رماديّ قاحل، المديح إيجابي مزدهر، والنقد عقيم كالرمال، كالصحراء. لقد دخلت الأنقاض والمتلاشيات في ثورة جمالية على نفسها وعلى الذوق، تماماً كموديلات الملابس الممزّقة. إذ إن الملابس هي في الأصل أفكار، بحسب المجتمعات التي تنتجها؛ محافِظة، ليبرالية، متعصّبة أم متسامحة، وهي قبل كل شيء، طريقة حياة. فالجينز مثلاً، هو ذات تفكير رعاة البقر، يمثِّل أسلوبهم في الحياة، وطرائق تفكيرهم؛ مقاوم، لا يحتاج الكيّ، يصلح للفصول كلّها. الجينز، لا وقت لديه، مثل الهمبرغر، لا يحتاج إلى إنضاج ونار هادئة. الجينز بمفهوم الطعام، هو نيئ، ولكلٍ طعامه وملبسه.
ثمّة كتاب ظريف للفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري بعنوان”طعامُ الفلاسفة”، يتحدّث فيه عمّا يأكله الفلاسفة، وطريقة أكلهم وعاداتهم، فالنباتيّون مثلاً، هم فكرة أولاً، وهي: الرأفة والعناية بالآخر، التضامن بكل أشكاله البشري والطبيعي؛ المحافظة على الحيوانات، وإظهار الطبيعة كمعين لا ينضب. طعام خالٍ من الدماء، ومقاومة خالية من القتل، ومن الأسلحة الفتَّاكة. النباتيةُ هي إذاً، السِّلمية وإن قاومت واحتجت وعارضت وخالفت.
يشاد بالفكرة الأصلية دائماً، في حين لا توجد فكرة أصلية أصلاً. الأفكار إما مستعملة فقدت قابلية التجدُّد والازدهار، وإما مستعملة صالحة للاستعمال، والكتابة أيضاً، إما مستعملة، وإما صالحة للاستعمال، بمعنى التدوير. سوق الملابس المستعملة، يعني مساواة الغني بالفقير في نقطة الاستعمال، تدشين الجديد، ثم تدشين القديم من قبل الفقير. نعم، يقوم الفقير بتجديدِ القديم فيقدّمه على أنه جديد فيكتسب حينئذ ثراء الغني عندما يستعمل أشياءه المستغنى عنها في وقت ما، ويتساوى معه في “الموديل” وفي الحاجة، بل يتفوّق على الغني، نتيجة تحريك الزمن، أي تدوير زمن المهمل وجعله صالحاً للاستعمال.
نحن نستعمل الأشياء يومياً، نستعمل الجديد ثم نرميه، نستعمل اللسان للكلام، والخفقان للدهشة، واليد للكتابة، فتكون بذلك أعضاؤنا مستعمِلة ومستعمَلة. من يذمّ سوق المهملات لا يجيد استعمال أعضائه في الحياة. قلوبنا هي الأخرى مستعملة؛ بيولوجياً وعاطفياً، ثمّة استعمال متبادل ما بين الدمّ والقلب، وما بين الأحاسيس، الكل يستعمل الكل في نظام إعادة وتدوير، بما يشبه سوق الملابس المستعملة، الذي يشتغل بنظامِ المصالحِ المُتبادلة.
الكتابة بدورها تستعير قوتها من سوق البالة أو من سوق الخردة، حيث تتم عملية التجميع والتدوير، فلا توجد كتابة أصلية مطلقاً، وإن وجدت افتراضاً، فإن الأصول تخون نفسها كما يقول بورخيس، وكما قال قبله الشاعر زهير بن أبي سلمى:”ما أرانا نقول إلّا مُعاراً…أو مُعاداً من قولنا مكرور”. كما في الكتابة، هو في السينما أيضاً، إذ إن أهم فعل تستند عليه السينما هو المونتاج، الذي يعني التجميع ثم القص واللصق، أي التدوير. وكما قال المخرج الروسي الشهير إزنشتاين “كّلنا خرجنا من غُرف المونتاج”.
يستفيد فن ما بعد الحداثة في التشكيل مثلاً، من استعمال المتلاشيات والمهمل في اللوحة؛ المسامير، النقود القديمة، المفاتيح، الإسمنت. يشتغل الفنان الإسباني تابيس مثلاً على الأشياء المهملة والمنبوذة ويجعلها ليست من عناصر اللوحة فحسب، بل ومن وسائل التلقي الجمالي أيضاً، الذي كان لوقت قريب ارستقراطياً، فخماً، وكانت اللوحة قبله، تأنف من الأنقاض والمهمل والخردة، ثم ارتبطت في ما بعد بكل تلك الأشياء المعبِّرة بل والمحترمة جمالياً وفلسفياً (الأنقاض). هكذا، تمت إعادة الاعتبار إلى قطعة الحديد المهملة، وإلى المسامير والخشب، بل وإلى روث الأبقار حتى، الأمر الذي أدى إلى ثورة ضد اللوحة المتحفية التي لها طريقة تعليق خاصة، تهفو إلى صالة عرض أنيقة. وعليه، فقد تغيَّر الخطاب الجمالي في اللوحة، بل وتغيَّرت اللوحة نفسها. لقد اشتغل المصور والفنان الفرنسي برنارد بالصورة وموديلاته كلها من مواد خردة مستعملة متخلّى عنها على قارعة الطريق، في رمزية نادرة.


مقالات ذات صلة

معاجم ومترادفات كثيرة سبقت تقنية العصر في اللغة العربية، لكنها لم تكن بعيدة كثيراً عن مواكبة اللغة العالمية في الذكاء الاصطناعي، فمنذ بضعة عقود بدأ المهتمون في الشأن اللغوي ربط اللغة العربية بالمحتوى الرقمي، من خلال عدد من المؤتمرات التي تعقد بشكل دوري لتطوير المحتوى الرقمي العربي، والبحث في إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في لغتنا العربية.
هذا ما سعت القافلة للبحث فيه ضمن “جلسة نقاش” عقدتها لهذه الغاية وشارك فيها أربعة مختصين، وتابعها عن بُعد عدد من المهتمين باللغة العربية وتقنية العصر.

الظروف تصنع الاستثناءعلياء الموسويصحافية نحن كائنات مؤثرة ومتأثرة. لا نستطيع الانعزال عن المجتمع والكون بشكل كلي. فكان الأمر غير معهود ومقبول من كثيرين. ولكن مع التوصيات الطبية العالمية، بدأت الأغلبية بتقبل الأمر، والأخذ بهذه التوصيات. وأعتقد أنها كانت فرصة جيِّدة حتى يكتشف الإنسان ذاته من جديد ويبحث عن فرص أخرى ويصنع طريقه الخاص الذي يساعده […]

دعم وتمكين المرأة السعودية هو أحد مرتكزات رؤية المملكة 2030، التي أعلنها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان في منتصف عام 2016م. وكما أن الرؤية المباركة هي رؤية تنموية شاملة فإن دعم المرأة وتمكينها يفترض ألا يتوقَّف عند حدود معيَّنة وسياجات محدَّدة. ويُعدُّ قطاع المسرح، الذي توليه وزارة الثقافة اهتماماً واضحاً، من القطاعات التي تتطلَّع إلى إسهام المرأة السعودية إسهاماً يُثري القطاع ويحقِّق في الوقت نفسه تطلعات رؤية المملكة 2030 لتنمية قطاع المسرح كرأس حربة للثقافة من جهة، وكأحد مؤشرات جودة الحياة من جهة أخرى.


0 تعليقات على “الجديد والمستعمَل في سوق الأفكار”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *