مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يناير – فبراير | 2019

التواصل العلمي في المملكة


براءة شداد

للتواصل ما بين الدوائر العلمية من جهة ومجتمعاتها بشرائحها العريضة من جهة أخرى، نتائج أكثــر من أن تُحصى. ولا تقتصــر إيجابيــات هذه النتائج على المجتمع وحده، بل تمتد لتنعكس على المؤسسات العلمية المتخصصة نفسها.
وأمام مشهد الحراك العلمي القائم من حولنا، قرَّرت القافلة استطلاع أحوال التواصل العلمي في المملكة وتجاربه ومبادراته. ولهذه الغاية، عقدت بالاشتراك مع مؤسسة “السعودي العلمي” جلسة حوار في مدينة الخُبر، استعرض فيها عددٌ من المختصين الجهود المبذولة في هذا المجال من بعض أكبر الجهات العلمية في المملكة وغيرها، وشاركوا الحاضرين البحث في أهم المنجزات وأوجه القصور.

المتحدِّثون في الجلسة
الأستاذ خالد العتيبي
مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتّقنية

الأستاذة لولوة الشلهوب
جامعة الملك عبدالله للعلوم والتّقنية

الدكتور أشرف فقيه
مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)

الدكتور فارس بوخمسين
مؤسسة “السعودي العلمي”

الأستاذ علي البحراني
مُعدّ ومُقدِّم برنامج يوريكا شو

في كلمته الترحيبية بالمتحدِّثين والحضور، ضرب رئيس تحرير القافلة الأستاذ بندر الحربي مثلين عن المقصود بالتواصل العلمي المجتمعي وأهميته، فذكر أولاً تغريدة لإحدى قارئات القافلة قالت فيها إنها قرأت في مجلة القافلة سنة 1993م موضوعاً حول فيروسات الحاسب الآلي، فكان ذلك دافعها إلى التخصص في الحاسب الآلي. أما المثل الثاني فهو قصة اكتشاف البنسلين الذي تأخر وصول خبره إلى الناس، وأدَّى ذلك إلى وفاة كثير من البشر بسبب أمراض كان هذا الدواء علاجاً لها. “فالعلوم الناجحة تقوم على أمرين: البحث العلمي والتواصل مع المجتمع، ولا غنى لأحدهمـا عن الآخــر”، ولإيضاح هذه الفكرة، أعطى الحديث لمدير الجلسة الدكتور فارس بوخمسين من مؤسسة “السعودي العلمي” لبدء الجلسة وإيضاح ماهية التواصل العلمي.

أهمية التواصل العلمي وتاريخـه الحديـث نسبيـاً
قال بوخمسين إن التواصل العلمي مصطلح يعني استخدام المهارات المناسبة من إعلام وأنشطة وحوار، لتحقيق الوعي العلمي وإثارة الاهتمام، وتشكيل الرأي. وهو يشمل عدّة أنشطة، كالتّواصل الاحترافي على أيدي العلماء، والتفاعل بين العلماء والمجتمع، وتمثيل الإعلام للعلوم، وكيفية استخدام الناس للمعرفة العلمية في حياتهم. كما أنه حوار متبادل وليس تلقيناً”. وأشار إلى مدى أهميته على عدة مستويات. فهو يسلح الفرد بالمعلومة العلمية التي تمكّنه من العيش بشكل أفضل. ويساعد المؤسسة العلمية على تحقيق رسالتها وإيصال التوصيات إلى أصحاب القرار، وأيضاً على تسويق منتجاتها المادية والفكرية والحصول على التمويل. أما بالنسبة إلى المجتمع، فإن التواصل العلمي يحفّز النشء على الانخراط في مجالات العلوم والتقنية، الأمر الذي يرفع من إنتاجيتها لاحقاً، كما يرفع من الناتج المحلي الإجمالي للدولة ومستويات الرفاهية والصحة العامة والسلامة والمعيشة وغيرها.
وأضاف:” إن التواصل العلمي جزء من الحركة العلمية ككلّ. ولكن، قديماً كان نشاط العلماء مقتصراً على نخب من بضعة أفراد، وكان العالِم مقترناً ببلاط الملوك أو السلاطين. ولكن ذلك تغيّر خلال المئتي سنة الأخيرة، حيث ظهرت مؤسّسات علميّة مختصّة بتمويل البحوث العلمية حول العالم وذلك بالتّزامن مع الثّورة الصناعيّة والبحثيّة والعلمية وغيرها.

وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت أمريكا والاتحاد السوفيتي التنافس على استقطاب العلماء والكفاءات العلمية من دول المحور –ألمانيا واليابان-، وكان هذا بدوره بداية سباق التسلّح المعروف الذي اقترن بسباق في كل مجالات العلوم بما فيها الصّحة والزراعة والصناعة والفضاء والاتصالات. وانعكس ذلك على التّواصل العلمي، فكانت تلك الدول تخصّص جزءاً عظيماً من ميزانياتها لتحفيز الشعب على التركيز في المجالات العلمية والصناعية”.

مبادرات عالمية في مجال التواصل العلمي
وعرض بوخمسين بعض أشهر الجهات المبادرة في التواصل العلمي على مستوى العالم، سواء أكان ذلك على صعيد المؤسسات والجامعات أم على صعيد الأفراد. ومنها مبادرات وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، والجمعية الأمريكية لتقدّم العلوم، ومعهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة هارفارد، والأكاديمية الفرنسية للعلوم والجمعية الملكية البريطانية وجامعة أوكسفورد ووكالة الفضاء الأوروبية وغيرها في أوروبا. وبعد ذلك أعطى الحديث للمتحدثين كي يعرضوا أبرز مبادرات التواصل العلمي في المملكة وبعدها فُتح المجال لمداخلات الحضور والنقاش مع المتحدثين.

تجربة مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم التّقنية

وتحدَّث عنها بالتفصيل الأستاذ خالد العتيبي، فأشار إلى أن المدينة دعمت وتدعم نشر المعارف العلمية العربية المنشأ والمترجمة عن اللغات الأجنبية إلى العربية. فبموازاة الكتب التي تنشرها مثل كتب التقنيات الاستراتيجية التي ترجمت منها 47 كتاباً وغيرها، تصدر المدينة عدداً من المجلات الموجَّهة لشرائح عريضة من المجتمع مثل مجلة “العلوم والتقنية” التي يزيد عمرها على الثلاثين سنة، ومجلة “العلوم والتقنية للفتيان”، ومجلة “نيتشر” العربي، إضافة إلى ثماني مجلات علمية محكمة بالتعاون مع “سبرينجر نيتشر” وهي:
• مجلة التّقنية الحيوية (3Biotech)
• مجلة علم النانو التطبيقي
• مجلة علوم المياه التطبيقية
• مجلة بحوث البتروكيماويات التطبيقية
• مجلة تقنية الاستكشاف والإنتاج البترولي
• مجلة مولدات الطاقة المتجدِّدة والمستدامة
• مجلة النظم المعقدة الذكية
• مجلة انتقالات الطاقة
وتعلق مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية اهتماماً ملحوظاً على المرئي والمسموع فتنتج أفلاماً وثائقية تهدف إلى رفع مستوى الوعي العلمي، ولديها برنامج إذاعي باسم المدينة تبثه قناة “يو.أف. أم”. كما أنها تقيم عديداً من الفعاليات مثل برنامج الإثراء الصيفي، والورش التدريبية والمعارض الثابتة منها والمتنقلة للوصل إلى أوسع الشرائح الاجتماعية، إضافة إلى عقد المؤتمرات، مثل مؤتمري “التقنيات الاستراتيجية” و”الثقافة العلمية” وغير ذلك.
وذكر العتيبي أنه جرى تقييم فاعلية وأثر المقروء والمسموع والمرئي والفعاليات على المجتمع، فتبين أنها متساوية من ناحية التغذية الراجعة.

تجربة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتّقنية

وتحدَّثت الأستاذة لولوة الشلهوب عن تجربة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ومبادراتها. فالجامعة تصدر مجلتين هما “اكتشافات كاوست” بالتعاون مع مجلة “نيتشر”، ومجلة “المنارة”. وعزت الشلهوب اختلاف المحتوى بين المجلتين إلى اختلاف جمهور كل منهما، ما بين القارئ العام لمجلة المنارة ذات اللغة المبسّطة كي يفهمها أي شخص مهتم بالعلوم والتّقنية، في حين أن جمهور مجلة “اكتشافات كاوست” هو من المتخصصين، ولذا فإن السرد فيه يكون أكثر تعقيداً.
كما يوجد في الجامعة ما يعرف باسم “المجمع العلمي” (SciCafe) الذي يضم نخبة من العلماء والباحثين في هيئة تدريس وطلبة الدكتوراه وما بعد الدكتوراه لبحث موضوع علمي معيَّن، فيجمع بين أشخاص من تخصصات مختلفة، يسهمون في مناقشة الموضوع نفسه داخل الجامعة، وأيضاً تتم توسعة دائرة النقاش إلى أبعد من ذلك بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي التي توليها الجامعة اهتماماً كبيراً من خلال صفحاتها على فيسبوك لايف ويوتيوب وفيميو وتويتر.
وعلاوة على ذلك، يعمل مركز الإبداع والتنمية في الجامعة على استقطاب كل من لديه فكرة لمشروع علمي أن يتقدَّم بها، وبعد قبولها يبدأ التدريب والعمل على تطوير الفكرة في الجامعة حتى مرحلة إيصالها إلى السوق.
وبما أن الجامعة تهدف إلى إثراء الجمهور العربي بمحتوى علمي بلغته الأم وبأسلوب مبسط، تقوم جهود التواصل الإعلامي الخارجي بمد جسور التواصل بين العلم والقطاع الصناعي، وكذلك تسهيل انتقال التقنيات من المختبر إلى السوق عبر الأنشطة المذكورة سابقاً وكذلك عبر المشاركات الخارجية في مهرجان الجنادرية وأسبار ومؤتمر الحوسبة الفائقة. وختمت الشلهوب مداخلتها بالتذكير بأن التحديات تظل في شح المحتوى العلمي العربي إجمالاً وأيضاً عدم وجود مرادفات عربية للمصطلحات التقنية المتقدِّمة.

تجربتا جامعة الملك فهد للبترول والمعادن
ومركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي

وتناول الدكتور أشرف فقيه تجربتي جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ومركز إثراء في التواصل العلمي، وبدأ بالإشارة إلى خبرة الجامعة في البحث العلمي والتّواصل مع المجتمع، حيث إنها مهتمة بدعم البحث العلمي منذ مرحلة البكالوريوس. وهي الجامعة الأولى عربياً في عدد براءات الاختراع، إذ تستحوذ على ثلثي براءات الاختراع في العالم العربي، وعلى المستوى العالمي حققت الجامعة في العام الماضي المرتبة السادسة على مستوى جامعات العالم بحسب تصنيف مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع. ولكن السؤال يبقى: إلى أي مدى يعي الجمهور حقيقة هذه المنجزات؟ وإلى أي مدى يشعر المتلقي العادي أن هذه المنجزات تؤثر فيه شخصياً، في حياته وفهمه لاقتصاد وطنه؟
وعرض فقيه لمشاريع نفَّذتها الجامعة في مجال التواصل العلمي، ومنها على سبيل الأمثلة “برنامج العلوم للمجتمع” الذي استفاد منه نحو 400 معلِّم ومعلِّمة في تطوير قدراتهم على تبسيط المواد العلمية، وقناة “لومن شو” على يوتيوب لتبسيط المعارف في مجالات العلوم والاقتصاد والتقنية. كما أن مركز سلطان بن عبدالعزيز للعلوم والتقنية الذي يستقبل نحو 400 ألف زائر سنوياً، يُعدُّ الذراع التثقيفية للجامعة.
وبعد ذلك، تحدَّث فقيه عن تجربة مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء” في التواصل العلمي انطلاقاً من هدفه لأن يكون حاضنة إبداعية وثقافية تعمل على تطوير المواهب ودعم سوق العمل، وذلك من خلال مكوّناته التي تضم مكتبة ومتحفين للأطفال والكبار ومسرحاً وبرجاً للمعرفة مكوّناً من 18 طابقاً مخصصاً للتعليم المستمر وورش العمل غير التقليدية.
وعرض لمجمل مبادرات المركز بدءاً من مبادرة “إثراء الشباب” التي أطلقت قبل انتهاء بناء المركز، والبرامج التي تضمنها، مثل: أتألق، أقرأ، أكتشف الرياضيات، أكتشف العلوم..التي طالت عشرات الآلاف من طلاب المدارس في مختلف أرجاء المملكة، وصولاً إلى برنامج الإبداع الجديد الذي حمل اسم “تنوين”، واستمر 17 يوماً، وحضر أكثر من 60 ألف شخص فعالياته التي ضمَّت أكثر من 60 متحدثاً من دول مختلفة، كان من بينهم 20 متحدثاً ومحاوراً سعودياً من ذوي الخبرة في الصناعات الإبداعية ومجالات الابتكار، وشهد إقامة 45 ورشة عمل مكثفة في مجالات رئيسة قدّمتها مجموعة من المؤسّسات العالمية، من أبرزها مؤسسة سميثونيان، وجوجل، ومعهد ماساتشوستس للتقنية، وركزت على اكتشاف قدرات إبداعية وتطوير الأفكار ومهارات الابتكار لدى أكثر من 1000 شاب وفتاة.

تجربة مؤسسة
“السعودي العلمي”

بعد ذلك، تحدَّث بوخمسين عن مؤسسة “السعودي العلمي” التي يرأسها، فقال إن المؤسسة بدأت كمجموعة تطوعية منذ عام 2012م، وكانت في البداية عبارة عن شخصين فقط هما الدكتور بوخمسين نفسه وصديقه معاذ الدهيشي، وكانا يتواصلان عبر الإنترنت لإثراء المحتوى بشكل فردي فقط. وبمرور الوقت توسعت المجموعة. وفي عام 2017م، كان الوقت قد حان للاتجاه صوب العمل المؤسسي. ومن ذاك الوقت، والسّعودي العلمي يُعدُّ مؤسسة رائدة في التّواصل العلميّ على مستوى المملكة، حازت جوائز محلية وخليجية عديدة.
وعدَّد بوخمسين أهداف المؤسسة، وهي:
• نشر المعرفة والثقافة العلمية من مصادرها الموثوقة
• مواكبة الحركة العلمية العالمية بنقلها بشكلٍ سريع ودقيق
• إثراء المحتوى العلمي العربي على الإنترنت
• رفع مستوى الثقافة العلمية في العلوم الأساسية
• تعريف العالم بالعلماء السعوديين البارزين والمؤثرين
• زيادة الثقة في الأبحاث والتطبيقات العلمية السّعوديّة
• بناء التقاليد البحثية وتوطين المعرفة في الموروث السعودي

أما التحديات التي يواجهها السعودي العلمي في مهمته هذه، فتتمثل بشكل خاص في: ضعف مستويات الوعي العلمي، تأخر الحراك العلمي محلياً، وشح المحتوى العلمي العربي. إضافة إلى افتقار المؤسسات العلمية إلى مهارات تطوير المحتوى وتبسيط المعقّد منه للتوجه به إلى غير المختصين، والدعاية والتسويق.

تجارب الأفراد: البحراني مثلاً

ولأنَّ التواصل العلمي ليس حكراً على المؤسسات ومراكز الأبحاث، بل يستطيع الأفراد القيام بدور بارز وناجح في تحقيقه، استضافت الجلسة الأستاذ علي البحراني الذي تحدَّث عن تجربته المتمثلة بشكل خاص في برنامجه على قناة يوتيوب، وهو بعنوان “يوريكا شو”.
يقول البحراني إنه بعد سلسلة نشاطات ثقافية منوّعة قدَّمها للأطفال، سافر إلى فرنسا للحصول على شهـادة الماجستيـر في علـم الهندسة والطاقة، وافتقد آنذاك الأنشطة التي كان يقدِّمها للأطفال في المملكة، فقرَّر أن يبدأ تصوير برنامجه “يوريكا شو”.
بدأ برنامجه بداية بسيطة وبإمكانات محدودة، إلى أن خاض تجربة “البقاء لثلاثة أيام من دون نوم” لمعرفة ما إذا كان ذلك ممكناً، ولتقديم إجابة حاسمة عن سؤال كان مطروحاً على الشبكة. وبفعل الأصداء الكبيرة التي لقيها عرض تجربته هذه على يوتيوب، تبلورت الفلسفة العميقة التي قام عليها نجاح برنامجه. فيقول إن عملية التعليم القائمة حالياً على التلقين كانت فكرة اختصاصي التعليم بنجامين بلوم في أمريكا، الذي وضع نموذجاً للجامعات والمدارس سمَّاه “هرم بلوم”، وبمقتضاه يتدرَّج الطالب من الحفظ ثم الفهم ثم التطبيق ثم الابتكار والتصميم. فجلّ العملية التعليمية تقوم على الحفظ والقليل من الفهم والتطبيق والشح في الابتكار والتصميم. وطبّق هذا النظام في أمريكا ثم انتشر شيئاً فشيئاً في جميع أنحاء العالم. والآن هناك أصوات تنادي إلى أن يعكس الهرم، وأن يكون الابتكار محور العملية التعليمية، وهذا ما يسعى البحراني إلى نشره في الفعاليات التي يقدِّمها أو من خلال برنامج “يوريكا شو”. خاصة وأنه لاحظ أن أعلى نسب المشاهدات كانت للحلقات التي تحوي تجارب، فقرَّر التركيز على نظام التعلم بالتجربة، وليس التلقين.
وكان البحراني العربي الوحيد الذي تلقى في شهر نوفمبر الماضي دعوة من شركة يوتيوب لحضور مؤتمرها في مدينة هانتسفيل الأمريكية، بصفته منتجاً محتوىً علمياً إبداعياً، وللتحدث عن تجربته في “يوريكا شو”.


النقاش يتكشف عن الحاجة
إلى مزيد من العمل

تناولت المداخلات بالدرجـة الأولى دور الجامعات في التواصل العلمي مع المجتمع، فقال مدير الاستدامة المؤسسية في “شركة التركي القابضة” الأستاذ حمد الكلثم، إن الخبراء يتحدَّثون الآن عن المسؤولية الاجتماعية للجامعات ومفهوم أثر الجامعة على طلابها وأعضاء هيئة التدريس، والمنتجات. لكن التحدي الأكبر هو التأثير في محيطها والأحياء من حولها. وهناك تجارب حول المنصات التي يمكن من خلالها إيصال رسائلنا إلى الناس من حولنا. فهل فكرت الجامعات، والمؤسسات العلمية في كيفية الاقتراب من أفراد المجتمع، من دون أن يأتوا هم إليها ؟!
وأضاف: إن المحتوى العلمي وفير جداً، لكن ما ينقصنا هو الجانب العملي. فنحن نريد إضافة إلى الابتكارات والأفكار، أن نفتح الآفاق العلمية للطلاب في المدارس بأدوات علمية بسيطة جداً، بدلاً من المختبرات التي أفسدها الغبار! ولن نصل إلى نتائج عملية ملموسة ما لم يخض الطلاب التجارب، ويتعرضوا لها.
ولدى إثارة موضوع العلاقة بين الجامعــات ومحيطــها المباشـر، قالت لولوة الشلهوب إن جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) تتفاعل مع سكان محافظة ثول، من خلال ذهاب أعضاء من الجامعة إلى المدارس المحلية، وتعريف الطلاب والمعلمين بالأنشطة العلمية في الجامعة، إضافة إلى زيارات تقوم بها المدارس إلى الجامعة للتعرف على مراكز الأبحاث والمختبرات. والجامعة من خلال هذا التواصل العلمي تُلهم طلاب المدارس، وتغذي تصوراتهم لمستقبلهم بعد أن يصلوا إلى المرحلة الجامعية.
وأضافت الشلهوب: فتحنا المجال للجامعات الأخرى لزيارة الجامعة، للتعرف إلى فلسفتها، ومراكز الأبحاث والمعامل، وبحث سبل التعاون العلمي والمعرفي معها. ومن يعرف الجامعة يعرف أنها متخصصة في الدراسات العليا، ولذلك فإن الأيام المفتوحة تكون لطلبة مرحلة البكالوريوس لكي يتعرّفوا على مجالات الدراسات العليا المختلفة.

التقصير لا يزال موجوداً
ولكن فقيه رأى أن ذلك لا يكفي، وأن التحدي لا يزال قائماً، فأشار إلى أنّ هَمَّ التواصل العلمي موجود لدى الجامعات، لكن المشكلة تكمن في التنفيذ. فالجامعات لا تهتم بالتواصل المجتمعي، وهي أغلبها مراكز لتخريج حملة البكالوريوس، وعلاقتها مع المجتمع محصورة في خدمة سوق العمل ومنح الطلاب والطالبات شهادة في نهاية المرحلة الجامعية، حتى أصبح همّ كل شاب وشابة التخرج في الجامعة والحصول على الوظيفة.
وأضاف أن ما يحصل عندنا هو عكس ما نعرفه عن الجامعات الرائدة في العالم مثل ستانفورد، وهارفارد وغيرهما، فالناس تعرف هذه الجامعات لأنّ بينها وبين سوق العمل تكاملاً وارتباطاً. فنحن نقوم بأشياء عظيمة، وأبحاث مهمة، ونستطيع شرحها ببساطة لأي باحث، أو حامل شهادة دكتوراة، أو خبير أجنبي، لكن كيف نقوم بإيصال هذه المعلومات بلغة عربية وبأسلوب مبسَّط للمتلقي المحلي؟ هذا هو التحدي الكبير الذي يجعلنا نسأل: كيف يمكننا مأسسة هذا التوجه وجعله في المتناول؟ خصوصاً وأن لدينا مناجم علمية ثمينة مثل أرامكو السعودية، وسابك، والجامعات.. على الإعلام أن يبذل جهداً أكبر، وأن يكون ذا تأهيل متخصص للقيام بدوره في التواصل العلمي مع المجتمع، كما أن كليات الإعلام لم تصل بعد لتوفير تأهيل إعلامي علمي.
من جانبه، وصف الدكتور عبدالرحمن السلطان، المدير التنفيذي للتواصل والتوعية بالهيئة العامة للغذاء والدواء الجهات المهتمة بنشر الثقافة والتوعية بأنها تعمل بانفصال عن بعضها بعضاً. وقال: “الجميع يقدّم مبادرات جميلة ومهمة، لكنها غير مستدامة، وترتبط بالأشخاص أكثر من الجهات التي يعملون فيها، وتنتهي المشروعات بانتقال الأشخاص إلى مكان آخر”.
وأضاف: “أتمنى وجود تحالف وتواصل بين الجهات التي لها صلة بالنشر العلمي. فنحن في الهيئة العامة للغذاء والدواء لدينا اهتمام كبير برز خلال العامين الأخيرين، ونطمح لأن نكون المرجع الأول للمعلومات حول الغذاء والدواء”.

ثم ذكر: “بدأنا قبل سنتين في الهيئة بفكرة إنشاء مجموعات “العصف الذهني” من الجمهور نفسه، حيث نعرض عليهم جميع المواد المرئية والمسموعة والمكتوبة قبل نشرها أو بثها. والحقيقة أننا كنّا نفاجأ كثيراً بأننا بعيدون عن اهتمام الجمهور وأن لغتنا غير واضحة. ولا حظنا أيضاً أن الرسائل التوعوية بعد مرورها على هذه المجموعات مع التبسيط والتوضيح تصبح أكثر انتشاراً”.
وبعد أن استعرض الأستاذ عبدالعزيز الشيخ، مدير الفعاليات بواحة الملك سلمان أقسام الواحة، وما تحويه من معارف علمية وما تنظِّمه من فعاليات، ذكر أن أكثـر من %70 من زوار الواحـة يأتون إليها عن طريق الصُّدفة، نظراً لشكل مبناها الغريب الواقع في شارع التحلية بمدينة الرياض. متسائلاً عن كيفية خلق وسائل لجذب الشرائح غير المتخصصة في المجتمع لزيارة الواحة ومثيلاتها من مصادر المعرفة العلمية.
كما تحدَّث الأستاذ وليد الرشيد، مدير العلاقات والإعلام في مركز الأمير سلطان بن عبدالعزيز للعلوم والتقنيـة (سايتك) عن التواصـل بشكـل فعّال مع الجامعات، من خلال فعاليات علمية مختلفة متكرِّرة، كان آخرها: مهرجان العلوم الذي شاركت فيه جميع النوادي العلمية في الجامعات بتجاربها العلمية وابتكارات طلابية، وحضره طلاب المدارس العامة، كما أتيح في الفترة المسائية لكل شرائح المجتمع.
كما تحدَّث الأستاذ أحمد الدليجان وهو ناشط في التواصل العلمي، عمّا يعرف بـ”المواطنة العلمية”، التي هي مرحلة متقدِّمة في التواصل العلمي، تعني إشراك الجمهور غير المتخصص في البحث والعمل العلمي. وقال: “تبيَّن أن لكثير من الباحثين في الجامعات بيانات كبيرة، يصعب الاعتماد فيها على آلة أو كمبيوتر، فيعتمدون على العنصر البشري، ووجدوا أن كثيراً من الناس لديهم الرغبة في التطوُّع، بحيث يعملون، وتُقدَّم لهم دورات علمية، ويحصلون معارف جديدة. وهذا ينسحب أيضاً على الهوايات مثل هواية مراقبة الطيور التي أصبح لها مراكز مرتبطة بالجامعات تستفيد من هوايات هؤلاء الناس، ويفيدون منها في البحث العلمي. وعندنا في المملكة بيئة خصبة لهذا العمل، فلدينا كثير من الأشخاص المهتمين بالمواقع الجُغرافية، وبالحياة الفطرية، وبأحوال الطقس .. وغيرها. فليتنا نستفيد منها وفق أسس علمية، ونفيد منها في أبحاثنا ومراكزنا العلمية”.
وختاماً، تساءل الدكتور فارس بوخمسين عما كان يمكن أن يكون عليه القطاع العلمي المحلي لو كان تدريس العلوم فيه باللغة العربية، وعلّق على ذلك بالقول إن تدريس العلوم باللغة الإنجليزية حصراً حتى وقت قريب، جعل عامة الناس تتطلع إلى العلوم بوصفها نشاطاً نخبوياً، وهذا ما خلق فجوة في الوعي المجتمعي بين العلم والحياة اليومية، على التواصل العلمي أن يردمها اليوم.

بعض مبادرات التواصل العلمي في الغرب
أورد الدكتور فارس بوخمسين في كلمته بعض الأمثلة حول أشهر الصروح العلمية التي تولي تواصلها مع المجتمع أهمية كبرى تُحتذى، ومنها في أمريكا:
• وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، المعروفة بوفرة البيانات الصحافية التي تصدرها حول نشاطاتها، والنقل التلفزيوني المباشر لأهم فعالياتها. وقد فازت “ناسا” مؤخراً بجائزة “إيمي” (وهي جائزة سينمائية) وذلك لإنتاجها فلم قصير مدته ثلاث دقائق عن مسبار “كاسيني” الذي أطلقته إلى كوكب المشتري. وعلى الرغم من قصره، فقد كان من الجودة بحيث نافس أهم أفلام هوليوود. وفي هذا ما يدل على مقدار تركيز “ناسا” واهتمامها بالتواصل العلمي.
• الجمعية الأمريكية لتقدّم العلوم، ذات البرامج الضخمة في التواصل العلمي في عدة مجالات متخصصة. كالتواصل العلمي مع المدرسين والعامة والسياسيين وغيرهم من جميع شرائح المجتمع.
ومن الجهات الأكاديمية
• معهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة هارفارد، فكل بحث ينشر من هاتين الجامعتين يقرن بمادة تواصل علمي، وذلك بنشر البحث في مجلة أو دورية علمية مختصة للخبراء، بالإضافة إلى بيان صحافي ينشر في الجرائد، وفيديو تبسيطي للمادة العلمية و”انفوجرافيك” يلخص المادة العلمية. (ونصح الدكتور فارس الحضور بالاطّلاع على ما ينشر في الموقع الإلكتروني لهاتين الجامعتين للاستفادة منها).

ومن أوروبا ذكر المتحدّث
• الأكاديمية الفرنسية للعلوم في فرنسا.
• الجمعية الملكية في بريطانيا وكلاهما مراكز بحثية مختصة، ولها جهود كبيرة في التواصل العلمي.
• وكالة الفضاء الأوروبية، لها نشاط كبير في التّواصل العلميّ، وهي مختصة بالتّحديد في مجال الكتابة النّصية، وتنافس أكبر المطبوعات الأوروبية في الكتابات العلمية.

ومن الجامعات الأوروبية
• أكسفورد، التي تسهم بشكل كبير في مجال التواصل العلمي، وعلى سبيل المثال، نشرت هذه الجامعة عدداً هائلاً من الكتب القيمة العلمية، حتى يكاد لا يخلو منزل من أحد إصداراتها، وتنافس في ذلك أكبر دور النشر العالمية.
• مدرسة لوزان الاتحادية للفنون التطبيقية.
• الأفراد.
• والتواصل العلمي المجتمعي ليس حكراً على المؤسسات والجامعات، بل هناك أفراد لمعوا فيه وكرسوا جهودهم لهذا الشأن ومنهم براين كوكس والسير دايفيد أتينبورو في بريطانيا، ومثلهما بيل ناي وميتشيو كاكو العالمان المتخصصان والشغوفان بالتواصل العلمي، وكذلك بيل ساينس جاي الدائم الظهور في البرامج السياسية، حتى إن خبراء من الكونغرس استعانوا بشهادته العلمية.

أهمية التواصل العلمي
على مستوى الأفراد
تحقيق المنفعة المباشرة في الحياة اليومية

على مستوى المؤسسات العلمية
• تحقيق رسالة المؤسسة في نشر المعرفة
• إيصال التوصيات العلمية لصانع القرار
• التسويق للمنتجات المادية والفكرية والحصول على التمويل

على مستوى المجتمع
• تحفيز الناشئين للانخراط بالعلوم والتقنية
• ارتفاع الناتج المحلي
• ارتفاع مستويات الرفاهية الاجتماعية

التوصيات
في ختام الجلسة، وفي إطار الحوار الذي دار بين الحاضرين، تقدَّم هؤلاء بمجموعـة توصيات، أهمها:
• توفير معارض علمية متنقِّلة على مدار العام.
• فتح الآفاق للطلاب في المدارس.
• إيجاد تفاعل بين الجامعات والبيئات المجتمعية من حولها في الأحياء والمدن.
• صناعة محتوى علمي مبسط وواضح باللغة العربية ومأسسة التواصل مع المجتمع.
• تأهيل متخصصين في التواصل العلمي وإنشاء تخصصات في الجامعات للإعلام العلمي.
• إدخال ثقافة الاستدامة في مشروعات التواصل العلمي في الجهات العلمية المختلفة.
• إنشاء تحالف وتنسيق بين الجهات التي لها صلة بالنشر العلمي لتوحيد الجهود وتكاملها.
• الاستفادة من الجمهور في تطوير المحتوى العلمي وتكوين مجموعات علمية للعصف الذهني.
• تفعيل مفهوم “المواطنة العلمية”، الذي يعني إشراك الجمهور غير المتخصص في البحث العلمي.


مقالات ذات صلة

منذ أن بدأت التقنية تحلُّ محلَّ الإنسان في تنفيذ بعض الأعمال، ظهرت تساؤلات حول مستقبل الأعمال، وما الذي سيبقى منها معتمداً على المهارات البشرية. ونظراً لتسارع وتيرة التطور التكنولوجي، ازدادت هذه الأسئلة إلحاحاً، وباتت تفرض استشراف مجالات العمل المستقبلية والتخصصات المطلوبة لها. ولهذه الغاية، نظَّمت القافلة بالتعاون مع الهيئة الملكية بالجبيل، جلسة نقاش تحدث فيها متخصصون في دراسات المستقبل والموارد البشرية وممثلو جهات حكومية وشركات وطنية حول وظائف المستقبل على المستويين الوطني والعالمي. وهدفت الجلسة إلى تعريف قرّاء المجلة بالتغيرات المستقبلية التي ستطرأ على الموارد البشرية ومهاراتها، وعرض رؤية بعض الجهات الرائدة في هذا المجال.

الرحمة والصدق عبدالله الطويل ـ مراجع حسابات قانوني حنانها في تعاملها معي ومع إخوتي عندما كنا نلعب بشقاوة ونضرب بعضنا بعضاً، أو نضرب ابن الجيران، كيف كانت تجمعنا وتصالحنا، وتذيب الفروق بيننا كأخوة. تزرع طيبتها فينا بمسامحتنا، وتعهدنا لها بعدم تكرار الفعل مرة أخرى. أذكر أني عندما كنت صغيراً كسرت نظارة والدي ذات مرة، فجمعنا […]

كتب عربية مكتباتهم تأليف: محمد آيت حنا الناشر: دار توبقال للنشر والتوزيع في المغرب، 2018 كما يقول بورخيس “إن المكتبة أبدية”، يقول المؤلف في مقدمة كتابه هذا: “وحدها الكتب كانت لتبرّر وجودهم بالنّسبة لي”، وذلك في معرض حديثه عن أسرته وما ورثه منها، مؤكداً على أن الكتب التي كان يحصل عليها مدينة له، إذ إنه […]


رد واحد على “التواصل العلمي في المملكة”

  • جهودكم المباركة في هذه البادرة المميزة و التي تثير العلم وهو مانسعى له في بلادنا لجعل المجتمع يتلقى العلوم من مختصيها واتمنى ان يكون هناك معارض تبرز النشاطات العلمية في منصات التواصل الاجتماعي
    شكراً لجهودكم


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *