مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

نفاياته تهدِّد بخنق عالمنا

استهلاك البلاستيك في ميزان الوعي


وفاء خالد

الكيميائي بيكلاند مخترع البلاستيك في العام 1907م

لا يستطيع المرء حصر عدد المنتجات البلاستيكية التي يلمسها ويستخدمها، ولو فقط في الدقائق العشر الأولى من يومه. فأين تذهب كل هذه المنتجات البلاستيكية بعد الفراغ من استخدامها؟ وماذا سيحـــلّ بها بعــد أن نرميها في القمامة؟
ملايين الأطنان من البلاستيك تلاحقنا في كل مكان. وأطنان من الأوراق العلمية تركض خلفها لاهثة تحاول تنبيهنا إلى أننا أفرطنا في استخدام البلاستيك، وتكشف حقائق مخيفة حول ما تحوّل منه إلى نفايات تتكدَّس في أكوام عملاقة تخنق الحياة البحرية وتسمم اليابسة.
فما العمل مع هذه المادة الحاضرة دائماً في حياتنا اليومية؟ وهل هناك من حل يمكنه أن يحفظ كوكبنا من الاختناق بالبلاستيك؟

تتميز المنتجات المصنوعة من البلاستيك بسهولة الاعتماد عليها. فهي رخيصة، متوفِّرة، وعملية.
وعندما نفكِّر في النفايات البلاستيكية فإن أول ما يخطر في بالنا هو قوارير الماء المعبأة وأكياس البقالة. لأننا نستخدم المُنتَجَين بكثرة وبوضوح. لكننا لا نفكِّر كثيراً بالملابس والأحذية والأدوات المنزلية وأكواب القهوة وكل ما هو مصنوع من الكرتون المقوَّى بالبلاستيك وما تحتويه غالبية المنتجات الصناعية من أجزاء مصنوعة من البلاستيك.
يستمر المستهلك في الاستهلاك، ويربت على ضميره ويُسكته صوت صغير يقول: “كل هذا ستتم إعادة تدويره بطريقة ما، المشكلة ليست مشكلتك”. لكن هل فعلاً تتم إعادة تدوير جميع تلك المنتجات وغيرها؟
مشكلة البلاستيك الأساسية هي عدم تخلينا عنه. وسيستمر في التكاثر من حولنا مع كل منتج فعّال وناجح، وذلك منذ أن قدَّمه الكيميائي ليو بيكلاند للعالم عام 1907م، على هيئة لدائن عُرفت بـاسم الباكيليت، أعقبها البوليسترين والبوليستر والـ PVC، وهي الأسماء التي يعرفها أي شخص يقرأ مكونات الأقمشة ومواد البناء.
كانت المادة الرخيصة مثيرة لاهتمام المستثمرين والعلماء بعد الحرب العالمية الثانية. وبدأت بإغرائهم لاكتشاف مشتقات أكثر وأكثر. فهي لدنة، قابلة للتعديل لأي غرض، ومركباتها الأولية متوفرة بشكل كبير في الوقود العضوي.. كبرت هذه المادة، وكبرت معها الصناعة. فتضاعف إنتاج العالم من البلاستيك عشرين ضعفاً منذ عام 1964م وحتى الآن. وتشير تقديرات إلى أن سوقها العالمية ستصل إلى أكثر من 600 مليار دولار بحلول عام 2020م.
يقدَّر الباحثون ما تمَّ إنتاجه من البلاستيك منذ العام 1950م وحتى الآن بنحو 9.1 بليون طن. ولتصوّر ما يعنيه ذلك، نشير إلى أن هذه الكمية تكفي لأن تدفن جزيرةً تبلغ مساحتها نحو 60 كيلومتراً مربعاً  كاملة، بطبقة من البلاستيك تبلغ سماكتها ثلاثة كيلومترات.

نتيجتها اليوم
تشكِّل بعض النفايات البلاستيكية اليوم جُزراً كبيرة تسبح في المحيطات. وأشهرها تلك التي في المحيط الهادئ والمعروفة باسم “كومة الباسيفيكي العظيمة”، والتي أصبحت رمزاً للتلوث العالمي. تسبح هذه الكومة الرهيبة في المحيط المفتوح بين جُزر هاواي وسواحل كاليفورنيا، وتتكوَّن حسب التقديرات من 7 ملايين طن من النفايات، ينتشر قلبها الرئيس على مساحة ميل مربع، وتبلغ سماكته 9 أقدام. ونحو %80 من هذه النفايات هي منتجات بلاستيكية جمعتها تيارات مختلفة من أطراف المحيط لتستقر في نقطتين مركزيتين بعيدتين عن أية حدود، ولا تريد أي دولة تحمُّل مسؤوليتها وتنظيف المحيط منها. ولأن تحلل البلاستيك يتطلَّب عدة قرون من الزمن، فإنه يتكسر مع الوقت إلى قطع صغيرة جداً لا تُرى بالعين المجرَّدة. ولذا، وجد العلماء البلاستيك في %9 من الأسماك حول جُزر هاواي. في حين أن القطع الأكبر ينتهي بعضها في بطن الحيتان والسلاحف البحرية والأسماك ليقتلها خنقاً. وإن استمر إنتاج البلاستيك واستهلاكه والتخلص بالطريقة نفسها، تتوقَّع بعض المصادر أن يفوق تعداد نفايات البلاستيك تعداد السمك في المحيط بحلول عام 2050م.

من أين يبدأ الحل؟
مشكلة البلاستيك تمسنا جميعاً. وجميعنا نتشارك المسؤولية عنها، ويمكنننا أن نتشارك في حلّها. لكن الحلَّ يجب أن يبدأ من الإنتاج. من الشركات التي تستخدمه بإفراط. هذه الشركات الكبرى لديها القدرة على تمويل الدراسات والأبحاث التي ستوجد بعض الحلول لمشكلة التغليف وابتكار منتجات صديقة للبيئة. وجعلها أرخص ومجدية أكثر من البلاستيك. بناءً على مبدأ لا يمكننا تفريغ المغسلة من المياه إن كان الصنبور ما زال مفتوحاً.
يمكن أن يبدأ دور المستهلك بالحرص على استخدام أكواب قهوة من الخزف بدلاً عن البلاستيك، وأكياس تسوقه التي يُعاد استخدامها، وبالابتعاد عن شراء المنتجات التي لا يمكن إعادة تدويرها. ثم يفرز نفاياته ويحرص على إيداعها في حاويات إعادة التدوير الخاصة.
لكن النقطة المهمة هنا هي أن كل شيء يحتاج إلى فترة للتعوّد عليه، إلا الترف. والمستهلك الآن مترف بمساعدة البلاستيك، لذا ستكون العودة خطوة إلى الخلف للتقليل من استهلاك البلاستيك خطوة كبيرة بالنسبة إليه وتحتاج إلى جهد ملحوظ.
المستهلك مترف جداً من دون أن يدرك ذلك. إذ تصله كل المنتجات التي يريدها من أطراف العالم وهي تحتفظ بجودتها بسبب البلاستيك. وتنخفض قيمة الشحن لخفة وزن مادة التغليف والتوضيب هذه، وقلة احتمالية تكسر المنتجات سريعة العطب أثناء النقل. مما يجعل سعر هذه المنتجات التي يشتهيها ويستخدمها في متناول يده وخفيفة على جيبه.

9.1 بليون طن هو تقدير العلماء لما تم إنتاجه من البلاستيك منذ العام 1950 وحتى الآن

كما أن المنتجات البلاستيكية ساعدته في حفظ بقايا أطعمته بجودة عالية ليتناولها في وقت آخر. وساعدت على إيصال المياه بتمديدات عالية الجودة لا تصدأ ويصعب كسرها في منزله. وطمأنته إلى كثير من الأدوات والألعاب التي يستخدمها أطفاله لن تتكسر وتؤذيه لأنها من البلاستيك، وغير ذلك مما يصعب إحصاؤه.
وبعد الاستعمال، من السهل جداً أن يتخلَّص من البلاستيك برميه في النفاية العامة دون فرز. فالمستهلك لديه كثير من المشكلات الصغيرة والكبيرة في حياته التي تجعل من هذه الأفعال الصغيرة في نظره أمراً في أسفل قائمة اهتماماته.
لذا، يجب رفع وعي المستهلك بحجم مشاركته الصغيرة هذه على المدى الطويل، بربط نتائجه بصحته وصحة أولاده وأحفاده، كما يجب تيسير هذه المهام عليه وتشجيعــه عليها، وكذلك إدخال الأمر في نمط حياته العادي فلا تصبـــح مهمة إضافية بل عادة يومية بسيطة.
نحتاج إلى إعادة تدريب مرة أخرى كي نُفطَم عن البلاستيك. ولهذا يكون الاعتماد على نقطتي السهولة والمصلحة الشخصية لكل فرد أمراً مهماً. ويمكننـا التعلُّم من تجارب الدول الفقيرة والغنية في هذا الموضوع.
فالدول الفقيرة تعتمد في إعادة التدوير على أفقر طبقة في المجتمع. تلك التي تبحث عن أي مصدر للرزق وتخشى الموت جوعاً أكثر من فكرة الجراثيم والخطورة في نبش النفايات. فتسمح لهم بالنبش في أكوام النفايات في الحاويات والمرادم ليستخرجوا ما ينفع ويبيعونه إلى مصانع إعادة التدوير. ومن أشهر الأمثلة وأكثرها فعالية هو حي قائم عند أطراف مدينة القاهرة، تجمع فيه قمامة المدينة كل يوم ويتم فرزها ويعاد تدويرها. لا يُرمى شيء في هذا الحي. حتى النفايات العضوية من أطعمة وغيرها تُعطى علفاً للحيونات. ويتعدَّى هذا الحي بنفعه القاهرة ومصر إلى العالم كله. ويعطينا فكرة واضحة لطريقة العمل في مثل هذه النشاطات ومكاسبها المادية. وبقليل من التعديلات لحل مشكلات هذا المجتمع الصحية وأخذ احتياطات السلامة الخاصة بخطورة هذا العمل بالذات، يمكن رفع مستوى جدواه، وتعزيز عوائده المادية على القائمين به.
أما الدول الغنية فتعتمد أولاً على وعي المستهلك والطبقة المتوسطة، وتسهيل المهمة على المستلك بتوفير أماكن تستقبل إيداعات الناس من القوارير والعلب في المكان نفسه الذي يشترون منه حاجياتهم في العادة وتدفع لهم مقابلها مبالغ بسيطة. أو تشتري منهم قماماتهم القابلة لإعادة التدوير، وتجمعها من منازلهم بعد أن يكون أصحاب المنزل قد فرزوها. أو حتى تفرض الأمر بالقانون والغرامات.
من الأمثلة الرائدة في هذا المجال ألمانيا التي وصلت إلى أعلى معدل إعادة تدوير في أوروبا بنسبة %65 سنة 2016م. واليابان التي وصلت إلى نسبة %77 من إعادة تدوير البلاستيك وتقود الطريق عالمياً بدروس ممتازة. والسويد التي تسعى للوصول إلى هدف “صفر نفايات”. وتعاون معها المجتمع حتى وصلت إلى مستوى غير مسبوق يتمثل في شراء القمامة من الدول الأخرى لتوليد الكهرباء عندها.
إن ما يجعل هذه الدول ناجحة في هدفها لتقليل النفايات البلاستيكية ليس فقط البنية التحتية والغرامات أو حتى الطمع الشخصي لأفراد المجتمع الذين يريدون مقابلاً لجهدهم ونفاياتهم. النقطة الأهم في هذا كله هي أن النظام مفهوم وواضح للجميع. وتوجد طرق تيسّر تطبيقه على الجميع. وأسبابه كذلك واضحة للكل بسبب وعي المجتمع المرتفع بأهمية تقليل استخدام البلاستيك وإعادة استخدامه وتدويره.

الأبحاث مستمرة، ولكن..
وفي موازاة جهود التوعية، يسعى العلماء في مختبراتهم إلى الإسهام في إيجاد مزيد من الحلول الجزئية لجوانب من استخدامات البلاستيك، علّهم يتوصّلون إلى الحد من الإفراط في استخدامه.والأبحاث بدأت منذ مدة طويلة، لكنها لم تلقَ الدعم الكافي، ولم تتبنَّ الشركات نتائجها حتى الآن. مثل تقنية تغليف مياه الشرب بالأغلفة القابلة للتحلل العضوي، التي فاجأت عالم الإنترنت وظهرت كما لو كانت دعابة في البداية. استمدت هذه التقنية فكرتها من تقنية مستخدمة في المطاعم الفاخرة الحديثة، وتقوم على تغليف السوائل والصلصة بجيلاتين مستخرج من الطحالب، وتضاف إلى أطباق الطعام لتنفجر النكهات في الفم. فطوّر ثلاثة طلاب تصميم هذه التقنية للتقليل من عبوات المياه البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. وصنعوا كرات من المياه بالطريقة نفسها. وهكذا يمكنك أكل كرة المياه أو شرب المـاء ورمي التغليف الجيلاتيني ليتحلَّل.
وهناك أيضاً أوراق التغليف المشمَّعة بشمع النحل، لتحل محل التغليف البلاستيكي الخفيف الذي نستخدمه لحفظ الأطعمة في المنزل. وكل ما عليك أن تفعله هو أن تغلف الطعام بطريقتك المعتادة، لكن بالاستمرار في مسك المنتج عدة ثوانٍ يذوب الشمع قليلاً بفعل حرارة اليد، ويلتصق ببعضه مكوناً الغلاف الذي نحبه واعتدنا عليه.

ألمانيا التي وصلت لأعلى معدل إعادة تدوير في أوروبا بنسبة %65 سنة 2016. واليابان التي وصلت لنسبة %77 من إعادة تدوير البلاستيك وتقود الطريق عالمياً بأمثلة ممتازة. والسويد التي تسعى للوصول إلى هدف “صفر نفايات”

وعبوات التغليف التي تمنع أكسدة الأطعمة والمصنوعـة من اللاكتوز المستخرج من الحليب، هي اليوم مقترحة لتحل محلّ البلاستيك، وللتخلص من مخاطر المواد الكيميائية التي قد تتسرَّب منه إلى الأطعمة.
كل هذه الأمثلة لا تزال في مرحلة التجارب. ولم يتبنَّها إلا المتحمسون والمهتمون بالبيئة والصحة. ولا تزال تكلفتها أعلى من تكلفة البلاستيك.

تقنية التغليف بكرات المياه (أوهو Ooho)ذات الأغلفة القابلة للتحلّل العضوي

تبقى الكرة في ملعب المستهلك
ثمة تجارب عديدة تثبت لنا مرة بعد مرة أن شرح الأسباب وربطها بالفعل والنتيجة بشكل عملي وواضح يجعل نسبة من يطبِّق التعليمات أعلى. وهذا ما يجعل مهمة الفنَّان والكاتب والمعلِّم أهم وأكبر لنشر هذا الوعي ورفعه في مجتمعنا. فالحملات التوعوية المباشرة القائمة على المواعظ لا تكفي وحدها. إذ إن الفنون بأشكالها المختلفة تؤثر في النفس البشرية بشكل أقوى. والتعليم من الصغر يجعل بعض التصرفات التي تبدو صعبة بديهية جداً للجيل الجديد.
إننا نشترك جميعاً في وجوب مراجعة النفس أثناء التسوق، والابتعاد قدر الإمكان عن شراء ما لا يمكن إعادة تدويره، وكذلك في العمل أكثر على معرفة طرق إعادة التدوير في مدينتنا وفرز نفاياتنا.
ولا ننسى تشجيع الشركات والمتاجر التي تساعدنا في مهمتنا، بالحرص على تفضيل منتجاتها. الأمر الذي سيساعدها على الاستمرار في ذلك تحقيق أرباح تدفع الشركـات الأخرى إلى أن تحذو حذوها.
الشركات ستلحق نقودنا أينما كانت. فلنضعها في مكان يحافظ على الكوكب ويقلِّل استخدام البلاستيك وسوف تنتقل الشركات الكبرى إلى هذه الطرق. إننا لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، بل إلى ركنها فترات أطول لتقليـل استهلاكها إذا جاز التعبير. لا نريد التخلص من البلاستيك تماماً. نريد فقط ترشيد استهلاكه وإيجاد منطقة وسط بين رغبتنا باستخدامه والمحافظة على الأرض وعلى صحتنا وصحة أولادنا وأحفادنا.
والأهم احتساب الأجر في كل ما سبق. فشكر النعمة وإعمار الأرض من واجباتك كإنسان يعيش عليها.

 

 


مقالات ذات صلة

“إن عصر الكمبيوتر لم يبدأ بعد. ما لدينا حتى الآن هو مجرد ألعابٍ صغيرةٍ لا تزيد كثيراً عن عدّادات الأطفال”، يقول الباحث في شركة الكمبيوتر العملاقة “هوليت-باكارد” ستان وليامز إن الجيل الرابع الحالي من الكمبيوتر، والمعتمد في معالجاته الدقيقة على السيليكــون، بــات على وشــك إخــلاء المجال لجيل آخرَ مختلـف، ستبدو معه الإنجــازات الباهرة للثورة الرقمية الحالية، شيئاً ينتمي إلى عالم قديم.

تعيش القوارض في كل مكانٍ على وجه الأرض، باستثناء المنطقة القطبية الجنوبية، وتشكِّل نحو %40 من مجمل أعداد الثدييات، وتُعد من أكثرها تنوعاً. معظمها صغير الحجم، إلا أن بعضها يصل وزنه إلى 80 كيلوغراماً.

إن أبعد مسافةٍ قطعها إنسانٌ حتى اليوم هي إلى القمر، الذي يبعد عن الأرض 386400 كيلومتر. وقد احتاج روّاد الفضاء للوصول إليه ثلاثة أيام. ويحتاج الضوء للسفر من القمر إلى الأرض إلى ثانية واحدة وثلاثة أعشار الثانية، أي ما يشبه غمضة عين.


رد واحد على “استهلاك البلاستيك في ميزان الوعي”

  • اكمل للتو قراءة المقال في النسخة الورقية مفيد جدا بارك الله فيكم


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *