مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

أكثر من رسالة


الآمدي الذي سبق برايل
زخر التَّاريخ الإِسلامي بطائفة كبيرة مِن العلماء المسلمين وُلدوا عُمياناً أو فَقدوا أَبصَارهم بَعد ذَلك، واستَطاعوا أَنْ يتغلَّبوا على إِعاقتهم وأن يَدرسوا العلوم المختلفة، وبرعوا فِيها وأَصبح لهم تَأثير كَبير وإِسهامات عَظيمة فِي المُجتمع في كثير من النواحي الدينية والعلمية والاجتماعية؛ ومن أشهرهم العَالِم الكَفيف زين الدّين الآمديّ، وهو أول عالِم معروف تأكد لنا بالاسم أنه اكتشف طريقة القراءة باللمس للحروف البَارزة للمَكفوفين.
هو الإمام زين الدّين أَبو الحسن علي بن أَحمد بن يوسف بن خضر الآمديّ، المتوفي عام 712ه/
1312م، الذي فقد بَصره في صغره، ودرس على أَيدي شيوخ اللغة والفقه الحنبلي فِي بغداد؛ حتى أَصبح من كبار علمائها وأُستاذاً في المدرسة المستنصرية ببغداد، كما برع في علوم اللغة وأَجاد عدة لغات مِنها الفارسية والتركية والمغولية.

اكتشافه طريقة القراءة باللمس
كان الآمديّ يَعمل وَراقاً بِجانب تدريسه في المدرسة المُستنصرية ببغداد؛ حيث اتخذ مِن بَيْع الكتب مهنة يكسب بِها قوت يومه، وكان يتمتع بِفراسة قوية، وبديهة حاضرة. فقَد هداه ذكاؤه الحاد إلى ابتكار طريقة يتعرَّف بوساطتها – بِرغم عماه – موضع كل كتاب أو مخطوط وموضوعه ومؤلِّفه وعدد صفحاته، وثمن كل كتاب أَو مخطوط يقتنيه. ويشرح لنا المُؤرِّخ الصفدي هَذه الطريقة بما كتبه عنه، ومنه ما يأتي: “إنه يعرف أَثمان جميع كتبه التِي اقتنَاها بالشراء؛ وذلك أَنه كان إذا اشترى كتاباً بشيء معلوم أَخذ قطعة ورق خفيفة وفتل منها فَتيلة لطيفة وصنعها حرفاً أَو أَكثر من حروف الهجاء لعدد ثمن الكتاب بحساب الجمل ثم يلصق ذلك على طرف جِلد الكتاب من الداخل ويلصق فوقه وَرقة فإذا شَذّ عَن ذهنه ثمن كِتاب ما من كُتبه مَسّ المَوضع الذي علّمه فِي ذَلك الكِتاب بِيده فيعرف ثمنه مِن بروز العَدد المَلصق فِيه”.
وقد استغل الآمديّ هذه الطريقة وطوَّرها وأَبدع فيها؛ بحيث إذا طُلب منه كتاب وكان يعلم أَنه عنده، نهض إلى خزانة كتبه واستخرجه من بينها كأنه قد وضعه لساعته، وإن كان الكتاب يتكون مِن عدة مجلدات وطُلب مِنه الأول مثلاً أو الثَاني أو غَير ذَلك أَخرَجه بِعينه وأَتى بِه، كَما كَان يمس الكتاب أولاً ثُم يَقول: يَشتمل هذا الكتاب على كذا وكذا، وإذا مرّر يده على الصَفحة عَرف عَدد أَسطرها ونوع وشَكل الخَط الذي كُتبت به.
والوَاقع أَن أَصل طريقة قراءة العميان بالأَحرف البارزة كانت متداولة بَين العَرب قبل زين الدّين الآمديّ، واستُدلّ عَلى هَذا بِقَول الشاعر أَبي العلاء المعري المتوفى سنة 449هـ / 1057م، أي قبل الآمدي، وقد كان كفيفاً:
كَأَنَّ مُنَجِّمَ الأَقوامِ أَعمى
لَدَيهِ الصُحفُ يَقرَؤُها بِلَمسِ
لَقَد طالَ العَناءُ فَكَم يُعاني
سُطـوراً عادَ كـاتِبُها بِطَمسِ
أما في الغرب فلم تظهــر طريقــة برايـل التي تحمل اسم مبتكرها لويس برايل وأصبحت لاحقاً ذات شهرة عالمية، إلا في أواسـط القرن التاسع عشر الميلادي.

د. محمد أحمد عنب

تنويه واعتذار
في عددها الثالث لهذا العام (مايو / يونيو 2018م)، نشرت القافلة ضمن هذا الباب رسالة بعنوان: “هل كتب الأطفال فقط للأطفال؟” بقلم غادة الميمان كتعليق على مقال نشر سابقاً في القافلة عن أدب الأطفال. ونتيجة خطأ تقني، ظهرت الرسالة موقّعة باسم كاتب آخر في النسخة الورقية من المجلة، وقد صُوِّب هذا الخطأ في النشر الإلكتروني على موقع المجلة والتطبيق ووسائل التواصل الاجتماعي. فاقتضى التنويه والاعتذار.

كتاب أطفال ساعدني على التعامل مع موت جدتي
في مقالها بعنوان “الموت في أدب الأطفال”، تناولت الدكتورة فاطمة اللواتي في صفحات قليلة، جوانب كثيرة من هذا الموضوع الذي اعتبرته “أصعب الأمور على الشرح للأطفال”. فقد عرضت نتائج دراسة أجريت في جامعة أوهايو، وما توصلت إليه من أنه لتصور الطفل للموت أوجهاً متعدِّدة وفقاً للمراحل العمرية المختلفة، ثم انتقلت إلى الحديث عن العالم العربي، والنقص الكبير في قصص الأطفال التي تعالج مسألة الموت، لتستعرض بعد ذلك ثلاثة نماذج من هذه القصص، لكل من ابتهاج الحارثي، وأمل فرح، وناهد الشوا، ولتكشف جوانب القصور في كل منها. وتخلص في النهاية إلى أن “كتّاب أدب الأطفال في العالم العربي قد يكونون في معظمهم ممن لم تتح لهم فرصة دراسة خصائص الطفولة أو التعمق فيها”، ولكنها تلتمس لهم العذر بسبب حداثة هذا الأدب في العالم العربي، وتدلهم على الطريق للتغلب على ذلك، مؤكدة على “أهمية فهم ودراسة خصائص المرحلة العمرية للأطفال”، واعتبرتها “من الأمور الأساسية التي تسهم في وضع بوصلة المسار الصحيح عند الكتابة للطفل”.
ولعل المقام يتسع لأشيد بكتاب أطفال ساعدني كثيراً، عندما ماتت جدتي وأنا في التاسعة من عمري، وهو يحمل عنوان “كتابي الحزين” للمؤلف الإنجليزي مايكل روزن، صدرت الطبعة الأولى منه عام 2004م، كتبه بعد أن مات ابنه إيدي وهو في الثامنة عشرة من عمره. أجمل ما أعجبني في هذا الكتاب آنذاك، الصور المعبِّرة، للرسام كوينتن بليك، بالتوازي مع قدرة المؤلّف على التعبير عن الاضطراب الكبير في المشاعر التي تنتاب المكلوم، من حزن وألم وغضب ولامبالاة وعدوانية، ومن تصرفات غريبة، كأن يبتسم الإنسان ليداري حزنه عن الآخرين، لكنها ابتسامة صفراء ليست من القلب، أو أن يصرخ وهو يستحم، أو يضرب الملعقة على الطاولة، أو يكاد يركل قطة بقدمه، ثم يغضب من ابنه الذي تركه، وخلّف وراءه كل هذا الحزن. وفي أوقات أخرى، يبحث عمن يتحدث معه عن الفقيد تارة، ثم يفضل تارة أخرى العزلة والانكفاء على نفسه، وأن يجتر الذكريات واحدة تلو الأخرى ليعيش من جديد هذه اللحظات، ثم يبحث عما يلهيه عن ذلك من خلال مشاهدة مباراة كرة قدم، أو مراقبة الناس والأحداث في الطريق. لكن الذكريات تباغته من جديد، وتعيد الشريط مرة أخرى، حينما كان ابنه يمثل في الفريق المدرسي، أو يسير في الطريق مع أصدقائه وهو يضحك بشدة، ثم يرى مشاهد الاحتفال بعيد ميلاد ابنه، عاماً وراء عام، وفي كل مرة يزداد عدد الشموع فوق كعكة عيد الميلاد، ليختفي بعد ذلك كل شيء، ولا تبقى سوى شمعة واحدة، وهو جالس يراقبها، لعلها تشير إلى الضوء الذي ينير آخر النفق، وإلى عودة الحياة من جديد، حتى ولو غاب هذا الشخص العزيز على القلب.
وعودة إلى المقال: أعترف أني شعرت بالإحباط من النتيجة التي توصَّلت إليها الكاتبة، ولا أعرف ما إذا كانت هذه الصورة القاتمة لكتب الأطفال العربية التي تناولت هذا الموضوع، ترجع إلى قلة الأعمال التي تناولتها الكاتبة، أم أنه لا توجد فعلاً أي قصص أطفال تستوفي المعايير التي أشارت إليها، خصوصاً وأن الكاتبة اقتصرت على الأديبات السيدات، ولم تعرض عملاً لمؤلف واحد. وعموماً طالما أن الدكتورة فاطمة اللواتي هي نفسها صاحبة الكثير من قصص الأطفال، فلنأمل أن يصدر لها قريباً كتاب أطفال يعالج هذا النقص في مكتبتنا العربية، لأن أطفالنا يحتاجون إلى من يؤهلهم نفسياً للتعامل مع مسألة الموت التي ستأتي إلى عالمهم الصغير لا محالة.

منى أمين
ألمانيا


مقالات ذات صلة

معلومة طريفة تقول إن أول ساعة منبِّه عملية في العالم اخترعت عام 1876م، ومنذ ذلك الحين أحكمت قبضتها على أوقات الناس وانتباههم. قادت الساعة إلى السرعة، والسرعة إلى الإجهاد وتشتُّت الانتباه، وأثار اختفاء تنبيهاتها لوقت طويل التململ، وظهـرت في تلك الفترة لأول مرة كلمة الملل!

بداية، يسر القافلة أن تعبِّر عن اعتزازها بالقرّاء الذين يدقِّقون في كل كلمة ترد على صفحاتها، فيعقِّبون، ويوضِّحون ويصحِّحون أينما كان هناك خطأ مهما كان صغيراً. ومن هؤلاء الأخ عدنان قاضي الذي كتب إلينا يصحح خطأً ورد في أحد الأخبار العلمية المنشورة في العدد السابق بعنـوان “إنجاز صيني في مجال الانصهار النووي”، حيث وردت كلمة “كوكب” الشمس، وهذا خطأ. لأن الشمس نجم وليست كوكباً.

قرأت في مجلتنا الموقَّرة (القافلة العدد “2” مجلد “67” مارس/أبريل 2018م) مقالاً بعنوان “الموت في أدب الأطفال” للدكتورة فاطمة اللواتي، تناولت فيه ثلاثة نماذج من القصص المؤلفة هي: “الخفي” لأمل فرح، و”أنا وماه” لابتهاج الحارثي، و”أشتاق.. أشتاق” لناهد الشوا. وأشارت الكاتبة في أكثر من موضع إلى وجود نقص كبير في قصص الأطفال التي تعالج مسألة الموت قياساً إلى أدب الأطفال في الغرب.


رد واحد على “أكثر من رسالة”

  • إشارة إلى تعقيب منى أمين في باب أكثر من رسالة، فلقد تابعت المقالات المتتابعة التي تحدثت عن معالجة مسألة الموت في أدب الأطفال والتجارب في تجاوز هذه المسألة عبر القصة والأدب، ورغبت منذ البداية في الإشارة إلى وجود قصة بعنوان: “جلال جدتي” للكاتبة فاطمة الحسين عبر دار أسفار، والجِلال هو تسمية محلية في نجد بالمملكة العربية السعودية لرداء المرأة أثناء الصلاة، وهو رداء يستر كفيها وشعرها إلى قدميها ويكشف عن الوجه، وتعالج فيه الكاتبة فكرة الموت عبر استعراض حال فقط صبية صغيرة لجدتها المتوفاة، والتفاصيل كما وردت في موقع الدار تقول: “يرحل الأموات ولكن حبهم يبقى معنا.. قصة جلال جدتي هي قصة مصورة للأطفال من عمر ٩-١٢ سنة، ينتقل القارئ بين أحداث عدة.. بين الحميمية والدفء في حضن الجدة ثم المرض الذي يصاحب الشيخوخة ثم الموت، بعد ذلك تنقل القصة القارئ إلى طمأنينة مابعد فاجعة الموت بالدعاء للميت وتذكره دائماً.” وكما سرني التفات الكاتبة الأولى الدكتورة فاطمة اللواتي لمثل هذا الموضوع، يسرني مشاركتكم هذا العنوان من مكتبة الطفل التي تحتاج إلى التفاتات أوسع وأكثر دوماً.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *