مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو - يونيو | 2018

آثارنا في الضوء


رئيس التحرير

ما إن تهبط أرض عاصمة عربية إلَّا ويتلقَّفك أحد سائقي سيارات الأجرة حتى يعرض عليك سيلاً من الخدمات جُلّها يتعلَّق بالفنادق أو الشقق أو أسواق التبضع أو مدن الملاهي والألعاب، لكنه نادراً ما يدعوك لزيارة منطقة أثرية أو معالم تاريخية أو متاحف أو مساجد أو قصور قديمة، على الرغم من أن مدينة ذلك السائق تكتظ بما لا يُحصى من تلك المعالم والنوادر من الشواهد التاريخية.
كنت أعزو هذا المسلك إلى أن السائح العربي إجمالاً، لا الخليجي وحده، لا يسافر لأهداف أخرى غير التنزه والترفيه والسكن والتبضع، وهذا التفسير لا يخلو من الصحة، إلا أنني أدرك أن لهذا الخلل في سلوكنا الاجتماعي والثقافي أبعاداً أخرى.
في المجمل، كلنا بما فينا سائق الأجرة الذي أشرت إليه، لسنا على علاقة أثيرة بالآثار وتاريخها ودلالاتها. فقد تدرَّبنا على أنها مادة تاريخية صمّاء نخضعها لذاكرتنا زمناً ثم ننهي العلاقة بها في قاعات الامتحانات. فنحن ندرس سير عظماء التاريخ والحضارات، ونحفظ نصوصهم ومآثرهم، ولكن من دون أن نتعرَّف على الأماكن التي عاشوا بين ظهرانيها، منازلهم، مساجدهم، كتبهم، خطوط أيديهم، ملابسهم، ملامح حياتهم اليومية. لم يحدث ذلك، فبقيت مخيلاتنا قاصرة عن تخيل ملامح الفضاء المادي الذي عاشت في ظلاله تلك الشخصيات الكبرى.
كما تمَّت تنشئة المواطن العربي من دون أن يلمس علاقة حيَّة بين آثار بلاده وهويته الحضارية، فلم تعلّمه الأنظمة التربوية أن يرتبط وجدانياً بتلك الرموز التاريخية، ولم تكن جزءاً من بنائه الثقافي والحضاري، وربما ترسَّبت لديه في حقبة زمنية ليست بالقصيرة مشاعر عدائية تجاه هذه الشواهد المادية باعتبارها أصناماً لا تقدِّم نفعاً ولا ضَراً، وهي تنتمي لتاريخ الأمم السابقة لكنها لا تنتمي إليه في زمنه الراهن. وربما أفرط البعض في قطيعته فاعتبر تلك الآثار والمعالم الشاهقة شأناً يخص أساتذة الجامعات والباحثين المختصين والسائحين الأجانب المولعين بدراسة الشواهـد التاريخية والحضارية. ومن جهة أخرى، تفتَّحت عيناه على أن الآثار مهملة وبعضها قد اندثر منذ زمن بعيد، وهي بلا حماية بل إن الدخول إلى ساحاتها كان ممنوعاً وكأنها أوابد منذورة لعوامل التعرية ومحكوم علينا بجهل بقيمتها التاريخية وموقعها في التراث العالمي.
اليوم تشهد المملكة جهداً مكثَّفاً في ميدان الآثار. فبعد تقديم جملة من آثار الجزيرة العربية عبر معرض جاب أوروبا والولايات المتحدة والصين واليابان وكوريا الجنوبية ولاقى حضوراً مبهجاً لدى الدوائر الحضارية والآثارية، ها نحن نستيقظ على خبرين مهمين هما العثور على أول اكتشاف أحفوري للإنسان العاقل في صحراء النفود بالمملكة، وأقدم أحفورة مؤرخة للإنسان الحديث خارج إفريقيا وبلاد الشام، ما يثبت أن الجنس البشري قد انتشر إلى ما وراء إفريقيا في وقت أبكر مما كان يُظَــن سابقـاً، كما أن هناك فِرقاً دولية متخصِّصة تعمل مع علماء سعوديين لاستكشاف جغرافية الماضي الأخضر للجزيرة العربية.
هذه الآثار والشواهد تغادر عزلتها لتصبح جزءاً من هويتنا الحضارية، وربما جاذباً سياحياً واقتصادياً في المستقبل، ما يفرض على الوزارات المعنية بالتربية والثقافة والإعلام والجامعات أن تؤهِّل الطلاب وفئات المجتمع الأخرى لتشرب الثقافة الآثارية وتداولها ودمجها ضمن نسيجنا الثقافي والاجتماعي، وبناء الكوادر المتخصِّصة للعمل في مواقع التنقيب عن الآثار ومسح الصخور والنقوش وتمكينها لتصبح قطاعاً عملياً واستثمارياً ناجحاً.


مقالات ذات صلة

على مدى ثلاثٍ وسبعين سنة من حياته، أحبَّ الروائي فلاديمير نابوكوف، أحد رموز الأدبين الروسي والأمريكي، صيد الفراشات ودراستها، بعد أن أذهله جمالها، وحيَّره تكوينها. وقبل سنوات قليلة، صدر كتاب بعنوان “خطوط دقيقة”، عرض كثيراً من رسومات نابوكوف التشريحية للفراشات وشرحاً لعلماء متخصِّصين عنها. يقول هذا الأديب المُتمكن من بناء الحبكة المعقَّدة وتوظيف الرموز والمجازات: “الأدب والفراشات هما أجملُ شغفٍ عرفه الإنسان”.

بداية، لا بدّ لنا من أن نتوجه بالشكر الجزيل إلى كل القرّاء الذين كتبوا إلينا مهنئين بحلول شهر رمضان المبارك، ونحن بدورنا نتمنى لهم صوماً مباركاً وإفطاراً سعيداً أعاده الله على الجميع بالخير واليُمن والبركة. وقبل الإشارة في هذا المجال الضيق إلى بعض ما وردنا من رسائل، نود أن نلفت انتباه القرّاء الذين يكاتبوننا عبر […]

الجينز والعولمة في ملف القافلة (الجينز الأزرق) لعدد يناير/فبراير 2016م، الذي وقع في يدي مؤخراً، وجدت كل ما كنت أتمنَّى معرفته عن قطعة الملابس هذه. استمتعت بالخلفية التاريخية الشيقة، واستمتعت أكثر بما ورد في ثنايا الملف من استنتاجات، عن إمكانية أن يكتشف كل إنسان منجم ذهب خاص به، إذا امتلك روح المغامرة ولم يبق في […]


0 تعليقات على “آثارنا في الضوء”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *