مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو - أغسطس | 2019

وديع الصافي والبئر


نجاح طلعت

تكاد بئر الماء في القرية تختصر الحياة القروية، ينافسها على ذلك أحياناً نبع الماء، وهما صنوان، تماماً كما يختصر نهر مدينة أو بلد من البلدان. وأغنية المطرب وديع الصافي “أنا وهالبير” أي: أنا وهذه البئر، تختصر مكانة البئر في حياة القرية، كما أنها تختصر إلى إحدى بعيد في مقاطعها الثلاثة هذا اللون الجميل من الفن الغنائي اللبناني.

من ماء البئر تسقي القرية زرعها، وتشرب قطعانها. وإحدى لوحات القرية اللبنانية الكلاسيكية مشهد الصبية التي تحمل الجرّة إلى بئر الماء على أحد كتفيها لتملأها وتعيدها للبيت. وحول البئر تجتمع الصبايا تتنادرن، وتتبادلن الأخبار والوشوشات، وكثيراً ما تمر الأمهات بالبئر للتعرف على مرشحات زواج لأبنائهن. وحول البئر كثيراً ما تُعقد حلقات السمر والسهر والمناسبات.
من أغنية الصافي هذه، هي إنها كقطعة الحلوى العربية تنقسم إلى ثلاثة مقاطع منفصلة ومتلاصقة مع بعضها بعضاً في آن معاً، تختلف في تكوينها وفي أدائها إلاَّ أنها تشكِّل وحدة متجانسة فريدة. فالمقطعان الأوّل والأخير يتشابهان في غياب شبه تام للمواكبة الموسيقية تماماً كالموّال، على عكس المقطع الأوسط الصاخب باللحن والغناء الجماعي. 
في المقطع الأول يناجي وديع الصافي البئر، ويتحدّث عن مدى حميميّة العلاقة بينهما، والقِدم الذي يجمعهما وطول السنين. كذلك العمق الذي يتشابهان به هو والبئر الذي يطوي في باطنه لديهما قصصاً وأسراراً، أفراحاً وأحزاناً، وذكريات بيادر الزرع منذ أيّام الصغر، حين كانت شمس أشهر الحصاد الصيفية تجعل الأولاد سمر البشرة.
وتستيقظ مع هذه المناجاة صور الخير والطير وقصص صبايا القرية، ثم يتحوّل لمخاطبة البئر ويسأله عمن تعلق بها قلبه، وما إذا كانت تبادله الود، رغم أنها كانت تمر به قرب البئر وكأنها لا تعرفه. ويختم المقطع معلناً أنه أنهى مهام النهار زرعاً وسقياً وقطافاً، ومر بالبئر من أجل شربة ماء يروي فيها عطش النهار الطويل وينوى الآن التوجه للبيت، وقد تأخّر الوقت.
وبينما هو يهم بالرحيل يقطع جو المناجاة الوجدانية الهادئة صخب جمع من الشابات والشبان يطالبون “أبو فارس” بأغنية ولو صغيرة رغم معالم تعبه. ويحاول التهرّب متعذراً من خوفه أن تباغته امرأته لتعاتبه، فيعده الجمع بكسب ود أم فارس، ويلحُون عليه بأن تبدأ “السهرية قرب البئر” بمقطع غنائي صغير منه.
والحقيقة، يكاد هذا القسم من الأغنية أن يحوي رغم قصره بعض أظرف ما ميّز اللون اللبناني من الغناء في تلك الفترة، حين ظهر بشكل أساسي في المسرح الغنائي، حيث تجتمع الحماسة والحميمية والصخب الفكاهي والتعبير العاطفي الرقيق، كلها متداخلة متلاحقة، مما يولّد تفاعلاً شديداً لدى جمهور الحاضرين أو السامعين.
على أية حال، ما أن ينتهي إلحاح الجميع في الطلب، حتّى يعم الهدوء التام مجدداً، ونسمع لحناً شجيّاً خافتاً وكلمات عشق حنونة بأسلوب المُوّال، يصف فيها كيف تنهّدت الحبيبة حين رأته بصمت، وكأنها تريد أن تشكو حالها فلا تجد سبيلاً إلى ذلك إلا دمعتين. ويكمل وصف اللقاء الذي ينتهي دون أن تستطيع أن تقول ولا هو أن يرد، فلا كلام خرج منها ولا منه، ولكن فشى سرهم لبعضهما دقُات قلبين. وهنا ينقر مطربنا خشب العود نقراً كأنه دقّات قلب، ويختم الموال شاكياً باكياً حاله للورد، الذي حين مد يده ليقطفه جرحه شوكه.
ورغم التكوين الثلاثي، فزمن الأغنية دقائق. تنتهي ولم يرتوِ السامع من عذوبتها وحيويتها ومشاعر الرقة فيها. ووديع الصافي الذي هو ابن الجبل، وابن القرية بالتأكيد، يؤدي الأغنية بإحساس من يعرف البئر ومعاشر لها ولقصصها، فقريته نيحا معروفة بتراثها القروي. ولا شك في أن من يستمع إلى مطلع الأغنية بكلماته الأولى البسيطة (أنا وهالبير) يتملكه شعور أكيد أن الكلمات تصدر من صدر عاشق عارف.

يقول كلام الأغنية، وهي من تأليف وتلحين الأخوين رحباني، والشعر باللهجة العامية اللبنانية:

قَدَيْشْنا صُحبِة أنا وهَالبير   
عْتاقْ نِحنا مِن زَمان كْتير
وغْماق شو في سْرَار مِطوِيِّة   
بِقلوبْنا وِدْموع وِمْشَاوير
أنا وهالبير. ..
قَدَّيش صارْ لي بَعْرْفو، شو، عُمُر، جيل البيادر وِالوْلاد السُّمُر
إِيّام كان الغُمْر خَلْفِ الغُمْر مَوسِم صَبايا وحُب وِشْحارير
أنا وها البير ..
يا بير هَالكانِت تْوَالِفْنا
بْتِمْرُق كَأَنَّا ما بْتَعْرِفْنا
زْرَعْنا سْقِينا الزَّرْعْ وِقْطَفْنا
وْبِدْنا نْسَرِّبْ ما بَقَى بَكِّير
أنا وهالبير ..
الجوق: عوافي يا بو فارس، تعبان كتير، دايماً منشوفك حارس عَحْفاف البير
بوفارس: خْلِصْتِ الشُّغلْ وما ضَلّْ عْلَيِّ وْلا جَلّْ، مْرَقْتْ شْرِبْتْ وْرَحْ فِلِّ اللَّيلِة بَكِّير
الجوق: يا بو فارس شو عْمِلْنا لا تِسأَلْنا، سْآل سْآل مْعاوِلْنا بْتِحْكي وْبِتطير
عَمنِشْتاق لْغِنِّيِّة عالقَمْرِيِّة، مِدْري اللَّيلِة السَّهرِيِّة وِينْ بَدّا تْصِير
اللَّيلِة السَّهرِيِّة، عابير المَيِّة، وحْياة عيونَك بو فارس بَدْنا غِنِّيِّة
بوفارس: إِنتو عاعْيُوني، لَكِن عيفوني، بْخاف… هَي مَرتي تْقوم تيجي عْلَيِّ
الجوق: وِكْ يا بوفارس، وِحياتو فارس، ان إجِت ام فارس مِنْقِلاَّ بَعْدِك صَبِيِّة
وِحْياة عينَك وِحْياة عينَك بَدنا صَوْتْ زْغير وبَسّْ
غِنِّيَّاتَك بِجلساتَك بِتخَلّي الِحْجارِ تْحِسّْ
بوفارس: وِكْ عيفوني ضايقتوني كِيف بَدّي غَنّي عَاللَّسْ
الجوق: مِش رَح نِقنَع حتى نِسمَع مِنَّك صَوت زغير وبَسّْ
موال: لِمّن شافِتني تْنَهَّدِتْ مِن دون حَكي وْرَغْرَغِتْ بِالدَّمع قَصدا تِشتِكي
وِاحْمرّ وردِ خْدودْها وتِكْيِت خَجَلْ ومِن غَصّْتي ما قْدِرِتْ قِلّا شو بِكِي
يا وردْ كيفْ تا من الوِصال حْرَمتْني
قَدَّيشْ عا دْروبِ الهَوى مَرجَحْتْني


مقالات ذات صلة

كان “الشرق” بالنسبة لأوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تلك الرقعة الجغرافية الممتدة جهة الشرق والجنوب ناحية البحر الأبيض المتوسط، أي بلاد العرب والأتراك بشكل رئيس. وتعود هذه الصورة بأصولها إلى الماضي ما قبل الإسلامي عندما نظرت الحضارتان الإغريقية والرومانية إلى بلاد الشام والأناضول ومصر على أنها بلاد الشرق (Oriens). ولكن هذه الصورة لم تكن واضحة تماماً في أذهان المعلقين الكلاسيكيين والبيزنطيين، حيث كانت لمفهوم الشرق معانٍ مختلفة، وكانت حدوده دائمة التغيُّر حول حوض البحر الأبيض المتوسط تبعاً لتغير حدود الإمبراطورية، وانضمام الشعوب الساميّة إلى الحركات الحضارية الفاعلة: الهلينستية، الرومانية، والبيزنطية.

السينما ليست أداة ترفيه فقط وإنما هي مسؤولة عن الحفاظ على ذاكرة شعب جنباً إلى جنب مع الكتاب.فعندما يستعرض كاتب تاريخ أرضه، فإنما يحاول الحفاظ على ذاكرة الأرض وبالتالي على ذاكرة الشعب. وأتت السينما لتوثق ذلك عن طريق الصورة والصوت، وتغرس في كل فلم جزءاً من ذاكرة المكان أو الزمان في سياق السرد العام.
لذا، تنبع أهمية السينما السعودية ليس فقط من مناقشة العادات والتقاليد وتعريف العالم بالمملكة وأهلها، وإنما أيضاً من المحافظة على ذاكرة الشعب السعودي من خلال أفلام اجتماعية أو سياسية أو تراثية أو حتى غنائية أو خيالية.

اللغة العربية لغة عالمية بعدد الناطقين بها، وعدد المحتاجين لها من غير العرب، يتعلَّمُونها لأسباب متعدِّدة كالسياسة، والأمن، والاستثمار في التجارة والاقتصاد، وهذا ما أعطاها مكانة مرموقة ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتحتل حالياً مرتبة لا بأس بها على محركات البحث العالمية.


0 تعليقات على “وديع الصافي والبئر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *