مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2020

محمّد خضيّر والبصرة “بصرياثا”


علي محمود خضير

على هدير السفن الغاربة والوافدة، وصدى صخبها المتصل، كان أهالي محلة “منّاوي باشا”، وسط البصرة، يضبطون إيقاع أيّامهم، فالشط على مرمى حجر. وأمام منظر عبورها الأبدي، تخفق على سواريها أعلام دول الشرق والغرب، ويتألق فوق سطوحها وعد حياة لما تكتشف بعد، كان صبي الضفّة يبذلُ ساعاته مستجيباً لنداء المدينة العميق.
سيكبر الصبي ليفي بوعد مدينته العالمية، ويملأ كراريس العالم بحبر حكاياتها النادرة، ويحرس مداخلها بإضلاع كلماته.

من يطّلع على أعمال محمد خضيّر، القاص العراقيّ الرائد، يجد المكان وجمالياته جزءاً أساسياً من مشغله السردي طوال نصف قرن كرَّسه أحد أهم أعمدة الأدب العربي المعاصر وصنّاع حداثتها. ويمكن للقارئ التماس تلك العلاقة على نحو نموذجي في عمله “بصرياثا” الذي سيكون وثيقة أدبيّة رفيعة في تحويل المكان إلى موقف ثقافي شامل، إذ خلق من موقعه مدينة خيالية تتداخل فيها الأزمنة ويتقاطع فيها السحري بالواقعي.

خرابات وملاذات
عَرفت مدينة البصرة طوال تاريخها خرابات متلاحقة، بين أوبئة واحتلالات وحروب، وكانت في كل مرَّة تستعيد صورتها الأيقونيّة على يد أبنائها.
وفي وقت كانت الحرب تدك بآلتها جسد المدينة وتهدِّده بالإمحاء مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، كان خضيّر ينسج بدأب ورّاق بصريّ سجادة كلمات للأمكنة بوصفها خبرة معيشة منذ ولادته أيّام الحرب الكبرى الثانية (1942)، ليفرشها عبر قصص ومرويات الكتاب، تحافظ على صورة المدينة حيّةً، وتعود لاختبار صمود هذه الصورة بإزاء الظروف التاريخية الطاحنة.

بعد ولادته قرب ضفاف الشط التاريخي، وتعلقه صبياً بأسراره وأساطيره (ظهرت لاحقاً في نص: حلم نهر)، انتقل في ولادته الثانية إلى اكتشاف المدينة، شياطينها وأبطالها، سحرتها وحرَّاسها، راصداً تراجع الطبيعي فيها بإزاء صعود الصناعي وتبدل الأحوال والمآل بناسها “نص الاكتشاف الأول”. ولادة الكاتب الثالثة حدثت بدخوله سلك التعليم، واستمراره لأكثر من أربعين سنة، استكشف خلالها أسرار الجنوب العراقيّ، ببيئاته المختلفة. فمن الأهوار انتقل إلى بلدات البصرة القصيّة مثل السيبة والمطيحة “نص أبو الخصيب: طريق الحكايات”، لتظهر بصمات المكان لاحقاً في قصص عديدة شكلت طيفاً خاصاً في مسار القصة العراقية والعربية، وكانت دائماً “بصرياثا” هي المرجعية الفنيّة لتلك الأعمال.
ولادة الكاتب الرابعة كانت بعد تقاعده من الوظيفة وتفرّغه للكتابة والقراءة، محققاً ذروات سرديّة فارقة تمد خيوطها السرّيّة مع “بصرياثا” كما في كتبه: “رؤيا خريف”، “حدائق الوجوه”، “أحلام باصورا”، “ما يمسك وما لا يمسك”.

المدينة حبلاً سُرِّياً للكتابة
على نحو بالغ الخصوصية ارتبط الكاتب محمّد خضيّر بمدينته، فلا تكاد تذكرُ إلّا ويذكرُ كاتبها. حتى اكتسب لقب “المواطن الأبدي”، إذ لم يُعرف أن تركها رغم ما شهدته من حروب ودوّامات عنف وظروف سياسية قاهرة. البقاء والمواجهة بالكتابة كان خيار الكاتب، محاولاً استعادة الأصل الأيقوني للمكان، ذلك الذي شهده في القرنين الثاني والثالث الهجري، حيث عرفت البصرة عصرها الذهبي مع حلقات الأدب وعلوم اللغة والقرآن وكتابة المعاجم اللغويّة وجمع الشعر العربي القديم. يرى خضيّر أن صورة البصرة “وقفت عند هذا الحد ولم تتجاوزه، إذا كانت قد تجاوزته بمعالم مدنية معينة، فهذه المعالم كانت دائماً مهدّدة بالزوال”.

من يطّلع على أعمال محمد خضيّر، القاص العراقيّ الرائد، يجد المكان وجمالياته جزءاً أساسياً من مشغله السردي طوال نصف قرن كرَّسه أحد أهم أعمدة الأدب العربي المعاصر وصنّاع حداثتها.

لم يعرف في تاريخ الأدب العراقي قبل “بصرياثا” كتابٌ سرديٌ، متضامن النصوص، ينفتح على الفنون الكتابيّة من شعر وسيرة وتحقيق أدبي، ويعنى بجماليات المكان/المدينة ويحقق، عبر أسلوب متفرد، كتالوجاً ثقافياً واجتماعياً وتاريخياً لها، ليترك في وقت سريع تأثيراً على المشهد السردي العراقي تمظهر في محاولات لاحقة جرب مؤلفوها اقتفاء أثر خضيّر والكتابة عن أمكنة نشأتهم، وليترجم “بصرياثا” لاحقاً إلى الإنجليزية في أكثر من طبعة.
وبين عامي 1987 و1990م، أفصحَ الكاتب عن خمسة نصوص من كتابه، بدأها بفصل “صباحيات وليليات”، الذي دوّن فيه يوميات الحرب الفادحة في قصص مكثفة، عالية الشعريّة، تختزل لحظات إنسانية فارقة لا يمكن لقارئها الإفلات من وطأة وحش الحرب الجاثم على النفوس والحياة بتفاصيلها المعيشة واللا مرئية. وفي وقت كانت شوارع البصرة مساقط لقنابر الهاون، وحدودها تستعر بأجساد أبنائها ويخيّم على سمائها نواح أبديّ، ظلّ كاتب المدينة يدافع عنها بقصص دانت الحرب وعرّت آثارها الفادحة.

أم البروم… استعادة الوباء
وإذا كانت البصرة اليوم تعيشُ الوطأة الثقيلة لرعب فايروس “كورونا” وأخبار ضحاياه العاجلة، وما خلّفه من إجراءات وإصابات تعدُّ بين الأعلى في العراق، فإن حكّاء المدينة كان قد استشرف دورة الزمان المكرور في واحد من الفصول المؤثرة لبصرياثا، استلهم فيه علاقة المدينة بقلبها الحيوي تجارياً واجتماعياً وهي ساحة “أم البروم” بميدانها الرئيس، وأسواقها الداخلية، بضجتها الدؤوبة للباعة والمتسوقين، وطيف من الوجوه والروائح، الأحلام والخيبات، الأسماء والعلامات، كأنّها مرآة كبيرة تعكس تبدل الظروف بناسها، مذ كانت ميداناً عامّاً ثم تحوَّلت إلى مقبرة للفقراء، ثم حديقة تأوي السائلين والعابرين، ليمرّ على العام 1831م، يوم طوى البلاد الطاعون المدمّر بين عدة موجات أخرى شهدتها البصرة خلال الحكم العثماني حوّلت الحاضرة مدينة أشباح وساحتها إلى قدر كبير (بروم).

بعض السفر لا يحتاج حقائب
إلى الشمال من مركز المدينة، تستريح محطّة قطار البصرة، حيث الرحلة التي أمدّت الكاتب برؤى القرى البعيدة والمزارع المنبسطة على جانبي القطار الصاعد إلى بغداد. كانت المحطّات المجهولة، المدفونة في رمال الصمت والوحشة، علامات لحيوات مندثرة ومعزولة، وطبيعة حادّة وقاسية، كان محمّد خضيّر يروي عن عطايا القطار الستيني مخبراً مثل أبطال “ألف ليلة وليلة” عن حكايات لا متناهية تشكّل كتاباً بآلاف الصفحات، يحفظ تضاريس الأرض ومصاير من عليها. كتب أطيافها بشغف مَن كانت الكتابة قدره المحتوم، وتسليم مَن عاش حياته كلها في انتظار لحظة كتابة. “إننا لا نحيا من أجل لا شيء، نحن نحيا من أجل أهداف معلومة أو مؤجّلة. من أجل لحظات معيَّنة قصيرة أو زائلة”.
ليست المدينة بمائها وصحرائها، بواقعها وأشباحها مادة “بصرياثا” فحسب، لم ينسَ حكّاؤها تدوين واقع المكان التاريخي والجغرافي مع جردة ساحرة لتلاقحها الثقافي والاقتصادي، منفتحة على العالم بقوافل تجارها من وإلى الصحراء العربية، وبأشرعة السفن التجارية التي حملت دهشة الدنيا من بضائع وعمال ونوتيين وجوابي خلجان، حتى تداخلت الألسن وامتزجت الثقافات وذابت الأعراق لتصير المدينة كتاب العالم القديم، ويصير كل وافد إليها سطراً في كتاب المدينة.
براهين كثيرة، سرديّة وإنسانيّة، أثبتها محمد خضيّر في كتابه “بصرياثا”، غير أن برهاناً أثيراً سيحفظه الأحفاد للأسلاف: أن مدينةً تدافع عنها الكتابة، ليس لها أن تمحى!


مقالات ذات صلة

في عام 1369هـ/1950م اكتملت خمسون سنة قمرية على استعادة الملك عبدالعزيز للرياض، وكان من المقرَّر أن تحتفل المملكة بهذه المناسبة، لكن وفاة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن قبل أسبوعين من تاريخ الذكرى الذهبية، وتحديداً ليلة الإثنين 25 رمضان 1369هـ/10 يوليو 1950م، أدَّت إلى إلغاء الاحتفال.وفي اليوم الوطني السعودي التسعين، نعود بالذاكرة إلى سيرة الأميرة نورة بنت […]

تشهد المملكة في الفترة الحالية حراكاً ثقافياً كبيراً يترافق مع حركة تغيير وإصلاح، وورشة من التجريب المستمر. وإلى أن تصل المملكة إلى العام 2030، سيكون هنالك كثير من الخطط الثقافية التي ستخرجُ من الأدراج، سينجحُ بعضها، وستضمرُ أخرى؛ ولكن الأهم أن يكون المثقف في صلبها، والمجتمع مختبرها الحقيقي، والفرد السعودي غايتها الأولى، لأنه لبنة التغيير […]

قبل أيام وعلى كنبة مريحة جداً في معهدٍ لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في إحدى الجامعات السعودية؛ ناولني أحد الموظفين كأس شاي “خادر”، شكرته ثم أطرقت متأملاً شكل المبنى الجميل الذي يصلح لأن يكون أي شيء إلا مكاناً لتعليم اللغة!لا مكانَ للتفاعل ولا فناءَ للتعارف ولا فصولاً مفتوحة ولا قبولاً فورياً ولا أحدَ في المساء. […]


0 تعليقات على “محمّد خضيّر والبصرة “بصرياثا””


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *