مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2021

ماذا خسرنا من خلال العمل عن بُعد؟


خلال السنتين الماضيتين، كان الحديث يتكرر عالمياً ومحلياً، وفي مختلف وسائل الإعلام، حول موضوع العمل عن بُعد، والتعليم عن بُعد، وظهرت مفاهيم جديدة كالمكتب المنزلي، وتوفير الجهد والطاقة من خلال العمل من المنزل، وتحويل المهن المكتبية للعمل عن بُعد، لكن السؤال الذي نحاول أن نستطلع من خلاله آراء من دخلوا في هذه التجربة: ماذا خسرنا من خلال العمل عن بُعد؟

خسارة للتواصل الفعَّال.. وتدني الجودة
محمد المكحل
الرئيس التنفيذي لنادي الخليج بسيهات

الخسارة الأبرز كانت في التواصل الفعّال مع الموظفين والعملاء، حيث قلَّل العمل عن بُعد من الجودة كثيراً لدى بعض القطاعات، مثل قطاع المقاولات، وقطاع المواصلات.
وكان للجانب التقني أيضاً دور في خسارة كثير من الموظفين لوظائفهم، بعد أن استغنت قطاعات، كالمطاعم مثلاً، عن موظفيها العاملين في التوصيل، واكتفت بالاعتماد على التطبيقات، كما استغنت بعض الشركات الخدمية عن موظفي خدمة العملاء لديها، وتحويل عقود خدمات العملاء إلى شركات تعمل عن بُعد من الخارج بتكاليف أقل.
وبالنسبة لتجربتي الشخصية، فقد اضطررنا إلى إغلاق قسم التصميم في المؤسسة التي أعمل فيها في قطاع الدعاية والإعلان، وكان ذلك أمراً محبطاً وتجربة سيئة، حيث أحيل جميع الموظفين إلى العمل عن بُعد، الأمر الذي تسبَّب في تعطيل بعض الأعمال، وتراجع عملية التواصل الفعَّال، وإنهاء الأعمال بأقل من الدقة المطلوبة.
أعتقد أنه حتى وإن زالت الجائحة، فإن كثيراً من القطاعات والشركات والمؤسسات الخاصة ستستمر في الاعتماد على العمل عن بُعد في بعض أقسامها، خصوصاً تلك التي لا تتطلب حضوراً إلى مقرات العمل.


المخرجات: ارتباك وضعف المهارات
رباب إسماعيل
شاعرة وربة منزل

التعليم أكثر مجالات العمل عن بُعد تضرراً، حيث الاستهتار والفوضى، وعدم التمكن من التقييم الحقيقي والفعَّال، ما جعلنا أقرب إلى ما يعرف بظاهرة “التضخم المعرفي”، خاصة بالنسبة للأطفال الصغار في الصفوف الدنيا. ذلك أن للعملية التعليمية شقين أساسيين، التعليمي والتربوي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هو عملية تفاعلية بين البيت والمدرسة.
في الشق التعليمي، سيتمكن الطالب من تحصيل العلم والمعرفة عن بُعد، إلى حدٍّ ما، وذلك من خلال الجهود المُكثفة من قِبَل أهله في المنزل، ومعلميه في المدرسة، خاصة أن أطفال اليوم يملكون قدرة للوصول إلى مصادر المعرفة عبر التقنية. لكن المُعضلة ستتمثل في الشق التربوي، إذ إن المدرسة هي العتبة الأولى في المجتمع التي يخرج إليها الطفل ويتفاعل فيها مع الآخرين، ويتحمَّل مسؤولية نفسه. لذلك فإن فقدان هذهِ المساحة قد تؤثر على تكوين شخصية الطفل ونضجها.
إن التعليم عن بُعد، بالاعتماد على جانب الأهل والبيت فقط، من شأنه أن يخلق طفلاً غير ناضج من الناحية التربوية، ونستطيع أن نرى تزايد ارتباك الأطفال مؤخراً، وضعف مهاراتهم التفاعلية. إضافة إلى أن ملازمة الطفل لأهله في المنزل يخلق جواً نفسياً مشحوناً، وذلك يتطلب من الوالدين كثيراً من الوعي والصبر للحدّ من التوتر والقلق الذي يطول أفراد العائلة، خاصة مع فقدان كل الأطراف للمساحة والوقت والخصوصية.


غياب الانضباط.. وضعف الالتزام
عبدالله فادن
رجل أعمال والرئيس التنفيذي لشركة COMCS

من الأقوال المأثورة عن رجل الأعمال الأمريكي الناجح أندرو كارنيجي “لا يمكن للفرد أن يصبح قائداً ناجحاً إن أراد أن ينجز العمل وحده”. من هذا المنطلق، فطبيعة الأعمال الناجحة لا بدّ أن تتألّف من فريق عمل، متناغم، متجانس، ومتكاملٍ أيضاً. ولعل من أهم وأبرز عوامل النجاح لفرق العمل: التواصل، المشاركة، التفاعل، التعاون، وغيرها من القيم التي لا يمكن تحقيقها على نحو مثالي وكامل إلا عن طريق اللقاء الحي والتفاعل المباشر بين أعضاء الفريق الواحد. إن طبيعة العمل عن بُعد تفقدنا التواصل البصري، وتغيّب عنا لغة الجسد، وهذان أمران من الضروري توفرهما لإتمام عمليات مثل التدريب والتعلّم، من خلال المخالطة وتبادل الخبرات والتوجيهات المباشرة، على عكس العمل عن بُعد، الذي يستدعي مضاعفة المجهود الفردي الإضافي للتعلّم الذاتي وبناء هرم المساعدة الذاتي.
هناك مسألة أخرى تُعدُّ أحد أبرز السلبيات التي جنيناها نتيجة لتحوّل الأداء الوظيفي نحو دائرة العمل عن بُعد؛ وهي فقدان وإضعاف الجانب التحفيزي المنتظم، وذلك بسبب غياب الانضباط الذاتي، حصيلةً لضعف الالتزام بجداول زمنية في حدود إطار وقت العمل.


تجارب نجاح.. وتعويض افتراضيّ
رابح نويوة
مشرف مكتبة عامة

“العمل عن بُعد”، ربّما تقع هذه العبارة على عديد منّا وقعاً يُشبه أيّ كلمات أخرى، إلا أنها كانت المفتاح لآلاف البشر عبر العالم في ظلّ الوباء الذي انتشر، ولا يزال ينتشر، مع حتمية التأقلم معه لمدّة زمنية مقبلة.
عايشتُ تجارب نجاح وفشل لبعض الأصدقاء، إلا أنَّ أغلب ما عايشته كانت تجارب ناجحة، لأشخاص رفعوا سقف التحدي وقاوموا كل الظروف. صديق اشترى مواد تجميل وملابس أطفال ودرَّاجة نارية، وبدأ يقوم بعمليات البيع والتوصيل، بعد أن أنشأ صفحةً تسويقية
على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ليبدأ بذلك رحلة العمل والاعتماد على النفس. وهناك تجارب مماثلة لأشخاص آخرين.
في المقابل، فإن تأثير هذا الوباء التعيس، كان سبباً في نكسة ملايين البُسطاء الذين لا يملكون المعرفة أو القدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا يدركون أو يفهمون معنى العمل عن بُعد! ذلك لأنهم بلا خبرة عملية في الأساس، أو لا يملكون وظيفة مستقرّة.
ما خسرتهُ شخصياً بسبب العمل عن بُعد، هو تلك اللقاءات الحميمة التي كانت تجمعني كمشرف مكتبة للمطالعة العمومية في مدينة المسيلة، بروَّاد النادي والكتَّاب والمبدعين، وقد حاولنا تعويض ذلك من خلال المجال الافتراضي، إيماناً منّا بانتصار الكلمة!


ذوبان الحياة الخاصة في العمل
فداء الجهني
إدارة التسويق في شركة مدينة المعرفة الاقتصادية

لا شك أن تجربة العمل عن بُعد كانت أسلوباً جديداً للعمل عند غالبية الموظفين، الذين وجدوا أنفسهم تحت إلحاح ضرورة التعامل مع انتشار الجائحة في ذروته، محاصَرين في بيوتهم. وقد واجهنا خلال هذه التجربة عديداً من التحديات، كان منها السيّئ والسلبي، في مقابل الجيّد والإيجابي أيضاً. ولعل من مساوئ العمل عن بُعد، انشغال الموظفة أو الموظف في شؤونه الخاصة في المنزل، وتضييع الأوقات المخصصة للعمل في أمور شخصية وهامشية، على حساب الإنجازات والمسؤوليات المعلّقة أو المؤجلة، أو حتى المعطّلة.
نجد من السلبيات أيضاً، ولكن من الناحية المقابلة، أن بعضاً من المديرين والمسؤولين قد يظنون أن وقت الموظف الذي يعمل من منزله ملْكٌ لهم بالكامل، فيطالبونه بأعمال ويرهقونه بمهام واتصالات على مدار 24 ساعة، مقتحمين بذلك أكثر أوقاته خصوصية، دون مراعاة لمتطلبات حياته الشخصية والاجتماعية. ربما يكون ذوبان الأوقات الخاصة في أوقات العمل واختلاطهما، أحد أكبر التحديات التي واجهتنا خلال التجربة.
أما من ناحية الإيجابيات، فأبرزها الراحة النفسية والمعنوية للموظف الذي كان يشعر بالاسترخاء والاستقرار في منزله وفي بيئته الخاصة والمريحة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على إنتاجيته وإتقانه لعمله، وربما دافعاً أيضاً للإبداع وطرح الأفكار والحلول غير التقليدية، إلى جانب توفير كثير من الجهد والمال وتجنّب صرف المبالغ الزائدة على المواصلات أو الطعام.


مقالات ذات صلة

يتغيّر العالَم من حولنا، وتتغيّر الأدوات التي نعمل بها، لكنّ جودة الحياة تبقى الهدف الأسمى للإنسان وللثورة الصناعية الرابعة، الثورة التي تبشّر العالم بتحوّلاتٍ عصرية ورقمية هائلة، وتأثيرٍ تحويلي سيطول نمط حياة الإنسان، والقطاعات الحيوية كافّة، فضلاً عن إسهامها في تعزيز التنمية المستدامة، والمدن الذكية، وجعل وسائل الاتصال والنقل فائقة السرعة، والحفاظ على الموارد الطبيعية […]

كتب عربية حمد الجاسر.. التكوين الثقافيتأليف: عمر سليمان العقيليالناشر: المجلة العربية، 2021م يُعدُّ الشيخ حمد الجاسر أحد روَّاد الرعيل الأول، الذين طافوا أرجاء المملكة للتعرُّف على مختلف معالمها. لذا جاء كتاب (حمد الجاسر.. التكوين الثقافي)، لمؤلفه عمر العقيلي، تأكيداً على ضرورة نشر سيرة هذا المثقف والمؤرخ، الذي كان يتحقق من صحة ما ورد في كتب […]

كم من مواهب برزت وأذهلت العالم في مراحل حياتها الأولى، ثم سرعان ما ضعفت همتها حين لم تجد من يأخذ بيدها، أو حين غاب عنها الدأب وامتلاك الهمة، ولم تلبث أن خفتت وتلاشت وتاهت في زحمة الحياة والأحداث؟يقودنا استحضار هذا المشهد السوداوي والمتكرِّر، إلى إدراك أهمية تقدير أصحاب المواهب والبحث عنهم واكتشافهم وتمكينهم، وحقيقة أن […]


0 تعليقات على “ماذا خسرنا من خلال العمل عن بُعد؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *