مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو - يونيو | 2018

لماذا يقول الجميع دائماً نعم؟


حمود أبو ماجد

كثيراً ما يحتاج مديرو المؤسسات والشركات إلى الاجتماع برؤساء أقسام منشآتهم وموظفيهم ومستشاريهم، مع ذلك فإن معظم الدراسات الإدارية تفيد بأن أغلب لقاءات العمل تكون غير مثمرة، سواء أتعلَّق الأمر بغياب أجندة واضحة أم بسماع كثير من الكلام والصراخ حول أسباب فشل المشاريع والمنتجات. ولذلك يتهرَّب الجميع من حضورها لأنها مضيعة للوقت، والمشكلة تكمن في عدم توثيق مجريات الاجتماعات في ملاحظات مكتوبة، تدعم القرارات التي تمَّت الموافقة عليها، وتجنب توزيع مهام العمل على أعضاء الفريق مع جدول محدَّد زمنياً للتنفيذ. وعلى هذا النحو قد لا توجد متابعة لإنجاز ما سبق حسب التوقيت المحدَّد.
أحياناً تكون الاجتماعات ضرورية، لكن الرئيس التنفيذي لشركة أمازون “جيف بيزوس” يشك في فائدتها، مفسراً ذلك بقوله: «إن شخصاً واحداً لديه موقف سلبي، يمكنه أن يطرد كل الطاقة الإيجابية خارج الغرفة».
ويعترف “بيزوس” في رسالته السنوية للمساهمين المنشورة حديثاً بمنعه استخدام برنامج “PowerPoints”، أو أي عروض تقديمية أخرى أثناء الاجتماعات. فبدلاً من ذلك تُقرأ في بداية كل جلسة مذكرات تفصيلية، لأن الكتابة تفرض تفكيراً أفضل وفهماً أشمل لما هو أهم.
في البداية، يستغرق الجميع في قراءة مذكرة مؤلفة من 6 صفحات مكتوبة بعناية، بصمت ولمدة نصف ساعة. وتحتوي هذ المذكرة على أسمــاء وأفعال حقيقية مرتبطة ببعضها في سياق واضح على شكل حكاية، وليس بشكل قائمة من البنود، لتحضير أنفسهم لاستيعـاب المسائـل المطروحة للنقــاش بطريقـة مركّزة وعميقة.
ربما يكون سبب هذه الاجتماعات الغريبة، تجارب “بيزوس” السابقة، باعتباره من عشّاق الكتب، وهو الذي أطلق موقع أمازون عند تأسيسه كمخزن كتب على الإنترنت؛ ولذلك، فإن القراءة موجودة في “الحمض النووي” للشركة.
وهناك سبب آخر وهو تفادى «مفارقة أبلين» التي أشار إليها  خبير الإدارة جيري هارفي في مقاله المنشور عام 1974م بعنوان “:The Abilene Paradox
The Management of Agreement”
ولكي يوضِّح “هارفي” وجهة نظره، حكى قصة عائلة سافرت في رحلة غير مريحة لتناول العشاء على بُعد 53 ميلاً من مدينة أبلين غرب تكساس، واتضح أن الجميع وافقوا على ذلك لأنهم اعتقدوا أن الآخرين أرادوا الذهاب، على الرغم من أنهم كانوا جميعاً يفضلون البقاء في البيت، وهذا يعني أنهم قرَّروا القيام برحلة لم يكن أحد يريدها.
فنحن كأفراد نميل إلى الاعتقاد الخاطئ أن رأينا هو رأي أقلية، فنختار عدم التعبير عن أفكارنا. وعندما يبدو أن هناك إجماعاً حول “نعم” ، نشعر بعدم الارتياح من كوننا الصوت الوحيد الذي يقول “لا”.
هذه مسألة في غاية الأهمية لنجاح عمل الفريق، وتكوين ثقافة التعاون لزيادة الإنتاجية.
ولا يدرك القادة خطورة وجود أشخاص حولهم يقولون دائماً “نعم”. فمن المهم أن يتوفِّر في ميدان العمل مناخ من التسامح، حتى يتمكَّن الأفراد من تقديم الآراء المعارضة للخروج من الركود و إحداث التغيير المنشود .
ولهذا يحتاج القادة إلى إيجاد مساحات للحوار وتبادل وجهات النظر بكل حرية، بل وتقبل الاستدراك (Feedback) بكل رحابة صدر لغاية إطلاق العنان لقوة الخيال، وهذا من المبادئ الأساسية في الإدارة الرشيقة، التي تساعد الشركات اليوم في عملية التحوُّل الرقمي، الأمر الذي يتطلَّب الابتكار والتعلم من الأخطاء بسرعة، وتجربة الأفكار الجديدة على نطاق مصغَّر، ثم إذا ثبت نجاحها فتأتي مرحلة التوسع.
وهذا النموذج تعمل به شركات التقنية لتسريع طرح المنتجات، والتغلب على المنافسة الموجودة في السوق بالاعتماد على التكنولوجيا الرقمية، مثل الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، في تخفيض تكاليف التشغيل بشكل قياسي.


مقالات ذات صلة

مرّة جديدة نقف نحن العرب عند مُنعطفٍ تاريخيّ مصيريّ. المُنعطف الأوّل تجلّى، خلال القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين، في ما حمله التجديد ببعده الكوني من حوافزَ على الخروج من الوقت الذي كانت تتنامى فيه أطماعُ الدول الأوروبيّة الغربيّة بثروات بلداننا، مانحةً لنفسها الحقّ في الوصاية على أراضينا وعقولنا بذريعة أنّنا قاصرون. ففي […]

هل يمكن للذكاء الاصطناعي الذي كثر الحديــث عنــه في الآونــة الأخيرة أن يحاكي العمليات الذهنية المعقَّدة التي يمر بها الدماغ البشري لتكوين اللغة وتفكيك رموزها؟ وهل بإمكان الآلة حقاً أن تحاكي البشر لغوياً؟ وما هو أثر ذلك على لغتنا العربية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، وبمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية الذي يصادف 18 ديسمبر من […]

مرتبة المفكِّر تأتي بعد خبرة ومعرفة تراكمية عبر السنين نورا أحمد هبة – اليمن كاتبة وباحثة المفكِّر رجل غاص في بحور الفكر الإنساني من ثقافة شرقية إلى ثقافة غربية، ولديه أكثر من لغة، وهو متتبع لتاريخ الفلسفة وسياقها الحضاري، ومتعمق في تاريخ الأديان والمذاهب. ومن خلال هذا المحصول المعرفي؛ يمكنه أن يكوّن رؤية عامة كاملة […]


0 تعليقات على “لماذا يقول الجميع دائماً نعم؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *