مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2019

لماذا فكرٌ عربيّ جديد؟


خالد الفيصل

مرّة جديدة نقف نحن العرب عند مُنعطفٍ تاريخيّ مصيريّ. المُنعطف الأوّل تجلّى، خلال القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين، في ما حمله التجديد ببعده الكوني من حوافزَ على الخروج من الوقت الذي كانت تتنامى فيه أطماعُ الدول الأوروبيّة الغربيّة بثروات بلداننا، مانحةً لنفسها الحقّ في الوصاية على أراضينا وعقولنا بذريعة أنّنا قاصرون. ففي ظلّ هذه الأجواء، برز تيّارٌ فكريّ نهضويّ ميَّز
شطرٌ كبيرٌ منه بين الأخذ بروح العصر وجديده مع الاحتفاظ بثوابتنا وتقاليدنا.
المُنعطف الثاني قام في خمسينيّات القرن الفائت وستّينيّاته، حين جاء بناء الدول بعد مرحلة الاستقلالات ترجمةً ليقظةٍ قوميّة ربطت أفكار النهضة، ليس بالاستقلال السياسي من حقبة الاستعمار الغربي فحسب، بل بالتحرّر من التبعيّة الاقتصاديّة، كما الفكريّة أيضاً، غير أنّ هذا التيّار الفكريّ العربيّ المُناهض لنظريّة الثنائيّة الضدّيّة، والدّاعي إلى كسر حلقة التبعيّة، اصطدم بالأيديولوجيّات الشموليّة التي سادت في عددٍ كبيرٍ من بلداننا، وما تسبَّبت به من تزييفٍ لقيم الحرّية والمُشاركة والعدالة، وخنْقٍ للأفكار التنويريّـة بأبعادها الجديدة، وتعطيلٍ لمسيرة التطوّر والتقدّم والتنمية والازدهار.
وها نحن في المُنعطف الثالث، الذي بدأت ترتسم معالِمُه مع سقوط جدار الاستعمار، وما واكبه من تحوّلاتٍ عميقة ومُتسارعة على شتّى المستويات وفي مجالات الحياة كافّة، انعكست آثارها على صعيد منطقتنا في ما تواجهه من تحدّياتٍ جسام، وما
يتهدّدها من مخاطر، وما يشهده عددٌ من دولها من حروبٍ ونزاعات، وما ينتشر في بعض أوساطنا من تيّاراتِ تعصّبٍ وتطرّفٍ وإرهاب.
لذا نقول إنّ فكراً عربيّاً جديداً يجب أن يولد. ونعني به فكراً تنويريّاً جديداً قادراً على التأثير الإيجابيّ في الوعي الثقافيّ العربيّ المُعاصِر، بل في المستقبل والمصير العربيَّين، غير أنّ هذا الفكر لن يكون فكراً قادراً على التأثير أو التغيير ما لم يكُن فكراً ناقِداً ينطلق من معطيات الواقع العالميّ الحاليّة ومُشكلات عالمنا العربيّ الحاضرة؛ إذ لا بدّ لهذا الفكر من أن يُجدِّد مُنطلقاته وأسئلته. كأن يواجِه الثورة العِلميّة والتكنولوجيّة العالميّة الرّاهنة بكيفيّة الإفادة منها والتأثير فيها بدل الاكتفاء باستهلاكها وتلقّي مفاعيلها السلبيّة علينا، أفراداً وجماعاتٍ ودولاً، وبتأمّل ظاهرة احتدام العصبيّات وصدام الحضارات والثقافات وعودة الشعبويّات وغيرها الكثير من التحوّلات العولميّـة التي تُسهِـم في تأجيج صراع الهويّات على الصعيدين العالميّ والعربيّ؛ وكأن يكون الكلامُ على العروبة كلاماً على انتماءٍ ثقافي وحضاريّ جامعٍ يغتني بتعدُّد مكوّناته وتنوّع روافده.
دعوتنا إلى فكرٍ جديد لا تعدو إذاً أن تكون دعوةً إلى نهجٍ جديدٍ في مُقاربة حاضرنا واستشراف آفاق مستقبلنا برؤىً مُبتكرة وخلّاقة. ولعلّنا بفكرٍ كهذا نكون قادرين أكثر على التصدّي لنزعات الشرذمة والتفتيت التي تتغذّى من الأطماع الأجنبيّـة، والتغلّب على تعقيدات الحاضر وصعوباته ومآسيه، ومواجهة تحدّيات المستقبل بالتجديد العلمي والتمسّك بالثوابت.


مقالات ذات صلة

لأنَّ كلَّ ما كان ملحوظاً في العالَم السيبراني من حسنات وسيئات، ازداد وضوحاً خلال أشهر الحجر الصحي  والتباعد الاجتماعي، حين بقي هذا الفضاء مفتوحاً أمام الجميع بطبيعته الخاصة والمختلفة عن كل فضاءات التواصل التقليدية الأخرى.فما هو تأثير الفضاء السيبراني على السلوك والذكاء العاطفي؟هذا ما سعت القافلة إلى استطلاعه في جلسة نقاش عقدتها لهذه الغاية عبر […]

تجربة تستحق التطويرليالي الفرجطالبة دراسات عُليا كانت العملية التعليمية في دوَّامة هذا التغيير المفاجئ. لذلك وجدنا تغيُّرات كثيرة بسبب الضغوط الصعبة على وزارات التعليم في جميع الدول. أما عن تجربتي مع أبنائي في الدراسة عن بُعد في الولايات المتحدة، فكانت غير مُربكة إلى حدٍّ ما. إذ تزامنت تلك الفترة مع إجازة فصل الربيع، ما أتاح […]

كتب عربية الإنسان على المحك: المركزية البشرية والتوازن البناءتأليف: علي حربالناشر: الدار العربية للعلوم، 2020م يوضح المفكِّر اللبناني علي حرب أن انتشار جائحة كورونا كان الدافع وراء نشر كتابه “الإنسان على المحك”. ويُضيف في مقدَّمته أنه يتناول المأزق العالمي، الوجودي والحضاري، فقد أيقظ هذا الفيروس الذي وصفه بـ “الحدث الكبير الذي غيَّر مشهد العالم وترك […]


0 تعليقات على “لماذا فكرٌ عربيّ جديد؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *