مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يناير – فبراير | 2021

في الثقافة ما لا يطويه الزمن


نائب رئيس التحرير
محمد أمين أبو المكارم

لكل موضوع تنشره القافلة، كما لكل مشروع تُشرف عليه حكاية. وأساسات الحكاية تضرب جذورها إلى ما قبل نحو سبعة عقود من الزمن.
ففي عام 2004م، عندما عرضت بعض أعداد القافلة على كوكبة عريضة من المثقفين والأدباء الخليجيين، تلمست حنيناً مشتركاً عندهم إلى أيام الشباب، حين كانت القافلة زادهم الثقافي، كما كان حالي وحال معظم أبناء جيلي والجيل السابق. فقد بدأت علاقتي بالقافلة منذ الصغر. عندما اعتدت على وجودها في منزلنا قبل أن أبلغ السن التي تُخوّلني قراءتها. وتطوَّرت هذه العلاقة لأصبح قارئاً شغوفاً، ثم لألتحق بفريق تحريرها عندما لبست ثوبها الجديد في عام 2003م. وهأنا اليوم أمام الفصل الأخير مما قدّر لي الله أن أسهم به في مسيرة القافلة، ألا وهو كتاب “المعلّقات لجيل الألفية”.
إن المعلّقات ليست مجرد قصائد قيلت قبل أكثر من خمسة عشر قرناً، وإنما هي نصوص خالدة تستمد من ثقافة زمانها وحياة الإنسان فيها قيماً إنسانية عامة عابرة للأزمان والثقافات المختلفة. ويظهر تغلغلها في وجدان الإنسان العربي واهتمامه بها عبر القرون من خلال مئات الكتب والدراسات التي صدرت حولها. كما اهتمت بها شعوب أخرى، فكان لها حضورها في الثقافة الأوروبية، بفعل محتواها الإنساني الخالد. وسبق أن نشرت القافلة في عددها السابق مقالة تنوّه بحضورها في الثقافة الفرنسية وترجمتها من قِبَل المستشرق الفرنسي بيار لارشيه؛ بينما نجد في هذا العدد مقالة تنوّه بحضورها في الثقافة الألمانية ووجدان الشعراء الألمان.
غير أن الملاحظة بأن شباب اليوم يشيحون بنظرهم عن قراءة المعلّقات لصعوبةٍ في فهم بعض مفرداتها وصورها، دفعت دائرة الشؤون العامة في أرامكو السعودية في عام 2019م إلى تبنِّي مشروع شرح المعلّقات بلغة قريبة من شباب اليوم، وترجمتها إلى الإنجليزية، فتكوَّن لهذه الغاية فريق من ذوي الاختصاص من سعوديين ودوليين بإشراف رئيس التحرير، وكان لي الشرف بأن أكون في عداده، وها هو ما كان فكرة قد أصبح حقيقة ملموسة.
إن هذا المشروع على فرادته، يأتي بتوجيه من البوصلة نفسها التي لطالما وجهت القافلة في مسيرتها، وهي أن في الثقافة التي تستحق فعلاً هذا الاسم ما لا يمكن أن يطويه الزمن؛ وأن في تراثنا، حتى القديم جداً منه، ما يخاطب وجداننا وإنسانيتنا اليوم. وهذه هي رؤية القافلة في تعاملها مع التراث، رؤية تشكِّل نصف شخصيتها الثقافية وتتكامل مع رؤيتها لعالمنا اليوم واحتياجاته الحالية والمستقبلية على مستوى المعرفة.
التصميم المعماري البارامتري، التبريد من دون الكهرباء، مدن المستقبل بين الواقع والخيال العلمي، الرعاية الصحية الذكية، وأحدث المجريات في المختبرات العلمية.. هذا غيض من فيض الموضوعات التي تطالع القارئ في هذا العدد بجوار جلسة النقاش التي تناولت قضية شرح المعلَّقات، والتي عُقدت بالتعاون مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء”. فالالتفات إلى التراث لم يحجب يوماً عن أعين القافلة قضايا العصر ومعارفه واحتياجاته المستقبلية. وهذه المزاوجة بين ما هو خالد في تراثنا الأدبي والثقافي عموماً من جهة ومواجهة تحديات عصرنا وقضاياه وتطوّر العلوم فيه وما يشهده من تحوُّلات هو ما نجده في صميم شخصية القافلة أياً كان العدد الذي بين أيدينا.
هكذا كانت القافلة على مدى سبعة عقود من الزمن، وهكذا ستبقى إلى ما شاء الله.
وإذا كان لكل حكاية بداية، فلا بد من أن يكون لها خاتمة. وقد شاء القدر أن أختم حكايتي مع هذه الشركة العملاقة ومع هذه المجلة المتألقة بكتاب “المعلَّقات لجيل الألفية”، وهذا العدد المتميّز من القافلة ليتوجا مسيرة عملي وليكونا مسك ختام مرحلة الإسهام في القافلة، لأعود كما كنت سابقاً قارئاً دائماً لها وصديقاً وفياً.


مقالات ذات صلة

من ضمن ما حمله البريد إلينا في الآونة الأخيرة، رسائل يسأل أصحابها عن شروط الكتابة في القافلة، كما تردنا في بعض الأحيان رسائل من كتّاب يعاتبوننا على عدم نشر مقالات أو تقارير بعثوا بها إلينا، ومنهم من سبق له أن تعاون مع القافلة، كما أن منهم من هو صاحب موهبة حقيقية في الكتابة. والواقع أن […]

لغتنا تستحق هذا الدعم عرضت القافلة في عددها السادس من عام 2020 لشهري نوفمبر/ ديسمبر لورشة عمل بعنوان “اللغة العربية رقمياً.. تجارب معاصرة ورؤى مستقبلية”، شارك فيها من كان له دور كبير في دعم اللغة العربية من خلال البرامج الإلكترونية، كمؤسس ورئيس شركة صخر الأستاذ محمد الشارخ، الذي تحدث عن جهود الشركة في تعزيز المحتوى […]

ثَمَّة عبارة تُنسب للروائي المُعاصر كارل شرودر، المعروف بأعماله التي تتوقَّع مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي تقول: “الذكاء لا يعني توقّع المستقبل، بل القدرة على تَقليل الشعور بالمفاجأة”.
في عام 1987م، نشرت مجلة “رسالة اليونيسكو” الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة موضوعاً بعنوان “عالَم الذكاء الاصطناعي الجديد” جاء في مقدَّمته: “نحن ننتقل الآن إلى عصر الآلات الذكية والذكاء الاصطناعي، ذلك الفرع من المعرفة ذي المكانة المهمة في المعلوماتية”.


0 تعليقات على “في الثقافة ما لا يطويه الزمن”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *