مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2021

صفات الشخصية وسماتها.. بين البيئة والجينات الوراثية


د. ندى الأحمدي
أستاذ مساعد في قسم الأحياء - كلية العلوم - جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام

غالباً ما يتحدَّث علماء النفس عن صفات وسمات الشخصية، ولكن ما هي الصفات والسمات وكيف تتشكَّل؟ هل هي نِتاج الجينات الوراثية أم التنشئة والبيئة المحيطة؟ فلو افترضنا أن الصفات والسمات هي نتيجة الجينات الوراثية، فإن شخصياتنا ستتشكَّل في وقت مبكِّر من حياتنا وسيكون من الصعب تغييرها لاحقاً. أما إذا كانت نتيجة التنشئة والبيئة المحيطة فستلعب التجارب والمواقف التي نمرُّ بها خلال فترة حياتنا دوراً كبيراً في تشكيل هذه الصفات والسمات، وهذا ما يُكسبنا المرونة اللازمة للتغيير والتعديل واكتساب بعض الصفات الجديدة.

يُعدُّ تحديد العامل الأساسي بين البيئة والجينات الوراثية في تكوين الصفات والسمات الإنسانية من أكبر المُعضلات التي تواجه علماء الوراثة السلوكية. لأن الجينات هي الوحدات البيولوجية الأساسية التي تنقل الخصائص من جيل إلى آخر، وكل جين مرتبط بسمة معيَّنة، ولا يتم تحديد الشخصية من خلال جين محدَّد، بل من خلال عديد من الجينات التي تعمل معاً. ولا تقل المعضلة على جانب البيئة؛ فإن التأثيرات غير المعروفة إلى حدٍّ كبير، التي يُطلق عليها التأثيرات البيئية غير المشتركة بين الأفراد، لها التأثير الأكبر على شخصية الفرد، وهي اختلافات غير منهجية وعشوائية إلى حدٍّ كبير.
مع ذلك، يميل علماء الوراثة السلوكية إلى الاعتقاد أن الصفات والسمات هي مزيج بين الوراثة والتنشئة والبيئة المحيطة. ويعتمدون على مجموعة متنوِّعة من تقنيات البحث، خاصة على نتائج دراسات الأسرة ودراسات التوائم ودراسات التبني، وذلك للتعرف على التأثيرات الجينية والبيئية والتمييز بينها قدر المستطاع.

كشفت النتائج أن شخصيات التوائم المتماثلة كانت متشابهة سواءً نشأت في المنزل نفسه أو في منازل مختلفة، وهذا ما يشير إلى أن بعض جوانب الشخصية تتأثر بالوراثة، ولكن هذا لا يعني أن البيئة لا تلعب دوراً في تشكيل الشخصية.

أهمية التجارب على التوائم
من أهم التجارب الاجتماعية التي تعتمد عليها دراسة الصفات والسمات الإنسانية هي التجارب القائمة على التوائم الذين يتم تبنيهم من قِبل عائلات مختلفة. والهدف من هذه الدراسة هي البحث عن أقارب يتشاركون في المحتوى الوراثي ويختلفون في مكان التنشئة. وتساعد هذه التجربة في قياس مدى قوة الجينات في تشكيل صفات وسمات الفرد.
فإذا كانت الوراثة هي السبب في انتقال الصفات والسمات من الآباء البيولوجيين إلى الأبناء، فيجب أن تكون صفات وسمات الأطفال المتبنين تشبه صفات آبائهم البيولوجيين وليس آباؤهم بالتبني. وعلى النقيض من ذلك، إذا كانت التنشئة والبيئة المحيطة هي السبب في تشكيل صفات الفرد وسماته، فيجب أن تكون صفات الأطفال المتبنين وسماتهم تشبه آباءهم بالتبني وليس آباؤهم البيولوجيون.
إحدى هذه التجارب هي تجربة مينيسوتا، التي من خلالها تمَّت دراسة أكثر من 100 زوج من التوائم بين عامي 1979 و1990م. وشملت هذه المجموعة كلاً من التوائم المتماثلة (التوائم المتشابهة بالشكل التي نشأت من بويضة واحدة انقسمت إلى بويضتين بعد تلقيحها، مما أدَّى ذلك إلى تكوُّن أكثر من جنين) والتوائم غير المتماثلة (التوائم المختلفة بالشكل التي نشأت من بويضتين مختلفتين ملقحتين) الذين نشأوا معاً أو بشكل منفصل. وكشفت النتائج أن شخصيات التوائم المتماثلة كانت متشابهة سواءً نشأت في المنزل نفسه أو في منازل مختلفة، وهذا ما يشير إلى أن بعض جوانب الشخصية تتأثر بالوراثة.
ولكن هذا لا يعني أن البيئة لا تلعب دوراً في تشكيل الشخصية. وهذا ليس بالمستغرب، حيث تشير دراسات التوائم إلى أن التوائم المتماثلة تشترك في حوالي %50 من الصفات، بينما يتشارك التوائم الأخوية بحوالي %20 فقط. وعليه، يمكننا القول إن سماتنا تتشكَّل من خلال عوامل الوراثة والعوامل البيئية التي تتفاعل مع بعضها بعضاً في مجموعة متنوِّعة من الطرق لتشكيل شخصياتنا الفردية.

للتنشئة دور محدود أحياناً
وثمَّة تجربة بارزة أخرى، هي التي أجراها عالِم النفس الأمريكي بيتر نيوباور بدءاً من عام 1960م على حالة التوائم الثلاثة: ديفيد كيلمان، بوبي شافران، وإدي جالاند (اختلاف أسماء عائلاتهم يرجع إلى انتماء كل واحد منهم إلى عائلة من تبنوه). حيث بدأت الحكاية في عام 1980م، عندما اكتشف بوبي شافران أن لديه شقيقاً. التقى الاثنان، ومن خلال المحادثة تبيَّن أنه تم تبنيهما، وسرعان ما استنتجوا أنهما توأمان. وبعد عدة أشهر، ظهر ديفيد كيلمان – التوأم الثالث لهما – في الصورة. وأبدى هذا الأخير استغرابه من مدى التشابه والتوافق بينه وبين بوبي وإدي بما في ذلك ظروف التنبي. وفي نهاية المطاف اكتشفوا أنهم ثلاثة توائم تم عرضهم للتبني بعد معاناة والدتهم من مشكلات في صحتها العقلية. وبعد تبنيهم من قِبل عائلات مختلفة، تم وضعهم تحت دراسة أجراها طبيبان نفسيان، هما بيتر نوباور وفيولا برنارد بالتعاون مع وكالة التبني في نيويورك المسؤولة عن عمليات تبني التوائم الثنائية والثلاثية. وكان الهدف من الدراسة التعرُّف على ما إذا كانت الصفات وراثية أم مكتسبة. وكان قد تم فصل التوائم الثلاثة بعضهم عن البعض الآخر عندما كانوا لا يزالون رضعاً، بهدف الدراسة والبحث. ووُضع كل واحد منهم مع عائلة تختلف عن عائلة الآخر من ناحية نمط التربية والمستوى الاقتصادي. وتضمَّنت الدراسة زيارات دورية للتوائم وإجراء تقييمات واختبارات معيَّنة لهم. إلا أنه، ومن خلال مشاهدة اللقاءات التي تمَّت مع التوائم، اتفقوا جميعاً على أن الروابط الأخوية تشكّلت بينهم بسرعة كبيرة، بحيث بدا الأمر كما لو أنهم لم يتفرَّقوا ولا أن تربيتهم تمّت من قِبل ثلاث عائلات مختلفة. إلَّا أنه مع مرور الوقت، بدأت تظهر الاختلافات بين التوائم، ومن أهمها ما يتعلَّق بالصحة العقلية، فتوترت العلاقة الأخوية في ما بينهم، وعانى الثلاثة من مشكلات في الصحة العقلية لسنوات، حتى انتهى الأمر بانتحار أحدهم، وهو إدي جالاند عام 1995م.

حالة التوائم الثلاثة: ديفيد كيلمان، وبوبي شافران، وإدي جالاند.

التأكد من دور عامل الوراثة
ومن ضمن القصص التي خضعت لدراسة نيوباور قصة التوأمين باولا بيرنشتاين وأليس شاين، اللذين تم تبنيهما وهما: رضيعتان من قِبل عائلتين مختلفتين. تقول أليس عن الكيفية التي التقت بها أختها التوأم، بأنها، بينما كانت تشعر بالملل في العمل ذات صباح، وهي تعمل كصانعة أفلام مستقلة في باريس، قادها التفكير إلى التساؤل عن آبائها البيولوجيين. حيث إن والدتها بالتبني قد توفيت سابقاً بسبب مرض السرطان عندما كانت أليس في السادسة من عمرها. فبدأت بالبحث عن طريق الإنترنت، وأظهر متصفح البحث عدَّة نتائج، من ضمنها المركز الذي تولى إجراءات تبنيها. فتواصلت مع هذا المركز رغبةً منها في معرفة أي معلومات عن آبائها البيولوجيين والعائلة التي تنحدر منها. وبالفعل، حصلت على الرد بعد سنة كاملة، وتم إبلاغها باسمها الأصلي، وبأنها وُلدت لأم تبلغ من العمر 28 سنة. المفاجأة بالنسبة لها أنه تم إبلاغها بأنها توأم لأخت، وأنها هي الصغرى. بدأ الحماس يعتري أليس وعقدت العزم على الحصول على معلومات عن أختها التوأم. وبالفعل، تم تزويدها بالمعلومات والتقت أليس بأختها باولا بيرنشتاين في مدينة نيويورك، حيث تعيش وتعمل كصحافية متخصصة في الأفلام ولديها طفلة تُدعى جيسي. هذان التوأمان يتشاركان الميول الإبداعية، ويعملان في مجال صناعة الأفلام والصحافة، ولهما هوايات مشتركة في ما بينهما، على الرغم من أن الأختين لم تلتقيا إلا في عمر الخامسة والثلاثين، ولم تتشاركا مكان التنشئة. إلا أن التشابه في السمات يؤكد وجود دور للعامل الوراثي.
الجدير بالذكر أن تجربة بيتر نيوباور تختلف عن بقية دراسات التوائم الأخرى، من حيث إنها تُطبق التقييمات والاختبارات على التوائم منذ مراحل الطفولة المبكرة. وكل هذه النتائج التي تم تسجيلها كانت من دون أن يعلم بها أحد، لا التوائم ولا الآباء بالتبني أنهم كانوا مادة لهذه الدراسة. قد يكون ذلك جيداً من ناحية علمية كون النتائج المستخلصة منها تضيف كثيراً من المعلومات حول موضوع الصفات والسمات الإنسانية، إلا أنها في الوقت نفسه لا تزال مخالفة للأخلاقيات العلمية التي تنتهك أبسط حقوق هؤلاء التوائم في العيش مع بعضهم بعضاً كأخوة. والغريب أنه تم الاحتفاظ بالنتائج ولم تُنشر حتى هذه اللحظة. حيث تم إغلاق سجلات تجربة نيوباور في جامعة ييل الأمريكية حتى عام 2065م.

بعد انتهاء مشروع الجينوم البشري عام 2003م، واستحداث التقنيات الجزيئية التي تساعد في قراءة وتتبع الطفرات الجينية وتحديد الجينات المسؤولة عن الصفات والسمات الإنسانية، وماهي النِسب والاحتمالات الممكنة لتوريث أو اكتساب صفة أو مرض معيَّن على مستوى الفرد الواحد، أثبتت الأبحاث أن كثيراً من الصفات والسمات والسلوكيات البشرية بما فيها الحياة الاجتماعية يتأثران وراثياً، ولا يمكن توجيهها بشكل كامل لأسباب بيئية من خلال اكتساب عادات من التنشئة.

كلمة الفصل لمشروع الجينوم البشري؟
بعد انتهاء “مشروع الجينوم البشري” العالمي عام 2003م، الذي بدأ في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، في الولايات المتحدة، واستحداث التقنيات الجزيئية التي تساعد في قراءة وتتبع الطفرات الجينية وتحديد الجينات المسؤولة عن الصفات والسمات الإنسانية، وما هي النِسب والاحتمالات الممكنة لتوريث أو اكتساب صفة أو مرض معيَّن على مستوى الفرد الواحد، أثبتت الأبحاث أن كثيراً من الصفات والسمات والسلوكيات البشرية بما فيها الحياة الاجتماعية يتأثران وراثياً، ولا يمكن توجيهها بشكل كامل لأسباب بيئية من خلال اكتساب عادات من التنشئة.
لقد حقق الباحثون إنجازات كبيرة في التقنيات الجزيئية، إلا أن من أهم التقنيات التي تستخدم في هذا النوع من الدراسات، تقنية دراسة الارتباط الجينومي، التي تقيس معدَّل ارتباط الجينات بصفة معيَّنة أو مرض معيَّن من خلال مقارنة عدد ضخم من عيِّنات الحمض النوي لأشخاص طبيعيين أو مرضى، مما يساعد في الكشف عن الجين المسؤول عن الصفة أو المرض تحت الدراسة، كذلك قراءة التسلسل الجيني على مستوى الحمض النووي الريبوزي، المسؤول عن التعبير الجيني للبروتينات في داخل الخلية. فمن خلال هذا التعبير الجيني تستطيع البروتينات القيام بكامل وظائفها. وفي حال كان هناك نقص أو طفرة جينية في مستوى التعبير الجيني للحمض النووي الريبوزي، فسيظهر الخلل في البروتين الناتج، مما يؤدِّي إلى انعدام التوازن الوظيفي في داخل الخلية وبالتالي حدوث الأمراض.
ومن أهم الاختبارت الجزيئية المعتمدة لقياس وتحديد الجينات المسؤولة عن الصفات والسمات أو الأمراض النفسية، اختبار قياس ارتباط الجينات المتعدِّدة. إلا أن نتيجة القياس هذه توضح احتمالية الإصابة بشكل نسبي وليس بشكل قاطع. وذلك لأن البيانات المستخدمة لقراءة درجة الارتباط بين هذه الجينات ناتجة من مقارنة مجموعة ضخمة من الجينوم البشري، ويتم التوصل إلى الطفرات أو الجينات المرتبطة ببعضها التي تسبِّب المرض نفسه أو تورِّث الصفة نفسها عن طريق مقارنة مجموعات مصابة، أو لديها الصفة بمجموعات غير مصابة وغير حاملة للصفة.

باختصار، بات الباحثون على قناعة أن كلاً من الوراثة والتنشئة تؤثران في الصفات والسمات. وتشمل هذه التأثيرات العوامل الوراثية التي تتفاعل مع بعضها بعضاً، والعوامل البيئية التي تؤثر عليها، مثل التجارب الاجتماعية، والثقافة، إضافة إلى الكيفية المعقَّدة التي تتداخل وتتناغم فيها العوامل الوراثية والبيئة مع بعضها لتشكِّل صفات وسمات الفرد. وعلى الرغم من أن هذه القضية لا تزال محتدمة حتى هذه اللحظة، إلا أن التقنية الجزيئية الحديثة قد تساعد في الوصول إلى الإجابة عن طريق دراسة الارتباط على مستوى الجينوم، وقياس ارتباط الجينات المتعدِّدة الخاصة بالسمات والصفات، أو حتى الأمراض النفسية.
ويساعد التحليل الإحصائي لهذا النوع من المقاييس في تحديد الجينات المسؤولة عن توريث الصفات والسمات أو حتى الأمراض النفسية، وما إذا كانت تحتوي على طفرات جينية تؤثر على نمط شخصية الفرد. ولذلك، فإن تطوير مثل هذا النوع من القياسات على مستوى الجينوم مهم جداً للتوصل إلى إجابة محدَّدة وشافية عمّا إذا كانت الصفات والسمات نتيجة الوراثة أم التنشئة.


مقالات ذات صلة

يزداد الطلب على الغذاء والإنتاج الزراعي نتيجة التزايد السكاني، بينما تتقلَّص مساحات الأراضي الصالحة للزراعة وكميات المياه المتوفِّرة، نتيجة ظاهرة التصحر والجفاف. فيتم اللجوء إلى اقتطاع مساحات من الغابات لزراعتها، مما يفاقم سلبيات التغيُّر المناخي. إزاء هذا المأزق الخطير، كان لا بد للعلماء من التفكير في مستقبل الزراعة، والسعي جدياً في تكييفها مع التغيرات المناخية […]

يتزايد الطلب على المعادن باستمرار نتيجة النمو الاقتصادي والعمراني والتزايد السكاني، لكونها عنصراً رئيساً في التقنيات والصناعات الحديثة. لكن أوجه نشاط التعدين المستخدمة حالياً ذات آثار سلبية على البيئة وصحة الإنسان ووجوده. فهل سيتمكَّن العلماء في المستقبل من اكتشاف تقنية مبتكرة لاستخدام البيولوجيا التركيبية وهندسة النباتات وتحفيزها بحيث تصبح قادرة على إنتاج المعادن بشكل مستدام؟ […]

المنهج العلمي هو طريقة يتبعها العلماء لاكتشاف كيفية عمل الأشياء في الطبيعة بعد ملاحظة حدث أو ظاهرة ما. وهذه الطريقة لا تُبنى على الآراء والتفضيلات، بل على سلسلة من الخطوات المنطقية للوصول إلى الاستنتاج المؤكد أو الأكثر احتمالاً.ظهر المنهج العلمي بشكل أساسي في القرن السابع عشر الميلادي، كبديل لأنظمة الفكر السائدة آنذاك، وأسهم في تطوُّر […]


0 تعليقات على “صفات الشخصية وسماتها.. بين البيئة والجينات الوراثية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *