مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2020

الهامش


ثناء عطوي

منذ الطفولة، نتعرَّف في دفاترنا المدرسية على الهامش وفق أبسط مفهوم له: إنه ذلك الحيّز المتروك جانباً بجوار المتن، لتلبية وظيفة ثانوية أخرى. وبنمو وعينا للعالم من حولنا، فنكتشف أن الهامش أشبه بإطار يحيط بكل شيء، وأنَّ لكلّ هامش دوراً أوسع من حيّزه الضيّق الذي أريد له أن يُوضع به. فهو الشرح والمتّسع في الكتابة والأدب، وهو الفنان الذي ينتظر القبول به، وهو ذلك الحي السكني القائم عند أطراف المدينة، والجندي المجهول في الحروب، والغريب اللاجئ في بلاد الشتات، والفقير المهمّش في الحياة الاجتماعية. ولكن الهامش ليس إضافة يمكن الاستغناء عنها. فمن دونه، لا تستقيم مفاهيم ومعارف مركزية كثيرة. إنه حاجة الاكتمال!
ثناء عطوي، وبمشاركة من فريق القافلة، تفتح ملفّ الهامش وموقعه في مجالاتٍ عدّة، ثقافية واجتماعية وفنّية، وتقف على آراء خبراء في الأدب والسينما وعلم الاجتماع وغيرهم من المختصّين.

اعتدنا أن ننظر إلى الهامش بصفته محايداً، يسند المركز ويدعمه. علاقته غير متكافئة بالمتن، بل هو تابعٌ ومُسيّر، وكأنّه كتابة في الحدّ الأدنى، أو تطفّلٌ على الأصل، قليل الأهميَّة، محدود الوظائف والمهام، مثله مثل الفارزة والفاصلة ونقطة الانتهاء وعلامات الاستفهام والتعجّب، وجوده مشروط بالبنية الأصلية للأشياء، ولا موقع له خارجها. لكنّ الهامش بدأ يتحرّك خارج الفكرة النمطية التي نعرفها عنه، استقلّ تدريجياً عن المتن، وأوجد لنفسه حيّزاً أكثر وظيفية. لم يعد محكوماً بعلاقة التبعية تلك، بقي يفصل ويوصل، لكنّه صار أصلاً مرادفاً، بل اشتقاقاً لأصلٍ أوّل، يوحي لنا إيحاء بكونه هامشاً، لكنّه في الحقيقة ليس كذلك.. ولعل خير مدخل إلى رحاب الهوامش وما تنطوي عليه في شتى مناحي الحياة، يكمن في الأدب الذي كان تاريخياً أفضل من قرأ الهامش.

الهامش في الكتابة والأدب
لطالما كان الهامش هو الحدّ الفاصل بين الكتابة المستقيمة وحدودها الخارجة عن النصّ، تقوية المكتوب وتعضيده، قول ما لا يقله المتن في سياقاته، بل هو “كتابةٌ بطريقة أخرى” خارج التراتبية والتطويق. والكتابة الهامشية هي نوع من الانزياح أو الانعتاق من المتن وقيوده، بل تحرّر اللّغة من ضوابطها. هكذا اختبرناها في المخطوطات الأصيلة، لجهة مكانة الشروح والتفاسير، ففي “تفسير الجلالين” مثلاً، الذي هو كما نعلم جميعاً مختصر في تفسير للقرآن الكريم من تأليف جلال الدين المحلّي وأكمله جلال الدين السيوطي، نجد الهوامش فيه أوسع من المتن جمالياً وفنّياً، كما نجد في بعض الصفحات ثلاثة أسطر فقط من الآيات الكريمة في المركز، تتجاوز هوامشها وشروحها الصفحتين، فيغرق المتن في الهوامش التي تزيد على النصّ الأصلي. 

الهامش في النصوص لجهة شكل الكتابة هو غيره في الأدب.

لكنّ الهامش في النصوص لجهة شكل الكتابة هو غيره في الأدب. نسمع كثيراً عن الشعراء الصعاليك، والجماهير الغفيرة، والحكايات الشعبية، والكتّاب المغمورين، وكلّ الذين يمثّلون ثنائيات ضدّية، ويسعون إلى تأسيس ممارسة نقدية هدفها إقلاق راحة الثابت، وإحداث جدار من الصوت في أجواء محصّنة بالقوّة، و”تكسير مركزية اللغة وسيطرتها”. فكُتَّاب الهامش بطبيعتهم معروفون بمناصرتهم للقضايا الإنسانية العادلة، وقضايا الأقلّيات، يقفون في مواجهة السلطات الجائرة، يلعبون دور المحرّض على الواقع، وهزّ المركزيين أنفسهم.
فالكُتّاب الهامشيون لهم سلوكهم اللّغوي الخاصّ، يمتلكون النبرة المشاكسة، والصوت المُقلق، والخطاب المتمرّد، “ومن سمات لغة المُهمّشین إبراز الفَرق بین المُعلَن والمسكوت عنه بطابعٍ نقديّ لاذع، وهذا ما يُحدّد مميّزات الفئة المُهمّشة ولغتها، وخطابها، وهذا نوعٌ من ردّ الاعتبار لهم كونهم منسيين”.
الكاتب الفرنسي من أصل جزائري جان جينيه، الذي لُقّب بـ “كاتب الهامشيين”، لم يتحدّث في كتاباته إلّا عن الضعفاء والمقهورين، (عُرفت عنه مناصرته لقضايا العَرب والعالَم، وانشغاله بدعم القضية الفلسطينية والثورة الجزائرية)، وهو من “جعل من نفسه بامتياز، رجل هامش الهامش”، وحرص على النظر إلى الهامشيين من الخارج كي يتمكّن من الكتابة عن واقعه وواقعهم.

لقد تعمّد الكاتب الفرنسي من أصل جزائري جان جينيه في إحدى مسرحياته، وهي مسرحية “الزنوج”، إعطاء المهمّشين مكانة المركزيين، وإنزال هؤلاء عن عروشهم ليعيشوا واقعاً مختلفاً.

وقد تعمّد في إحدى مسرحياته، وهي مسرحية “الزنوج”، إعطاء المهمّشين مكانة المركزيين، وإنزال هؤلاء عن عروشهم ليعيشوا واقعاً مختلفاً. فقد ألبس الممثلين الزنوج أقنعةً على وجوههم وأعطاهم أدوار البيض من أعضاء الطبقات الاجتماعية العليا (الحاكم والملكة والكاهن وغيرهم). وفي لحظة محدّدة خلال العرض، تسقط الأقنعة، ويصاب المشاهد الأبيض بصدمة اللّون والجنس والمستوى الاجتماعي، صدمة تضع الآخر “أمام مرآة نفسه”.
في دراستها “الهامش الاجتماعي في الأدب”، حاولت الدكتورة هويدا صالح أن تستقصي أشكال التهميش الاجتماعي وتاريخه منذ مطلع الستينيات، وهي الفترة التي شهدت بداية الاهتمام في الأدب العربي بكلّ ما هو مُهمّش، “إذ تعمّق الإحساس بالانكسار بعد عام 1967م، وتراجُع القضايا الكبرى، وتهميش المثقّفين، وقد ازداد دور المهمّشين عمقاً مع انهيار الأنظمة الكبرى، وتفتت الأيديولوجيات، وغياب النماذج القيادية. 
وترى الدكتورة صالح أنّ الأدب الشعبي هو أحد تجلّيات أدب المهمّشين، فالثقافة الشعبية ليست ثقافة واحدة بل هي مئات الدوائر الثقافية التي تتقاطع مع بعضها، وتتأسّس على الضدّ، كما ترى في السلطة الظالمة ضدّاً لها، وتحاول أن تُناهض المركز والمتن. كذلك الأمر بالنسبة للحكاية والأمثلة الشعبية.

وفي الواقع، فإن ظاهرة حضور المهمّشين في الأدب سابقة على هذه التشكّلات الاجتماعية المعاصرة. 

وتتحدّث الكاتبة هويدا عن الجماعات الأدبية الغاضبة المُهمّشة بالمعنى السوسيوثقافي، المتمرّدين على مركزية المؤسّسة مثل “الرماديون” في المغرب العربي، و”إضاءة 77″ في القاهرة. وترى أن أهمّ أسباب وجود الهامش والمتن في مجتمعاتنا هي فكرة مركزية الدولة والسلطة التي تتّخذ من العاصمة مقراً لها، ويصبح ما يحيط بها من أماكن وبيئات بمثابة الأطراف أو الهوامش.
وفي الواقع، فإن ظاهرة حضور المهمّشين في الأدب سابقة على هذه التشكّلات الاجتماعية المعاصرة. فإذا ما عدنا إلى كلاسيكيات الأدب وكُتّابه، نرى بعض أقسى صور التهميش الاجتماعي في رواية “مُذلون ومُهانون” (1861م)، وهي أوّل رواية لدوستويفسكي بعد 10 سنوات أمضاها بين السجن والمنفى في سيبيريا، وبعد رواية “الفقراء” التي حصدت نجاحاً واسعاً. وقد أعادت له الأخيرة سمعته الأدبية في روسيا، وأكمل فيها ما بدأه في روايته الأولى، إذ شكّل المعوزون والمحرومون محور الروايتين وفكرتهما القائمة على التهميش الاجتماعي وغياب العدالة. 
كذلك الأمر في رواية “الجوع” للكاتب النرويجي كنوت هامسون، التي تشبه في وقعها وقسوتها الإنسانية لوحة “الصرخة” لإدغار مونش النرويجي أيضاً. 
فالرواية المذكورة تعكس القلق الوجودي والاضطرابات النفسية والاجتماعية المتأتّية من الفقر والذلّ، وتخرج وقائعها عن حدود التصوّر، وتدفع القارئ إلى الخجل من شبعه واكتفائه مقابل جوع الآخرين، وفقدانهم قطعة خبزٍ واحدة في اليوم!

منذ القرون الوسطى كان النبلاء والاقطاعيون بقصورهم واهتماماتهم محور الحياة الاجتماعية والسياسية، وكل ما كان خارجاً عن عالمهم كان هامشياً. 

وكذلك الأمر في ملحمة “البؤساء” لفيكتور هيغو التي نُشرت في العام 1862م، وارتبطت بالفلسفة الأخلاقية والعدالة، ولا تزال واحدةً من أعظم روايات القرن التاسع عشر، وواحداً من أفضل المداخل إلى إلقاء نظرة آلية التهميش الاجتماعي.
تدور هذه الرواية حول المعاناة الاجتماعية لطبقة الفقراء والمهمشين خلال الفترة المحدَّدة ما بين سقوط أمبراطورية نابليون عام 1815م والانتفاضة الشعبية الفاشلة عام 1830م. ولكن تاريخ فرنسا نفسها هو في الواقع تاريخ تعاقب هامشيين على مركزية الحياة الاجتماعية وتبادل التموضع مع من كان يشغل المركز.

ظهرت شريحة اجتماعية واسعة من الفقراء المهمشين، وهم الذين تناولهم هيغو في روايته “البؤساء”.

فمنذ القرون الوسطى كان النبلاء والاقطاعيون بقصورهم واهتماماتهم محور الحياة الاجتماعية والسياسية، وكل ما كان خارجاً عن عالمهم كان هامشياً. ولكن بدءاً من عصر النهضة، وبفعل التجارة وبعض الأعمال المختلفة، راحت تتشكل طبقة جديدة من الأثرياء الجدد الذين فاقوا بثرائهم النبلاء: إنهم البرجوازيون. ومع ذلك، بقوا من دون تأثير مباشر في الحياة السياسية، ومهمشين عن دوائر القرار، وحتى عن الاختلاط الاجتماعي بطبقة النبلاء. وفي كلمة “برجوازي” ما يشير بوضوح إلى الهامشية. فالكلمة تعني “ساكن البورج”، أي ساكن الضواحي. الأمر الذي أدى إلى اندلاع الثورة الفرنسية، وتسلم البرجوازية للسلطة الفرنسية، لتصبح هي صاحبة الحياة المركزية، بعدما نقلت النبلاء إلى هامشها وأرسلت بعضهم الآخر إلى المقصلة.
وفي خضم الصراع ما بين البرجوازيين والنبلاء الساعين إلى استرداد مركزيتهم، ظهرت شريحة اجتماعية واسعة من الفقراء المهمشين، وهم الذين تناولهم هيغو في روايته. وبفعل تضييق الخناق على هؤلاء، اندلعت موجة من الثورات في عام 1848م، ضد السلطة في فرنسا، وأيضاً ضد كل الأنظمة في أوروبا باستثناء إسبانيا والبرتغال. وانتهى معظمها، بتدابير سعت إلى لجم تدهور أوضاع هؤلاء، وساعدت الصناعة الحديثة الناشئة على إعادة دمج هؤلاء في الحياة العامة، نظراً لحاجتها إلى أيديهم العاملة. أما النبلاء الذين كانوا ما كانوا عليه في الماضي، فقد تقلصت مكانتهم الاجتماعية إلى مجرد جمعية، تُعرف اليوم باسم “جمعية النبلاء الفرنسيين”.

فيلسوف الهوامش

فيلسوف الهوامش ورائد المنهج التفكيكي جاك دريدا .

انشغل فيلسوف الهوامش ورائد المنهج التفكيكي جاك دريدا (1930 ـ 2004م)، بتحريك الثابت، والتأكيد على التعدّد، وإفساح المجال لتبادل الأدوار والمراكز بين الأنا والآخر. فنراه يسأل في كتابه “هوامش الفلسفة”: “أيمكن لهذا النصّ الذي بين أيدينا أن يصبح هامشاً لهامش؟ وإلى أين يمضي متن النصّ عندما لا يكون الهامش أمراً ثانوياً فقط وإنما مستودعاً لا ينضب”؟ ويردف أنّ “مفاهيم الخارجية والغيرية لم تُثر دهشة الخطاب الفلسفي، لأنّه دائماً خطاب مشغول في ذاته، وإذا كانت هناك هوامش فهل ما زال هناك فلسفة، الفلسفة؟”. 
تطرح نصوص دريدا العشرة في هذا الكتاب سؤالاً واحداً حول الهامش. وتُسائل الفلسفة عما يكمن وراء ما تريد قوله. فلا تتعامل مع الفلسفة بوصفها خطاباً، وإنما بوصفها نصّاً محدّداً، مدوّناً في إطار نصّ أعمّ، خطاباً مغلقاً في تمثيله لهامشه الخاص. وهو ما يقتضي أن نأخذه في الاعتبار وأن نلتفت إلى شيء آخر تماماً: في ما وراء النصّ الفلسفي، لا يوجد هامش أبيض وبكر وفارغ، وإنما نصّ آخر هو نسيج من الاختلافات بين القوي بلا أيّ مركز مرجعي حاضر.. إنّ ما لم يمثل للتحدّي هنا، هو ما لم يتفكّر فيه، المقموع والمكبوت في الفلسفة.

التهميش الاجتماعي المعاصر
جغرافيا الغرباء وجدران الفصل 

الخط الأخضر في قبرص.

يأخذنا أدب المهمّشين وكُتّابهم تلقائياً إلى جغرافيا المهمّشين الواسعة، أرض اللاجئين والغرباء، أصحاب العِرق واللّون والدين المختلف، هؤلاء الذين زحفوا من هوامشهم ليحتلّوا قلب المدن، ونزحوا من بلدانهم إلى دولٍ أكثر أمناً، هؤلاء الذين أجّجوا الثورات، وشغلوا أنظمتهم بالاحتجاجات، المطرودون من أوطانهم، المتمسّكون بمبادئهم ومعتقداتهم، الأقلّيات على أنواعها، وهو مصطلح يستخدم “للدلالة على فئة متميّزة بخصائص معيّنة يقلّ حجمها عن مجموع عدد السكان العامّ، وليس للدلالة على الحجم العددي أو الإحصائي”.
من هذه البيئات كلّها نشأ الهامش الجغرافي ليفصل بين ثنائيات ضدّية مختلفة، تسعى لخلق تراتبات وجودية، “تحتّم على الطرف الأوّل التموضعَ في شكلٍ من الامتياز والفوقية، وتحتّم على الطرف الثاني التموضعَ داخل التغييب والدونية والتهميش، وهذا ما يجعل الطرف الأول يمارس القمع والاستبداد ضد الآخر، مدّعياً الحقيقة المطلقة”، بحسب دريدا.
فلجدران الفصل العنصري والحصون والأسوار العالية دور أساسي عبرَ التاريخ. إنه تكريس التعالي والفوقية على آخرين يتقاسمون الجغرافيا نفسها، لكنّهم أضعف ومغلوبون على أمرهم. يتطلّعون بنظرة ثابتة لا تتغيّر إلى الجانب الآخر، إلى جدران لها شكل الهامش ودوره، جدران أنتجت مجتمعات قسرية مُهمّشة ومُغلقة، إذ وصل عددها في فلسطين المحتلّة وحدها إلى ستة جدران، فضلاً عن جدار برلين التاريخي الذي شكّل أحد وجوه الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بقيادة أمريكا والشرقي بقيادة الاتّحاد السوفياتي، وكان أحد الأماكن الأكثر حراسة في العالم، وجدار “خطّ سلام” بلفاست شمالي إيرلندا، و”الخطّ الأخضر” في قبرص الذي هو عبارة عن براميل نفطٍ كبيرة وملوّنة استُخدمت كجدارٍ فاصلٍ في العام 1964م وسط مدينة نيقوسيا وقسّمت جزيرة قبرص إلى قسمين: شمالي وجنوبي، وصولاً إلى “جدار لينينبراغ” في جمهورية التشيك، وربما “سور الصين العظيم” وغيرهم كثير.
وعندما لا يعلو جدار أو سور، كانت تُبنى “غيتوات”، هدفها عزل الناس، و”الغيتو” بحسب كبيرة محرّري الموسوعة البريطانية آنتي وولف، يتمثّل بـ “منطقة مُحاطة بجدران لها بوابات، وعادة ما تبقى مقفلة خلال الليل…”. ولكن أشكالاً أخرى من “الغيتو” قامت في المدن الحديثة في معظم المدن الكبرى في العالم، ومن دون أن تكون لها أسوار وبوابات تقفل ليلاً. فأسوارها وبواباتها معنوية منطبعة في وجدان الناس على جانبيها، ومنها على سبيل المثال حي “هارلم” في نيويورك، وحي “غوت دور” في باريس، وصولاً إلى ما يسمى بـ “العشوائيات” في بعض مدننا العربية الكبرى.

سور الصين العظيم.

الإقصاء أو الاجتماع 
تحاول بعض النظريات الاجتماعية إعطاء تفسيراتٍ شاملة للظواهر الاجتماعية ومنها مسألة التهميش. ويستعيض أغلب الباحثين اليوم عن مفهوم الطبقة المهمّشة والمسحوقة بفكرة “الإقصاء الاجتماعي”. وعلماء الاجتماع هم أوّل من وضعوا معالِم هذا المفهوم، غير أنّ السياسيين هم الذين يستخدمونه بكثرة للدلالة على اللامساواة، وهذه الأخيرة هي مفهوم يدلّ على المسالك المُقفلة في وجه الأفراد وإمكانية انخراطهم في الحياة الاجتماعية الواسعة. 
يتّخذ الإقصاء الاجتماعي عدداً من الأشكال، ونلمسه في أوساط الجماعات الريفية المعزولة، أو في أحياء المدن الكبرى، ويمكن النظر إلى مفهومَي الإقصاء والاندماج على أسسٍ اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية.
لا شك في أن تكريس التهميش يعني تطوير سلطة التمرد والمُغايرة، وتوسيع الهوّة بين الشرائح الاجتماعية، وتحديداً بين المركز المديني والأطراف الأقلّية أو العرقية أو الدينية أو الريفية، والهوّة بين المجتمعات “البعيدة” اجتماعياً وجغرافياً عن المركز، فضلاً عن غياب دور الدولة الرعائي وسياسات التطوير الاجتماعي والتنموي، التي تفاقم من هذا الشرخ، وهذا التناقض التقليدي بين المديني والشعبي أو العشوائي أو الجهوي، الذي يتحوّل تدريجياً إلى بيئاتٍ ثائرة وحاقدة ورافضة أيضاً.

نشأ الهامش الجغرافي ليفصل بين ثنائيات ضدّية مختلفة، تسعى لخلق تراتبات وجودية..

منذ مطلع السبعينيّات، شقّت مدرسة اجتماعية جديدة طريقها لفهم ظاهرة الجريمة في المجتمع. ونُشرت دراسات موسّعة تحت عنوان “علم الإجرام الجديد”، وهي تنقض الرأي القائل إن الانحراف يتحدَّد بعوامل الموروثات والخصائص البيولوجية أو الشخصية. وقد طُرحت نظرية مفادها أن الأفراد ينشطون في الانخراط بالسلوك المُنحرف ردّاً على أوضاع اللامساواة في النظام الرأسمالي، والفجوات الهيكيلة العميقة داخل المجتمع. وعلى هذا الأساس، فإن المنتمين إلى المجموعات التي تتبنى “ثقافات مضادّة”، يتحدون النظام الاجتماعي. وترى المدرسة الوظيفية أن ظاهرة الانحراف والجريمة وغيرها ناجمة من التوترات وجوانب الخلل الهيكلية والافتقار إلى آليات التنظيم والضبط الأخلاقي، فإذا لم تتوازن وتتقابل تطلّعات الأفراد والجماعات مع ما يقدّمه المجتمع من حوافز ومكافآت، تتعاظم مشاعر الدونية والعداء. 
ويرى علماء الاجتماع أنّ استيعاب الشراكة مع الكيانات الجمعية الخارجة عنها، وإدماج الفئات الأخرى في المجتمعات ضمن سياسات تنموية متوازنة ومدروسة، كما هو الحال في الدول المتقدّمة، والعودة إلى القواعد الشعبية المهمّشة، وتوسيع المشاركة السياسية، أسسٌ تنبني عليها الحلول، وتقلل من حجم المخاطر التي تهدّد أمن المجتمعات ومستقبلها. 
وقد رصد عالِم الاجتماع الدكتور فردريك معتوق التشكّلات التاريخية لظاهرة التهميش، وأوضح أنّ البشرية عندما اعتمدت منذ غابر الأزمنة نظام العبودية، أنشأت أوّل وأقوى شكل للتهميش، لكنّ المسألة لم تتوقف عند هذا الحد، بل إنّ تجليات عدّة للتهميش قد أبصرت النور تباعاً في جميع القارّات والمجتمعات البشرية.

المدن واللامساواة
لم يبدأ قيام المدن الضخمة ونموّها واتّساعها إلّا في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد كان لنمو المدن الحديثة أثرٌ هائل على عادات الناس وسلوكهم وقيمهم. لكن نمو المدن ارتبط بمظاهر التفاوت واللامساواة الاجتماعية، وانتشار الفقر والانحراف والجريمة. أبرز ممثلي مدرسة شيكاغو وعلى رأسهم روبرت بارك، يرى أن المدن حال قيامها تكون بمنزلة الآلية التي تنتقي الأفراد المناسبين القادرين على العيش في منطقة محدَّدة وبيئة متميّزة. وتتّسع المدن وتكبر عبر عمليات المنافسة، والغزو، والتتابع، وفق قوانين أشبه بالقوانين البيولوجية. بعدها تصبح مراكز التجمّعات البشرية والاقتصادية مركز استقطاب، ثم يبدأ الرعيل الأوّل بالتحرّك خارج المركز والانتشار في الضواحي، ومع الوقت تتحوّل المدن إلى مجموعة من الحلقات الدائرية المتتابعة.

عندما اعتمدت البشرية، منذ غابر الأزمنة نظام العبودية، أنشأت أوّل وأقوى شكل للتهميش..

في قراءة لأمراض المدينة وما تُنتجه من بيئاتٍ مهمّشة، يرى الكاتب إدريس مقبول “أنّ المدينة العربية الحديثة تصنع المتناقضات السخيفة، بل إنها تستفيد منها وتتغذَّى عليها؛ وتكمن وراء كل الأوضاع المختلة وغير الطبيعية، أكداسٌ من مشاعر الغضب والحقد على النازحين، إنهم سبب كل آلام المدينة وفاقتها. وتسري هذه المشاعر الهوجاء والسوداء في شرايين المدينة، تلاحق ضحاياها في جميع الهوامش والأطراف وعند الملتقيات، تُسبّبُ جروحاً غائرة، وتمحو بقايا الشعور بالانتماء إلى المكان، تذكّرهم بأنهم غرباء باستمرار، ولو حازوا بطاقات هوية وشهادات سكن في أحد أحياء المدينة التي تستثقلهم. وهذه الصورة المختزلة التي تتكرّر تجاه الريف أيضاً: “هذا الريف المختلف الذي حوّلته السياسات التنموية إلى مجرد مجال منسي تنخره الأمّية والعصبيات القبلية، وتحكمه السلطة بأدواتٍ عتيقة، تصنع مأساة الريف على مرأى ومسمع من المدينة القريبة، التي أوصدت أبوابها ونوافذها ونامت بلا اكتراث”.

هامشيون وفخورون بذلك..
الشعراء الصعاليك

يمثِّل الشعراء الصعاليك ظاهرة في تاريخ الشعر العربي، لا علم لنا بما يشبهها في آداب وثقافات شعوب العالم. فهم مجموعة من الشعراء الذين عاشوا ما بين أواخر العصر الجاهلي وبدايات العصر العباسي، وتميّزوا باتباع نمط حياة مختلف وخاص بهم، حتى ليمكن وصفه حرفياً بـ”الهامشي”. وأكثر من ذلك، كان شِعرِهُم، وبعضه من عيون الشِّعر العربي، مختلفاً كل الاختلاف عما كان عليه الشعر “الموقّر”، إذا جاز التعبير.
“الصعلوك” هو الفقير حسبما جاء في “لسان العرب”، ويقال تصعلك فلان، أي إنه افتقر. وثَمَّة بيت شعر لحاتم الطائي يقول:
     عنينا زمناً بالتصعلك والغنى     فكلاً سقاناه بكأسيهما الدهر
ولكن مفردة الصعلوك التي لا تزال حية على الألسن حتى يومنا هذا، اكتسبت منذ إطلاقها على هؤلاء الشعراء معنى يتجاوز الإشارة إلى الفقر، ليدل على من يتبع سلوكاً هامشياً يخرج عن السلوك الاجتماعي السائد.

نمط عيشهم
السمة المشتركة ما بين الشعراء الصعاليك هي في تمردهم على قبائلهم وقيمها الاجتماعية، فلفظتهم هذه القبائل، وانتقلوا إلى العيش على هامشها، وفق منظومة قيم خاصة بهم. فكانوا على سبيل المثال، يفضلون علناً كسب لقمة العيش بالإغارة على بعض النواحي، والنهب والسلب، بدلاً من التسوُّل كما كان يفعل غيرهم من الفقراء، وحتى بدلاً من التكسُّب من مدح علية القوم كما كان يفعل غيرهم من الشعراء الرسميين.
وبتفصيل أدق، يقسّم مؤرخو الشعر العربي الصعاليك إلى ثلاث فئات من حيث الدوافع أو الأسباب التي أدت بهم إلى الصعلكة. فهناك أولاً فئة “الشعراء المجّان” الذين كانوا ينظمون شعراً لا تقبل به القيم القبلية المحافظة، و”أبناء الحبشيات” الذين لم يعترف آباؤهم بأبوتهم لهم، وفئة احترفت الصعلكة، وارتقت بها إلى مستويات الفروسية من حيث التمسك بقيم الشجاعة والكرم والإحساس بالكرامة الشخصية.
ففي حين أن بعض شعراء الصعاليك كانوا مجرد لصوص، يسرقون وينهبون لصالحهم الخاص، مثل أبو النشناش الذي عاش في العصر الأموي، فإن كثيرين منهم كانوا على فقرهم مشهورين بكرمهم، يغيرون وينهبون لإطعام الفقراء من أمثال عروة بن الورد.

شِعرُهم
اختلف شعر الصعاليك كل الاختلاف عما كان مألوفاً في زمنهم. فقد خلت قصائدهم تماماً من الاستهلال بالوقوف على الأطلال وفق التقليد الذي التزم به شعراء الجاهلية. كما خلت من وصف الحروب والمعارك، وإلى حدٍّ ما من الغزل، نظراً لحياة التشرد التي كانوا يعيشونها. وفي المقابل، تركز مضمون شعرهم في التعبير عن قيمهم مثل الشجاعة والشهامة وعزة النفس والكرم.
ومن قائمة الشعراء الصعاليك الطويلة، نذكر على سبيل الأمثلة الدالة على نمط حياتهم وقيمهم وشعرهم:

  • عروة بن الورد، أشهر الشعراء الذين احترفوا الصعلكة احترافاً. اشتهر بكرمه، ولُقِّب بالفارس الصعلوك لأنه كان من الفرسان الأشداء. اشتهر بعزة نفسه وإبائها، وفي عدائه للصعاليك الأذلاء. توفي عام 596م.
  • الشنفرى، وهو ثابت بن أوس بن الحجر، وينتهي نسبه إلى الأزد، لُقب بالشنفرى لغلظ شفتيه. استعبده بنو سلامان عندما كان صغيراً، فكرههم وتوعدهم بقتل كثيرين منهم. وهذا ما فعله خلال تصعلكه. وله لامية تُعدُّ من أشهر قصائد الشعر الجاهلي. ويروى أن الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كان يوصي الناس أن يعلِّموا أبناءهم هذه اللامية لما فيها من بلاغة، ولأنها تنضح بالقيم النبيلة. توفي عام 525م.
  • تأبط شراً، هو ثابت بن سفيان بن عدي بن كعب، والتأبط شراً هو لقبه، ويعود حسب بعض الروايات إلى أنه شوهد ذات مرَّة يخرج من دارته حاملاً سيفه، ولما سأل الناس أمه عنه، قالت: “تأبط شراً وخرج”. توفي قرابة عام 530م.
  • مالك بن ريب التميمي، من أبرز صعاليك العصر الأموي الذي اشتهر بشجاعته في قطع طريق القوافل ونهبها. ويروى أن سعيد بن عثمان بن عفان أعاده إلى سلوك الطريق القويم، واصطحبه معه إلى خراسان، وفي طريق العودة، لدغته أفعى في محلة تسمى مرو، ولما أحس بدنو أجله، رثى نفسه في قصيدة باتت من أشهر مرثيات العرب.

في الفن التشكيلي
عندما يتحوَّل الهامشي إلى مركزي

لأن الفن التشكيلي من الأعمال التي تُمارس على المستوى الفردي في محترَف يقتصر فيه الحضور على الفنان، ولأن الفنان مهما كان مبدعاً، يعيش عادة فترة قد تطول أو تقصر قبل اعتراف بيئته بأهمية فنه، راجت في العصر الحديث صورة “درامية” للفنان تُظهره وكأنه يعيش على هامش الحياة الاجتماعية المركزية. ولأسباب عديدة ومتنوِّعة، يعمل بعض الفنانين على تعزيز هذه الصورة. فأين الحقيقة؟
يؤكد تاريخ الفن أنه قبل أواسط القرن التاسع عشر كان الفنان متصالحاً تماماً مع المجتمع. فهو كان يرسم بناءً على طلب يتلقاه من عميل. وكان العملاء من عِلْيَة القوم. وعلى الرغم من تفاوت مستويات الإبداع بين هذا وذاك، فإن معظم الفنانين الذين وصل إنتاجهم إلينا عرفوا في حياتهم ما كانوا يستحقونه من شهرة، وكثيرون منهم كانوا من نجوم الحياة الاجتماعية.
في أواسط القرن التاسع عشر، ولأسباب عديدة لا مجال للتوسع بها هنا، راح بعض الفنانين في فرنسا أولاً يرسمون لوحات لم يطلبها منهم أحد. فقد أرادوا التعبير عن رؤيتهم للعالم بأساليب مختلفة ومتفلتة من القيود الأكاديمية التقليدية في فن الرسم. فكان من الطبيعي أن ترفضهم الأكاديمية في معارضها السنوية، وبقي هؤلاء لأكثر من عقد من الزمن يعيشون على هامش الحياة الثقافية في باريس، إلى أن تقرَّر إقامة معرض خاص بهؤلاء، يقال إن الإمبراطورة أوجيني هي التي أطلقت فكرته، ويحمل الاسم “المهين”: “معرض المرفوضين”، أي المرفوضين في الأكاديمية. وفي معرض المرفوضين هذا عرض مونية عام 1848م لوحته الشهيرة: “انطباع، شمس مشرقة”، التي التف حولها عدد من الفنانين الطليعيين عُرفوا في ما بعد بالانطباعيين.

فان غوخ لم يبع غير لوحة واحدة في حياته، وكان شقيقه من اشتراها من باب العطف عليه.


رغم أهميتهم الفنية والثقافية، بقي معظم الانطباعيين بفنهم على هامش الحياة المركزية، وبعضهم لم ينل أي تقدير في حياته مثل فان غوخ الذي لم يبع غير لوحة واحدة في حياته، وكان شقيقه من اشتراها من باب العطف عليه.

لو باتو لافوار.

من الهامش إلى السوق 
تزامن ظهور الانطباعية مع تطوُّر آخر هو ظهور بعض تجار الفن الذين يبيعون لوحات معاصرة. وتزايد عدد هؤلاء بسرعة نتيجة النهضة العمرانية الكبيرة التي شهدتها باريس في تلك الفترة وتضمَّنت بناء آلاف الشقق الجديدة للطبقة المتوسطة – العليا، وكانت هذه الشقق بحاجة إلى التزيين، وفي الوقت نفسه يستحيل على ملّاكها الجدد اقتناء الأعمال الكلاسيكية نظراً لارتفاع أسعارها. كما أدرك التجار أن الذوق العام بدأ يشهد انفتاحاً على كل ما هو جديد يشجِّعهم على المضي قُدماً في تجارتهم. ومع ذلك..
قبل أن يتمكَّن الانطباعيون من انتزاع أي اعتراف عام بعبقريتهم وبقيمة إبداعاتهم، ظهرت مجموعة من الفنانين الشبان المغمورين الذين مضوا بالفن التشكيلي إلى ما هو أبعد من الانطباعية في التحديث. وكان إنتاجهم (التكعيبي) مصدر حيرة وارتباك للقلة التي كانت تطلع عليه، واحتشد هؤلاء في حي مونمارتر الشعبي بعيداً عن قلب المدينة حيث الحياة الاجتماعية الصاخبة بما فيها من زبائن محتملين لسوق الفن الحديث.

عنوان الهامشية في تاريخ الفن: “لو باتو لافوار”، وهو اسم مبنى في ناحية مونمارتر في باريس، كان في الأصل مصنعاً، حوله صاحبه إلى 20 “استديو” ليؤجرها للفنانين.

13 شارع رافينيان، باريس
عنوان الهامشية في تاريخ الفن

“لو باتو لافوار” هو اسم مبنى في ناحية مونمارتر في باريس، كان في الأصل مصنعاً، حوَّله صاحبه إلى 20 “استديو” ليؤجرها للفنانين، وخلال العقد الأول من القرن العشرين، وفي هذا المبنى الخالي من التدفئة، والذي لم يكن فيه غير صنبور ماء واحد، احتشد عدد من الفنانين والكتّاب الطليعيين الذين لا مأوى أفضل منه لهم. ونذكر من هؤلاء: بابلو بيكاسو، وكيس فان دونجن، وموديلياني، وخوان غري، وماكس جاكوب.. وغيرهم.
وبفعل التفاف النخبة الطليعية حول هؤلاء، تحوَّل هذا المبنى إلى ما يشبه النادي الثقافي (حتى من دون ترخيص رسمي بذلك). وكان من أبرز مرتاديه جورج براك، وأوتريو، وماتيس، وأندريه دوران، وراؤل دوفي.. إضافة إلى عدد من الشعراء والكتّاب أمثال غيوم أبولينير، وجان كوكتو، جيرترود شتاين.. وكثيرين غيرهم. عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدأ سكان هذا المبنى – النادي بهجره والانتقال إلى حي آخر في ناحية منونبارناس. ولاحقاً، وبدءاً من السنوات التي أعقبت الحرب، انتقلت أسماؤهم من ظلال التهميش، لتلمع في سماء الحياة المركزية الثقافية والفنية، ليس في باريس أو فرنسا فحسب، بل على مستوى العالم بأسره.

انطباع، شمس مشرقة، مونيه.

فن الشوارع

من ظواهر الحياة العصرية في المدن الأوروبية والأمريكية بشكل خاص، نزول الفن من علياء صالات العرض والمسارح إلى الشوارع. وبات مشهد عازفي الكمان أو آلات النفخ مالوفاً في الساحات العامة ومحطات القطارات، وحيثما هناك حركة مشاة قوية. ورغم تفاوت مستويات أداء هؤلاء، وبعضهم من المجيدين، فإنهم هناك لأن “المفوضية” الثقافية الحاكمة لم تحتضنهم، فبقوا على هامش الحياة الثقافية الرسمية لهذه المدينة أو تلك. 
وإن كانت موسيقى الشوارع هناك، فإن وجودها يعود في معظم الأحيان إلى عوامل فردية، تتراوح ما بين عدم ارتقائها إلى المستوى المطلوب في المسارح الراقية، وسوء التدبُّر في إدارة العمل عند الفنان الجيد، تدل على ذلك علبة جمع النقود من المارة. وفي كل الأحوال، يبقى الخطاب الاجتماعي لموسيقى الشوارع محصوراً في إطار ضيق للغاية، على عكس فن الرسم في الشوارع ذي الخطاب الاجتماعي الصارخ، الذي بات حاضراً بقوة في تاريخ الفن المعاصر، حيث يشكِّل فصلاً كاملاً من فصوله الحية والمتطورة باستمرار.

من الكلمة إلى اللوحة الجدارية
ظهر فن الشوارع أولاً في ناحية برونكس في مدينة نيويورك خلال ستينيات القرن الماضي. وكانت نواته الأولى الشعارات السياسية والاجتماعية التي يرفعها أناس لم يجدوا منابر أخرى للتعبير عنها. وبعدما كان خطاب هذ الشعارات يقتصر على مضمونها، راح أصحابها يجمّلونها ويتفنون في صياغتها الشكلية للفت مزيد من الانتباه إليها. ففي أواخر العقد التالي، بلغ فن الكتابة الجدارية مرحلة متقدِّمة على المستوى الجمالي، بإضافة الرذاد الملوّن إليه.
لم يكن روَّاد هذا الفن من المحترفين، ولكن سرعان ما انضم إلى قائمتهم بعض الموهوبين فعلاً الذين تمكنوا من إضافة الرسم إلى الكتابة انطلاقاً من محطات قطارات الأنفاق أولاً، وصولاً إلى الجدران الخارجية للمصانع، أو حيثما وجدوا مساحة لذلك. وتعزَّز فن الشوارع بتزامنه مع حركة احتجاجية عالمية ضد تجارة الفن وتسلُّط التجار على توجيه الفنانين، وهو الأمر الذي أدى إلى الدعوة إلى إنتاج فن غير قابل للبيع والشراء، ومن أبرز تياراته “الفن المفهومي” الشهير في الوقت الحاضر. وهكذا كبرت قائمة فناني الشوارع بانضمام بعض الخرّيجين الجامعيين ومزيد من الفنانين الموهوبين فعلاً الذين وجدوا في الجدران القائمة في فضاءات عامة فرصة لإيصال فنهم إلى جمهور أعرض من جمهور قاعة العرض. وتمكَّن هؤلاء الذين بدأوا كهامشيين لا يحسب لهم حساب من فرض أعمالهم على الحراك الثقافي، وصولاً إلى الاعتراف الرسمي بقيمتها، وحماية حقوق ملكيتها الفكرية.
ففي الولايات المتحدة، بات من الممكن لفناني الشوارع تسجيل حقوق أعمالهم، “شرط أن يكون تنفيذها قد تم بشكل قانوني”. وفي قانونية فن الشوارع تتداخل أطراف كثيرة، أهمها: الفنان بحد ذاته، وصاحب الأرض أو الجدار الذي يحمل العمل الفني، وسلطات المدينة، وصولاً إلى الجيران الذين يشاهدون هذا العمل. وفي هذا ما يؤكد أن الفن الذي نشأ هامشياً لم يعد كذلك، بل انضم إلى قائمة التيارات الفنية المعاصرة المقبولة لدى صالات العرض ودور المزاد العلني.

بانكسي
من الشارع إلى أرقى المتاحف

تستحق السيرة الفنية لبانكسي التوقف أمامها طويلاً لما لها من وزن في تاريخ فن الشوارع الحي حالياً، وكيفية اختراق فنان هامشي للحياة الفنية المعاصرة.
وبانكسي هو لقب فنان مجهول الهوية الحقيقية، يرجح البعض أن اسمه الحقيقي نيل بوكانان، ويقول آخرون إنه جامي هوليت، أو روبرت ديل ناجا. ولا يظهر هذا الفنان إلا في الظلام، ليرسم على جدار ما ما يريد، وغالباً باستخدام تقنية الطباعة الحريرية، التي تسمح له بمد قطعة مخرمة وفق رسم معيَّن، ورش الطلاء فوقها لتنطبع الصورة على الجدار. وكل ما سمح بتسريبه عن حياته الخاصة هو أنه بدأ يرسم في الرابعة عشرة من عمره بعدما طُرد من  المدرسة، كما دخل السجن لفترة بسبب جنحة ما.
لم تكن القيمة الجمالية ما لفت الأنظار في البداية إلى أعمال بانكسي، بل خطاباتها الإنسانية العامة والواضحة التي تراوحت ما بين الشأن البيئي العالمي وحتى القضية الفلسطينية. الأمر الذي جعل جيل الألفية، وخاصة الناشطين منهم، يَعُدُّونه بطلاً متحدثاً باسمهم. وهنا تدخل تجار الفن، فاحتضنوا هذا الفنان كما يحتضنون كبار أساتذة القرن العشرين.
فبعض أعمال بانكسي المنقولة والصغيرة الحجم، وهي غالباً أعمال طباعية دخلت دور المزاد العلني من أوسع أبوابها. فلوحته “فتاة مع بالون” على سبيل المثال، بيعت في عام 2004م بمبلغ 275 جنيه إسترليني، وأعادت دار المزاد كريستيز بيعها مؤخراً بأكثر من مليون دولار بقليل. أما أعماله على جدران الشوارع، فباتت تتعرَّض للتفكيك حيثما كان ذلك ممكناً لنقلها إلى دور المزاد العلني ومتاحف الفن الحديث. وبانكسي ليس الوحيد الذي حقَّق هذا النجاح، بل هناك كثيرون ممن يتمتعون اليوم بمكانة مشابهة، وإن تفاوتت مستوياتها.
وفي ختام هذه الزاوية نشير إلى أن آخر أعمال بانكسي ظهر فجأة على جدران عربة قطار أنفاق في لندن، ومثّل دعوة إلى ارتداء القناع الواقي من فيروس الكورونا. وعملاً بالقانون الذي يمنع الكتابة أو الرسم على جدران القطارات في لندن، تمت إزالة هذا الرسم. ولكن إدارة القطارات أعلنت عن استعدادها لتخصيص مكان آخر يمكن لبانكسي أن يرسم عليه ما يشاء، وفي ذلك تعبير عن مرارتها مما اضطرها القانون إلى القيام به.

السينما مستقلّة لا هامشية 

مع ظهور مسرح العبث وعروض الشارع وتطوّر فكرة الهامش لغوياً وإنتاجياً، ومن ثم ظهور مفهوم الإنتاج الإبداعي المستقلّ، بدأت كلمة هامش تأخذ معنى مختلفاً وخصوصاً في السينما. وبدأت كلّ سينما تنتج خارج المنظومة الأساسية، تسمّى مستقلّة. وبحسب الناقد السينمائي إبراهيم العريس، كانت البداية في سينما جون كازافتس، ومن مزاياه أنّه كان يعمل داخل المنظومة وخارجها في آنٍ معاً، أيّ إنّه يعيش في المنظومة ويُنتج على هامشها. هكذا وبالتدريج، ولدت فكرة “الهامش” الفكرية بدلاً من كلمة “المستقلّ” ذات الرنّة التقنية. لقد أعيد الاعتبار للمصطلح نفسه، ما سهّل إعادة النظر في عدد كبير من منظومات سينمائية كان هناك حيرة في تسميتها و”تصنيفها” في البدء: أفلام خارج المنظومة – أفلام من خارج حواضر الإنتاج الكبرى، عالم ثالث، سينما نوفو (جديدة) وغيرها.

يرى العريس أنّه بدأ يُنظر حتى إلى سينمائيين راسخين مثل إنغمار برغمان السويدي، وساتياجيت راي الهندي، وأكيرا كوروساوا الياباني، بل حتى المنشقّين التشيكوسلاف والبولنديّين والمجريّين، بوصفهم هامشيّين. ومع هؤلاء وغيرهم، راحت كلمة هامش تنتقل من المنظومة الإنتاجية إلى موضوعات الأفلام، وخصوصاً في حومة نضالات الطلّاب والشبيبة في العام 1968م تحديداً، وثورات الاحتجاج السياسي، وما سمي يومها بالسينما البديلة الناتجة عن هزيمة حزيران في البلدان العربية، والغضب المرتبط بها. 

لا يزال الاهتمام السينمائي العربي ينحصر في تناول التهميش المادّي والاجتماعي دون غيره من أنواع التهميش.

وهكذا، بين موضوعات أفلام راحت تزداد اهتماماً بالهامشيّين في المجتمع، وأساليب إنتاج تقف على الهامش، بما في ذلك السعي لعرض الأفلام خارج الصالات، وصولاً إلى لغاتٍ سينمائية ترفض “النهايات السعيدة” و”البطل الإيجابي” والبحث المضني عن تناغمٍ اجتماعي، بدأت استعادة اكتشاف الشخصيات التي تتماشى مع هذا التفكير الجديد المستقاة من الأدب (كافكا، ودوستويفسكي، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ، وأدب الستينيّات في مصر، والشبّان الغاضبين في أوروبا، وبداية الانشقاقات في البلدان الاشتراكية)، أو من المسرح أيضاً، إذ كان “اكتشاف” السينما لهامشيّي صموئيل بيكيت يتلاقى مع إعادة النظر في هامشيّي شابلن وما إلى ذلك.
وعلى هذا النحو، ومع سقوط الإيديولوجيات الجامعة وولادة الفرد من جديد، لاحظنا منذ العَقدين الأخيرين من القرن العشرين كيف أنّ الهامشي بدأ يتحوّل إلى مركزي في سينما لم تعد هامشية أو مستقلّة بالضرورة، وأصبح الهامش ماثلاً في الموضوعات الأكثر “استقامة”.

يقول العريس، مهما يكن وحتى لو صار الهامشي اليوم أساسياً في السينما التقليدية، فليس هناك خطر بأن يُستوعب من قبلها. فأن تكون هامشياً هو كينونة عضوية غير قابلة للاستيعاب. وبالتالي، فإن مجرد أن تُبجّل الهامشية اليوم، يعني أنّ المجتمعات نفسها تتبدّل لصالح توجه أكثر عدلاً ونقاءً، ولصالح فردية لا شك في أنها باتت تفرض نفسها أكثر وأكثر في هذا الزمن الانتقالي. باختصار، لا خوف على الهامشية اليوم تماماً كما أن لا خوف منها.
وبحسب الناقد السينمائي محمد هاشم عبدالسلام، فقد انتقل في الآونة الأخيرة الاهتمام بالمتن، أي القضايا الكبرى، إلى تناول متنوِّع وثرّي للفرد، وفي القلب منه الهامش والمنتمين إليه. وقد تجلّى ذلك في الفنون كافة، عربياً وعالمياً، وفي القلب منها السينما. لكن تناول الهامش والمهمّشين اقترن عادةً بالفقر المادي والمستوى الاجتماعي. وتبدى ذلك في أفلام المخرج المصري عاطف الطيّب، أو الأمريكي مارتن سكورسيزي. 
وحديثاً بدأ الالتفات عالمياً إلى نوعٍ آخر من المهمّشين، أي أصحاب الإعاقات أو الاختلافات الجسدية الظاهرة، أو غير الظاهرة كالذهنية أو النفسية. أما الاهتمام السينمائي العربي فلا يزال ينحصر في تناول التهميش المادّي والاجتماعي دون غيره من أنواع التهميش.

في الاقتصاد
هامش الربح.. نجاح!

على الرغم من تسميته هامشاً، إلّا أنّه يعدّ عمليةً أساسية في نجاح المشروعات أو فشلها، وأحد أهمّ المعايير التي يتمّ الاستناد إليها لدراسة الجدوى الاقتصادية، واستمرارية المشروعات أو توقّفها، وقياس موازين الربح والخسارة لا تزال تُحسب انطلاقاً من هذه العملية.
لكن بالمعنى التنفيذي، فإن هامش الربح هو عبارة عن عملية حسابية تتولّاها المؤسّسات لدراسة النسب والمؤشّرات المالية التي تعطي معلومات عن الأرباح أو الخسائر أو العوائد الاستثمارية. وهناك أنواع عدّة من هذه الهوامش: الهامش الإجمالي للربح، وهامش الربح التشغيلي، والهامش الربحي لما قبل الضريبة، وهامش الربح الصافي.

فائض القيمة  
إن فائض القيمة في الاقتصاد هو الهامش المسكوت عنه، لأنه لا يبدو واضحاً، إنما يوجد بشكلٍ متخفٍّ وضمن طيّات العملية الاقتصادية، وذلك على الرغم من ضرورة وجوده، إذ إنه الطريق نحو تراكم الثروة. وهكذا فإنّ ما تمّ إخفاؤه وتجاهله يظهر مركزياً ولاعباً في الثروة والاقتصاد.

الهوية الرقمية، وإلا..

هل لديك حساب على الفايسبوك، أو تويتر، أو إنستغرام؟ إذن أنت موجود.
هذه هي هويتنا الرقمية الجديدة المُلازمة للهوية الشخصية، هوية لم تُعلن “موت المسافة” وحسب، بل أقصت فكرة التهميش بذاتها. 
فالعدد الهائل من قنوات الاتصال المُتاحة في عالَمنا الحديث وسّعت العالَم من حولنا، ووسعت من بنياتنا الاجتماعية، وشكَّلت بُنى تحتية كاملة ومستقلة، سمحت بتشبيك العلاقات على أسس التحشيد وإدماج قوّة الناس ببعضها، وخصوصاً المهمّشين منهم أو الذين يحيون في بيئاتٍ محدّدة (أحزمة بؤس، وطبقات اجتماعية محدّدة، ومهاجرون، ولاجئون..). كما رفعت هذه الأدوات من سرعة التغيير، وسمحت ببروز منصّات للتعبئة والتعبير وإبداء الرأي بحرّية، وأعطت لكلّ شخص منبراً لصوته وأفكاره. 
ومع ترحّل الحاسوب التدريجي نحو الهاتف، بدأنا كلّنا نتهافت على المحمول، الجهاز الرشيق، الذكي، حافظ الأسرار، الذي كرّس رؤية مختلفة للتواصل الشخصي، مدعوماً بكلّ تلك المنصّات والتطبيقات المُتاحة، وما توفّره من خصائص مميّزة مثل التسجيل الصوتي والمكالمات المرئية والتصوير الفوتوغرافي والمراسلات النصّية، التي أتاحت لنا الانخراط في بيئاتٍ تشاركية ومخاطبات تفاعلية، وأعطت زخماً وقوّة للأفراد والجماعات، على المستوى الاجتماعي والسياسي. و”انتقلت مظاهر الحشود من التشبيك المبني على الموقع-الجماعة، إلى تشبيك مبني على الإنترنت”، بحسب المُنظّر الاجتماعي بيري ويليام. 
ويرى مختصّون أنّ هذه المنصّات هي نوعٌ من الانبعاث أو الانعكاس لليبرالية الجديدة للاقتصاد السياسي المعاصر للولايات المتحدة الأمريكية، ودمجت فضاءاتنا الداخلية بالخارج. لكنها في الواقع أدوات أنتجت ما يسمّى “الديمقراطية الرقمية” التي تُقوّي العمل الجَمعَوي عبر خفض التكلفة المادية والزمنية، وهذه الرقمية الجديدة مرتبطة رمزياً بالمجال العام لدى الفيلسوف الاجتماعي يورغن هابرماس، والمجال الاجتماعي برأيه ميدان مستقل عن الحكومات، مخصّص للنقاش العقلاني، سهل الولوج ومفتوحُ أمام الجميع.


مقالات ذات صلة

منذ أن راح الإنسان يسبغ دلالات رمزية على عناصر الطبيعة وعالَم الحيوان والنبات، حظي الهدهد بما لم ينله أي طائر آخر من الاهتمام.فبالتاج الذي يعلو رأسه وقامته الممشوقة وألوان ريشه، يأسر الهدهد الأنظار. وإذا أضفنا إلى ذلك بعض طباعه وسلوكياته لأمكننا، ربما، تفسير المكانة المتفردة التي يحتلها في مملكة الطير.إنه طائر برّي، يعيش منفرداً، ويهاجر […]

“البورتريه” كلمة آتية من الفرنسية، عبرت اللغات.في الأصل، كانت هذه المفردة تعني عملاً فنياً يمثل هيئة شخص معيَّن. وللدلالة على اتساع العالم الذي يضمه فن البورتريه، يمكن لهذا الشخص أن يكون شاعراً إغريقياً، أو ملكاً من القرون الوسطى، أو كاتباً أو ممثلة سينمائية من القرن العشرين، وما بين كل هؤلاء يمكننا أن نجد أباطرة الصين […]

تختلف طُرز العمارة وتتبدَّل بتبدّل الأزمان. وتتطوَّر أنماط العيش في البيت بتطوّر العالم، ولكن قيمة البيت تبقى راسخة لا تتبدَّل.وبفعل الأُلفة الشديدة بيننا وبين بيوتنا، صرنا نَعُدُّ وجودها تحصيل حاصل وأمراً مسلَّماً به. فهي دائماً هناك بانتظارنا عندما نحتاج العودة إليها. حتى إن الحياة الحديثة كادت أن تُلهينا عن بعض ما في بيوتنا من قيمة، […]


0 تعليقات على “الهامش”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *