مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2021

اللغة العربية والتنمية الرقمية


د. صالح غيلوس
رئيس مشروع اللسانيات في جامعة محمد بوضياف - المسيلة بالجزائر

اللغة العربية لغة عالمية بعدد الناطقين بها، وعدد المحتاجين لها من غير العرب، يتعلَّمُونها لأسباب متعدِّدة كالسياسة، والأمن، والاستثمار في التجارة والاقتصاد، وهذا ما أعطاها مكانة مرموقة ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتحتل حالياً مرتبة لا بأس بها على محركات البحث العالمية. واعتبرها المختصون ضمن اللغات الخمسين الأكثر بروزاً في الترجمة. غير أن هذا الاعتراف لا يغنيها عن التكيُّف والتأقلم مع العولمة بمظاهرها وأدواتها ورفع التحديات التي تواجهها في عقر دارها، ففي حاضرها ليست هي لغة التخاطب اليومي في أيّ بلد من البلدان العربية، بل هناك ازدواج يفرّق بين اللّغة الفصحى والعاميّة لغة التداول اليومي.

بيد أنَّ المتتبع لصيرورة اللغة العربية يجدها تسير بخطى متثاقلة، لتصبح إحدى لغات الثّقافة العالمية الأكثر تنافسية على مستوى منصَّات الشابكة الإلكترونية، نظراً لغياب نظرة فاحصة تنمّ عن بحث عميق وجريء حول جدل اللّغة العربية والعولمة، تفضي إلى مشاركة فعّالة وإيجابية في النهضة البشرية، باعتبارها نسقاً رمزياً دلالياً وفكرياً ونفسياً واجتماعياً وتواصلياً، يتميَّز بالتعدُّد والتباين، ويحافظ على عصب الانصهار الاجتماعي والتجانس القومي. لذلك وجب اتخاذ سياسة رشيدة تخضع فيها السياسة اللغوية إلى مشروع قومي حضاري، يلتزم به ذوو الشأن السياسي والفاعلون المؤثرون. 

فمستقبل اللغة العربية مسألة تهمُّ الجميع، ولا يأتي الغد المشرق لغوياً إلَّا عبر التحكم في مقومات الرقمنة. فهذه الأخيرة كفيلة بالمحافظة عليها وعلى الخصوصية الثقافية في “عالم متعدِّد”. لغةٌ تُبدِع وتُسوَّق، قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء. إنّ ما يحسب للغة العربية قابليتها للاستخدام في الأنظمة الرقمية، إلى جانب ثرائها المعجمي ومرونتها الصرفية والنحوية والأسلوبية، وقدرة نظامها الكتابي على تمثيل نظامها الصوتي بكفاءة لا تضاهى، وطواعيتها لاقتراض الألفاظ الأجنبية.

ومن أبرز الجهود المبذولة حالياً في مجال رقمنة اللغة العربية والمحتوى العربي، نذكر ما يأتي:

مشروع الذخيرة العربية: مدوَّنة كبيرة تشمل كل ما دُوِّن باللغة العربية في شتى المجالات (قديماً وحديثاً). مشروع أشرف على تأسيسه الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الحاج صالح. هذا المشروع هو بنك آلي من النصوص القديمة والحديثة (من الجاهلية إلى وقتنا الحاضر). وأهم ما يتصف به سهولة حصول الباحث على ما يريد بسرعة، وشمولية المعلومات التي يمكن أن يحصل عليها المشترك. ففي البداية، قُسِّمت أعمال رقمنة المعلومات على الدول العربية وفق الميادين (الطب، الرياضيات، علم الفلك، علوم الأرض…)، كما وقُسمت منهجياً في المرحلة الثانية إلى مجموعات مُرتبة لألفاظ الذخيرة، وفي مرحلة ثالثة إلى معجم موسوعي لغوي يخصص لكل لفظة دراسة علمية مستفيضة، وقسمٌ آخر للمجموعات المرتبة ووضعها في جذاذات آلية، كل واحدة منها وفق ترتيب معين، ومنها:

  • المعجم التاريخي للغة العربية.
  • معاجم خاصة بأسماء الأعلام والأماكن وغيرها.
  • معاجم فنية في كل الميادين.
  • معاجم أساسية ووظيفية لتعليم اللغة العربية.
  • معاجم ألفاظ الحضارة قديماً وحديثاً.
  • معاجم اللغة للطفل العربي.

مشاريع الرقمنة العربية: هو مشروع لرقمنة المعجم العربي في إطار مشروع خاص بالفهم الأوتوماتيكي للنصوص المكتوبة، ويهدف إلى وضع قاعدة بيانات معجمية سهلة التداول.

• اللجنة الاقتصادية لمنطقة غرب آسيا Ecwa: هي مجموعة عمل لبحث تطوير قاعدة بيانات المعجم العربي، ولجنة شؤون الحاسوب في المجمع اللغوي بالقاهرة.

جهود معهد اللسانيات بالمغرب: الغرض منه إنشاء قائمة مصطلحات عربية على الشابكة، بالشراكة مع مركز اللسانيات الحاسوبية وعلوم الاتصال المطبقة على العربية بجامعة ليون بفرنسا. حيث تم إصدار المعجم الإلكتروني للمعاني العربية.

مبادرة سفراء التعريب العربي: شملت عشر دول سعت إلى تبني مشاريع فعلية لإثراء المحتوى الرقمي العربي، ومنها تعريب محتوى “تويتر”.

مبادرة المغردين العرب: تحت شعار “بالعربي أحلى” وبالشراكة مع شركتي غوغل وتويتر الأمريكيتين ومبدعين عرب، قاموا بتعريب وترجمة محتويات هادفة من موسوعة ويكيبيديا، وعدد من مواقع الإنترنت، حيث تم تعريب ما لا يقل عن مليون كلمة، وكذا تعريب لعبة سباق السيارات “جي تي راسينغ 2” بالكامل مع السعي الحثيث لترجمة ألعاب أخرى.

وحقيقة الأمر أن المحتوى الرقمي العربي منتشر وبشكل إيجابي واضح في صناعات التطبيقات الذكية والاستخدامات الحاسوبية ومنصات الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى التعامل الأعمق مع اللهجات ضمن مراكز الاتصالات، وكذلك في مجال الترجمة المتبادلة بين العربية واللغات الأخرى الحية من خلال منصات وبوابات تشمل التطبيقات التي تعالج وتخزِّن وتعرض معلومات باللغة العربية، سواء أكانت معلومات مقروءة أو مسموعة، بالإضافة إلى المحتوى السمعي والفيديو والبرمجيات، وبرامج معالجة اللغة العربية. وبالرغم من الجهود المبذولة التي تُعزز مكانة اللغة العربية على المستوى الدولي والعربي للبرهنة على مقدرتها العلمية على احتواء المصطلحات الجديدة لمجاراة التطوُّر في مجال الرقمنة؛ وجَبَ أن نُقرَّ بوجود فجوة عميقة في هذا المجال، يمكن أن تُسدّ. وإذا صدقت النيات وتضافرت الجهود العربية، من تبني سياسة لغوية حكيمة، والتسلح بالإرادة واستقلالية صناعة القرار، والمرافقة الإدارية الرشيدة، فإن مشروع رقمنة اللغة العربية النهضوي، سيتحقق لا محالة عاجلاً أم آجلاً.


مقالات ذات صلة

كان “الشرق” بالنسبة لأوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تلك الرقعة الجغرافية الممتدة جهة الشرق والجنوب ناحية البحر الأبيض المتوسط، أي بلاد العرب والأتراك بشكل رئيس. وتعود هذه الصورة بأصولها إلى الماضي ما قبل الإسلامي عندما نظرت الحضارتان الإغريقية والرومانية إلى بلاد الشام والأناضول ومصر على أنها بلاد الشرق (Oriens). ولكن هذه الصورة لم تكن واضحة تماماً في أذهان المعلقين الكلاسيكيين والبيزنطيين، حيث كانت لمفهوم الشرق معانٍ مختلفة، وكانت حدوده دائمة التغيُّر حول حوض البحر الأبيض المتوسط تبعاً لتغير حدود الإمبراطورية، وانضمام الشعوب الساميّة إلى الحركات الحضارية الفاعلة: الهلينستية، الرومانية، والبيزنطية.

السينما ليست أداة ترفيه فقط وإنما هي مسؤولة عن الحفاظ على ذاكرة شعب جنباً إلى جنب مع الكتاب.فعندما يستعرض كاتب تاريخ أرضه، فإنما يحاول الحفاظ على ذاكرة الأرض وبالتالي على ذاكرة الشعب. وأتت السينما لتوثق ذلك عن طريق الصورة والصوت، وتغرس في كل فلم جزءاً من ذاكرة المكان أو الزمان في سياق السرد العام.
لذا، تنبع أهمية السينما السعودية ليس فقط من مناقشة العادات والتقاليد وتعريف العالم بالمملكة وأهلها، وإنما أيضاً من المحافظة على ذاكرة الشعب السعودي من خلال أفلام اجتماعية أو سياسية أو تراثية أو حتى غنائية أو خيالية.

“ليس هناك مواد لا يمكن الاستفادة منها، فأنا لا أتخلص من أية نفايات، وأجمع كل حجر أو معدن أو قطعة بلاستيكية أصادفها في طريقي، وأعكف على تحويلها إلى قطعة فنية فريدة”. ربما كانت هذه العبارات التي تمثّل منطلقات للفنان السعودي صدّيق واصل، وكرّرها مراراً في لقائه مع القافلة، السبب وراء التكريم المستحق الذي حازه أخيراً ضمن فعاليات أسبوع البيئة، الذي نظمته وزارة البيئة والمياه والزراعة، تحت شعار “البيئة لنا ولأجيالنا”، ومنحته في ختامه درعاً تكريمية نظير أعماله التي أسهمت طيلة 35 عاماً من العطاء الفنيّ، في إبراز أهمية تدوير المخلفات والحفاظ على البيئة.


0 تعليقات على “اللغة العربية والتنمية الرقمية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *