مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر 2023

الملف

القياس


الذكاء الاصطناعي وعبود عطية

إنه الجواب عن أي سؤال يبدأ بـ “كم؟”.

هو كالهواء الحاضر دائمًا من حولنا حتى الالتصاق بنا، ننساه أو نتناساه، أو نتجاهله، رغم أنه وراء تشكيل كل ما أنتجه وسينتجه الإنسان، من الملابس التي على أجسامنا، إلى أبعد الأقمار الاصطناعية عن كوكبنا.

إنه القياس، هذا الفعل الذي لا بدَّ منه، ليس فقط لضمان سلامة إنتاج أي شيء، بل أيضًا لتطوير المعارف والعلوم وإدراكنا لحقيقة العالم بمعظم ما فيه من تفاصيل صغيرة.

ملليمتر أو كيلومتر، كيلوغرام أو طن، ساعة أو عشرة أيام، ميغا أو غيغا… مقاسات مختلفة الدلالات تتردد على ألسنتنا كل يوم، وببساطةٍ تلهينا عن التفكير بمدى أهميتها، رغم أنها هي التي تتحكم في قراراتنا، كل قراراتنا تقريبًا.

ولأن القياس من أعرق الابتكارات الإنسانية، ولا يزال يتطور بتطور المعارف والعلوم، كان لا بدَّ من أن يتجلى، هو وأدواته فيما لا يحصى من مجالات الحياة، تارة بمعناه الحرفي، وتارة بدلالاته الرمزية.

في هذا الملف، يتناول عبود طلعت عطية، وبمشاركة محدودة من الذكاء الاصطناعي، عالم القياس من تاريخه إلى أحدث ما طرأ عليه من تطوُّر، وحضوره الوازن حضاريًا وثقافيًا.

بداية، طلبنا إلى الذكاء الاصطناعي أن يكتب تمهيدًا لهذا الملف يتضمن نبذة عن القياس، فأجاب بالنص الآتي:

“القياس هو مسار التعريف بواسطة الأرقام أو الرموز لكميات فيزيائية أو خصائص أشياء وأحداث، وفق قوانين معيارية. والقياس ضروري لوصف الطبيعة وعالم المجتمعات ومقارنته وفهمه. كما أن المقاييس هي أساسية للبحث العلمي والتطوُّر التكنولوجي والاقتصاد والتنمية.

ومع ذلك، فإن أدوات القياس ليست دائمًا مباشرة ولا بسيطة. فأنظمة القياس المختلفة موجودة لغايات وأطر مختلفة. وعلى سبيل المثال، في حين أن النظام المتري مُعتمَد على نطاق واسع في العلوم والهندسة، فإن النظام الإمبراطوري لا يزال شائعًا في بعض البلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. وأكثر من ذلك، فإن دقة القياس تختلف باختلاف أدوات القياس. فالمسطرة الصلبة أدق من المسطرة الطرية، ولكن جهاز الليزر أدق من المسطرة الصلبة.

لذا، من المهم أن نعرف مبادئ القياس وأدواته واستخداماته. وسيستكشف هذا الملف تاريخ القياسات وتطورها وتطبيقاتها وأدواتها في بعض المجالات”.

أداة قياس تعود إلى مصر القديمة.

يرجِّح علماء الأنثروبولوجيا أن ظهور القياس وأدواته يعود إلى بداية التجارة، وذلك تحت ضغط الحـاجة إلى تقدير قيمة الأشياء بدقة. ولكن بعض العلماء يردُّ القياس إلى بدايات العصر الزراعي في الألف الثامن قبل الميلاد. إذ إن الزراعة تفترض وجود مسافات محددة ما بين البذور أو الشتلات كي تنمو وتصح. ولربما كان ذلك أول أشكال القياس شبه الدقيقة التي اعتمدها الإنسان، ولكن من دون أي نظام دقيق طبعًا، بل كان أقرب إلى القياس الفطري الذي اعتمده الإنسان القديم في الصيد ما بين العصر الحجري القديم والألف العاشر قبل الميلاد، حين كان يجب عليه تقدير المسافات ما بينه وبين الطرائد. ورغم كل التطور الحضاري الذي حصل خلال آلاف السنين، فإن آثار تلك الأشكال البدائية في قياس المسافات لا تزال حية على ألسنتنا. ألسنا نحن مَن يقول: “على مرمى حجر”؟
المؤكد أن قياس الأوزان والمسافات تلقّى دفعًا كبيرًا وتطورًا هائلًا مع نشوء التجارة المحلية والدولية في الحضارات القديمة وما بينها. فظهرت في الألف الرابع والثالث قبل الميلاد أولى أنظمة القياس في بلاد ما بين النهرين ووادي السند ومصر. ومنذ ذلك التاريخ الغابر حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، كان لكل مجتمع نظامه الخاص للقياس ووحداته المختلفة حتى عن أقرب البيئات إليه. ومعظم وحدات القياس القديمة كانت مستمدة من أبعاد جسم الإنسان، مثل: الإصبع والشبر والباع والقامة والذراع والقدم… ولذا كانت هذه المقاييس تختلف ولو بشكل طفيف من بيئة إلى أخرى، وحتى من شخص إلى آخر.

ظهور النظام المتري

في القرن الثامن عشر الميلادي، كانت التجارة الدولية قد بلغت، حجمًا ونشاطًا، مستوًى غير مسبوق في ضخامته. وباتت الحاجة ملحة إلى توحيد المقاييس وأدواتها. وفي باريس، اقترح أحد قادة الثورة وهو “تاليران” على الجمعية الوطنية الفرنسية وضع نظام جديد وموحَّد للمقاييس. فشكلت أكاديمية العلوم عام 1791م لجنة لتولي هذه المهمة. وفي عام 1799م، توصلت اللجنة إلى تحديد طول قياسي أسمته “المتر”، وتمثَّل بقضيب من معدن البلاتين في درجة حرارة مئوية تبلغ صفرًا، وقطعة قياسية من البلاتين لتكون “الكيلوغرام”.

وتوسَّع النظام المتري، الذي هو نظام للقياس العشري بالاعتماد على ثوابت فيزيائية مستمدة من الطبيعة، بحيث بات يتضمن سبع وحدات للقياس هي: المتر للطول، والكيلوغرام للكتلة، والثانية للزمن، والأمبير لشدة التيار الكهربائي، والكلفن لدرجة الحرارة، والشمعة لشدة الضوء، والمول لمقدار المادة.

وعلى المنوال نفسه، ضُبِط اللتر كوحدة إضافية لقياس الحجم. وهو من وحدات القياس القديمة، وكان يساوي أقل بقليل مما يساويه حاليًا، فأصبح عبارة عن كيلوغرام من الماء في درجة حرارة تبلغ 4 درجات مئوية، لأن الماء يكون مكثفًا حتى أقصى حد عند هذه الحرارة.

وبتطور العلوم في القرنين التاليين، ظهرت وحدات قياس مركَّبة من اثنتين أو ثلاث من الوحدات الأساسية، مثل: متر/ثانية للسرعة، أو متر/ثانية مربعة للتسارع، أو كيلوغرام/متر مكعب للكثافة.

ونظرًا لدقة المقاييس في هذا النظام، وسهولة احتساب مضاعفاتها وكسورها، أصبح لاحقًا النظام المعمول به في معظم دول العالم، ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة الصناعية الوحيدة في العالم التي لا تزال تعتمد نظام القياس الإنجليزي القديم المعروف باسم “النظام الإمبراطوري”، علمًا أن بريطانيا نفسها تتحوّل تدريجيًا إلى النظام المتري، مع استخدام محدود للنظام القديم على المستوى الرسمي والشعبي.

نظام القياس الإمبراطوري

يُعرف هذا النظام أيضًا باسم النظام الإنجليزي للوحدات، الذي ضُبط رسميًا في عام 1824م، وجرى تنقيحه أكثر من مرة لاحقًا.

وقد شاع استخدام هذا النظام في المستعمرات البريطانية والبلدان الأنجلوسكسونية حتى أواسط القرن العشرين، عندما راحت كل المستعمرات تتحرر وتتبنى النظام المتري.

يعتمد هذا النظام وحدات بعضها مستمد من مقاييس جسم الإنسان ومضاعفاتها، مثل القدم التي تساوي 12 إنشًا، والذراع (الياردة) التي تساوي 3 أقدام، والسلسلة التي تساوي 22 ياردة، والميل الذي يساوي 80 سلسلة، والليغ الذي يساوي 3 أميال.

الأونصة والقيراط خارج النظامين

ومن بين وحدات القياس المستقلة عن النظامين المتري والإمبراطوري، نذكر الأونصة التي هي من أقدم وحدات القياس التي لا تزال تحمل الاسم نفسه اليوم. ومن المعروف أن هناك نوعين أساسين من الأونصات: الأونصة المعتمدة في النظام الإمبراطوري المسماة “أونصة الأوزان الدولية” وتعادل 28.3495231 غرام، والأونصة المعتمدة في وزن الذهب والمسماة “أونصة تروي” وتعادل 31.1034768 غرام. ولكن ما لا يعرفه كثيرون أن الأونصة الهولندية تعادل 100 غرام، والإسبانية 28.75 غرام والصينية 50 غرامًا.

أمَّا القيراط، الذي يعود اسمه إلى بذرة الخَرُّوب التي كانت قديمًا مستخدمة كوحدة قياس، فقد ثُبِّت بما يعادل 0.2 غرام. وقد أُخضع القيراط الذي يُستخدم في قياس الأشياء الثمينة جدًا مثل الألماس والأحجار الكريمة، للتجزئة وفق النظام المتري إلى مائة جزء، ولكن هذه الأجزاء لا تزال حتى اليوم من دون أسماء محددة، أي إنه لا يوجد ملليقيراط، ولا سنتيقيراط.

أهمية العددين 10 و60 في القياسات العلمية

نسأل الذكاء الاصطناعي عن مدى أهمية العدد 60 من بين كل الأعداد في التطبيقات العلمية، فيجيب:

“العدد 60 هو أساس نظام العد الستين. وضعه السومريون في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وأخذه عنهم البابليون في وقت لاحق. ولهذا النظام عدد من الأفضليات على النظام العشري الذي نستخدمه اليوم. إذ يتولد عنه كسور أقل، ويمكن تحليله (قابليته للقسمة) إلى 12 عددًا وهي: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 10، 12، 15، 20، 30، 60.

استُخدِم النظام الستيني لقياس الوقت والزوايا والإحداثيات الجغرافية. وعلى سبيل المثال، فإننا لا نزال نقسِّم اليوم إلى 24 ساعة، وكل ساعة إلى 60 دقيقة، وكل دقيقة إلى 60 ثانية. كما نقسم الدائرة إلى 360 درجة، وكل درجة إلى 60 دقيقة، وكل دقيقة إلى 60 ثانية. وهذه التقسيمات هي ملائمة عند إجراء الحسابات لخلوِّها من الكسور.

وكان نظام العد الستيني مفيدًا لعلم الفلك؛ إذ سمح للعلماء القدامى برسم خريطة السماء، ومتابعة مسارات الأجرام السماوية.

واختار البابليون العدد 360 لدرجات الدائرة، وذلك لقربه من عدد أيام السنة، وبالتالي لحركة الشمس الظاهرية في مدارها. وقسموا مسار الشمس إلى 12 برجًا، يغطي كل واحد منها 30 درجة. وقد ساعدهم نظام العد هذا في إجراء حسابات رياضية مكَّنتهم من توقع كسوف الشمس، وتحديد مواقع الكواكب وبعض الظواهر الفلكية الأخرى.

وقد كان للنظام الستيني أثره الواضح على العلوم والثقافات عبر التاريخ. فقد استخدمه الإغريق والرومان والعرب والصينيون والهنود والأوروبيون في حقول مختلفة مثل: الرياضيات وعلم الفلك والتنجيم والإبحار والموسيقى ووضع التقاويم. ولا يزال مستخدمًا اليوم في مجالات متخصصة مثل قياس الوقت ووضع الإحداثيات الجغرافية”.

وماذا عن أهمية العدد 10 من بين كل الأعداد؟ يُجيب الذكاء الاصطناعي:

“إن أهمية العدد عشرة والنظام العشري مرتبطة بتاريخ الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا وتطورها. فالعدد عشرة الذي هو عدد أصابع اليدين عندنا، هو أيضًا أساس النظام العشري. وهذا ما يسهل علينا العدَّ وإجراء العمليات الحسابية بشكل طبيعي. ويستخدم النظام العشري 10 رموز (0، 1، 2، … 9) لتمثيل أي عدد، وتتضاعف قيمة كل رقم ضمن العدد عشر مرات وفق موقعه من الرقم السابق له.

ويُستخدم النظام العشري على نطاق واسع للقياسات في العلوم والتكنولوجيا والنقد والكمبيوتر والاتصالات. ويسمح لنا بالتعبير عن حقيقة أي كمية بدقة، من خلال استخدام الكسر أو الأعشار. فعل سبيل المثال يمكننا أن نقيس طول شيء بالأمتار، أو السنتيمترات أو الملليمترات، أو أن نعبِّر عنه من خلال “المتر فاصلة كذا” فقط. كما يمكننا أن نحوِّل المقاييس بسهولة من خلال ضربها بعشرة. فللتحويل من الكيلومتر إلى المتر يكفي أن نضرب بعشرة ثلاث مرات.

ويمتاز النظام العشري عن النظام الستيني، بأنه يتوافق مع النظام الثنائي (وقاعدته 2)، والنظام الستة عشري (وقاعدته 16)، المستخدَمَين في الكمبيوتر والبرمجة. فالنظام الثنائي يستخدم الرقمين 0 و1 فقط لتمثيل أي رقم، والنظام الستة عشري يستخدم الأرقام من 0 إلى 9 والأحرف الستة الأولى من الأبجدية لتمثيل أي رقم”.

المبنى السابق لمكتب الأوزان والمقاييس في مدينة لندن.

المليار لم يعد كثيرًا ولا النانو صغيرًا

عند وضع النظام المتري في عام 1795م، لم يجد العلماء معطيات تدفعهم إلى التفكير بمضاعفات “الواحد” التي تتجاوز ثلاثة أصفار تكبيرًا وتصغيرًا (تُسمى سوابق). وهكذا تبنوا ستة فقط: الواحد، والعشرة (الديكا)، والمائة (الهكتو)، والألف (الكيلو)؛ ومن الأجزاء: العُشر (الديسي)، والجزء من المائة (السنتي)، والجزء من الألف (المللي).

الذين هم اليوم في الستينيات والسبعينيات من أعمارهم، يذكرون جيدًا، أن أكبر المقاسات التي سمعوا بها في طفولتهم هو المليون، ومن سمع بالمليار تعامل معه وكأنه شيء ينتمي إلى عالم الشِعر والخيال. أمَّا المللي فقد كان أصغر مقياس في العالم! ثم أطلَّ التريليون عبر وسائل الإعلام، وغالبًا ما كان ذلك من خلال الحديث عن اقتصادات الدول الغنية. وبعد التريليون أطلَّ قبل نحو عقدين من الزمن “النانو” الذي استفزَّ الخيال بصغره البالغ واحدًا على مليار من المتر، أي واحد على مليون من الميللي.

فتطوُّر العلوم والاكتشافات والنمو المطَّرد لكافة أوجه الحياة (بما فيها الاقتصادات)، راح يزجُّ في لغة العامة بأرقام ومقاسات غير معهودة سابقًا. فالفيزياء النووية راحت تغور في عالم في منتهى الصغر، وتضع مقاسات هي أقرب إلى أن تكون نظرية غير قابلة للضبط بواسطة أي أداة. والفيزياء الفلكية ذهبت في الاتجاه المعاكس لتضخِّم المقاسات المتبناة رسميًا من قبل “المؤتمر العام للأوزان والمقاييس”.

ففي عام 1960م، عندما تبنّى هذا المؤتمر “الميكرو” و “النانو”، تبنى في الوقت نفسه “البيكو” الذي هو جزء من تريليون. وبعد أربع سنوات عاد ليتبنى وحدتين أصغر هما “الفيمتو” (جزء من كدريليون)، و “الأتو” (جزء من كوينتيليون).

وفي عام 1991م، تبنى المؤتمر وحدتي قياس أصغر من ذلك (بما لا يقاس!) هما “الزيبتو” (جزء من سكستيليون)، و “اليوكتو” (جزء من سبتيليون). وفي الاتجاه المعاكس، أي تضخم المقاييس ووحداتها، استمر المؤتمر في تبني وحدات أكبر وأكبر حتى عام 1991م، عندما أقر تسمية “يوتا” كسابقة للسبتيليون الذي يُكتب على شكل واحد و24 صفرًا. أي أن اليوتامتر يساوي مليون مليار مليار متر، أو ألف مليار مليار كيلومتر. (تكرار كلمة مليار ليس خطأ).

والإشكالات لا تزال قائمة 

بعد أكثر من قرنين من الجهود لتوحيد وحدات القياس، يبقى لألسنة العامة أنظمتها الخاصة بالقياس التي لا تعترف لا بالمتري ولا بالإمبراطوري. فكما كان الجغرافيون والمؤرخون القدامى مثل ياقوت الحموي والطبري يقيسون المسافات الجغرافية بين المدن بعدد الليالي التي يمضيها المسافر ما بينها، كثيرون منا ما زالوا يعبِّرون اليوم عن المسافة بوحدات الوقت بدل الكيلومترات، مثل القول إن الدمّام تبعد عن الرياض 4 ساعات بالسيارة، أو تبعد عن نيودلهي ثلاث ساعات ونصف ساعة بالطائرة.

صورة متخيلة لياقوت الحموي، الذي كان يقدر المسافات في أسفاره بعدد الليالي.

وإضافة إلى ذلك، لا تزال وحدات قياس قديمة حية حتى اليوم، ولكل منها قيمته الخاصة في كل بيئة على حدة. فالرطل، الذي يشير في القاموس إلى وحدة الوزن الإمبراطورية “الباوند” التي تعادل 453 غرامًا، لا يزال مستخدمًا في الأرياف الشامية حيث يعادل 2500 غرام، أما في مصر فيعادل 449.28 غرام. والقنطار الذي جرى تثبيت معناه في عام 1800م، بأنه 100 من أية وحدة أساسية مثل الرطل أو الكيلوغرام، فهو في مصر يساوي 99.05 كيلوغرام. وفي النظام الإمبراطوري يوجد قنطاران: القنطار القصير الذي يبلغ 100 باوند (ويُستخدم في الولايات المتحدة وكندا)، والقنطار الطويل الذي يساوي 112 باوندًا (ويُستخدم في المملكة المتحدة).

ونكتفي بهذا القدر من الغوص في تفاصيل أنظمة القياس؛ لأنها موجودة بكل تفاصيلها على شبكة الإنترنت حيث يمكن للراغب الاطلاع على كل ما يمكن أن يخطر بباله بشأنها.

عندما يتضارب نظامان للقياس النتيجة تكون كارثة

 في شهر مايو من عام 2014م، دَوَّت في فرنسا فضيحة صناعية شهيرة، وخلاصتها أن الشركة الوطنية للسكك الحديدية اكتشفت أن 2000 قطار جديد أوصت عليها واكتمل تصنيعها، هي أعرض من أن تتمكن من المرور بين منصات إنزال الركَّاب في بعض المحطات. وبعد جدل وأخذ ورد، تقرر توسيع المجال في هذه المحطات بكلفة بلغت أكثر من 40 مليون يورو.

والتلسكوب الفضائي “هابل”، الذي يُرسل اليوم صورًا رائعة للفضاء الخارجي، كاد يتحول برمته إلى خسارة فادحة، إذ إن الصور الأولى التي أرسلها إلى الأرض كانت غير واضحة ومشوشة إلى حدٍّ كبير، لأن مرآته كانت مفلطحة أكثر من اللازم. وتبين أن ذلك يعود إلى طبقة رقيقة جدًا من الطلاء كانت على إحدى أدوات قياس المرآة، فنتج عن ذلك خطأ في تصنيعها بمقدار 2.2 ميكرون، أي واحد على خمسين من قطر شعرة إنسان. ولحسن الحظ، تمكن العلماء في عام 1993م من تصحيح ذلك بواسطة تعديل جهاز استقبال الصور على الأرض بشكل يمكنه من التعامل مع المرآة على التلسكوب على أنها هي الصحيحة.

الأخطاء في أخذ القياسات محتملة وفي كل المجالات، ولكل منها ثمنه. ولكن أخطرها على الإطلاق هي تلك التي تنجم عن الخلط بين أنظمة القياس المختلفة. ونجد على شبكة الإنترنت عدة أمثلة على ذلك.

تيلسكوب جيمس ويب، الذي قدم صورًا عالية الدقة للفضاء.

ففي عام 1999م، تحطمت طائرة شحن تابعة للخطوط الجوية الكورية الجنوبية كانت في رحلة من شنغهاي إلى سيول، بسبب سوء تفاهم ما بين برج المراقبة والطيَّار حول مقدار ارتفاع الطائرة. فالبرج استخدم الأمتار، في حين أن الطيَّار تعامل مع الرقم نفسه على أنه بالأقدام؛ ما أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص، وإصابة عشرات بجروح على الأرض.

وفي العام نفسه تحطمت عربة فضائية كانت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” قد أرسلتها إلى المريخ، وهي تدخل الغلاف الجوي للكوكب. وتبين لاحقًا أن السبب في خسارة هذه العربة التي كلّفت 125 مليون دولار، هو خلل في التصنيع يعود إلى أن أحد الفريقين اللذين توليا تصنيعها اعتمد النظام المتري في إجراء الحسابات، في حين اعتمد الآخر النظام الإمبراطوري في جانب ما من جوانب هذه العربة.

وفي عام 1983م، نفد الوقود على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الكندية في منتصف رحلتها الجوية. وكانت تلك الرحلة هي الأولى لطائرة كندية بعد التحوُّل من النظام الإمبراطوري إلى النظام المتري. فعند تعبئة الطائرة بالوقود، دلَّت أجهزة القياس إلى رقم محدد بالباوند، واعتقد الطيَّار أن الرقم هو باللتر، أي أنه انطلق في رحلته وهو مزوَّد بنصف كمية الوقود اللازمة. ولكنه تمكن من الهبوط بالطائرة بسلام بسبب مهارته في الطيران الشراعي.

وعندما عثر علماء الآثار على هيكل السفينة الحربية “فازا” التي غرقت عند أول إبحار لها في القرن السابع عشر الميلادي، تبين أن هناك اختلافات كبيرة ما بين جانبيها الأيمن والأيسر. وفي التدقيق، تبين لهم أن فريقًا من صانعيها استخدم نظام المقاييس الهولندي، والفريق الآخر استخدم المسطرة السويدية.

أمَّا أشهر الأمثلة على الأخطاء التاريخية الناجمة عن الخلط بين نظامين للقياس، فنجده عند كريستوف كولومبوس الذي اعتقد أن الميل العربي هو نفسه الميل الروماني الأصغر بكثير. وعندما استخدم هذا الأخير لإجراء حساباته حول محيط الأرض، كانت النتيجة أن بلغ قطر الأرض عنده %25 فقط من القطر الحقيقي. ولهذا تململ بحَّارته من الطول غير المتوقع للرحلة وفكَّروا في أن يقتلوه، ولهذا أيضًا وصل إلى الباهاماس بدلًا من الهند.

أدوات القياس

المسطرة، الساعة.. الانزياح الأحمر

الميزان وحده ابتُكر لدواعٍ أخلاقية

من أداة القياس الأولى التي ابتكرها الإنسان القديم، والتي نتخيلها وعاءً من الخشب متفقًا على حجم محتواه بين سكان أهل القرية لكيل الحبوب، إلى أجهزة قياس المسافات بواسطة الليزر، لم تتوقف أدوات القياس عن التطور، مستفيدة من تطور المعارف العلمية، ولتغذي بدورها هذه المعارف.

أدوات القياس تطورت مع ُّ تطور العلم، كما أسهمت ُّ بدورها في تطوره. وقد صار ٌ كثير منها اليوم يعتمد على التقنية الرقمية.

فلو أخذنا الميزان مثلًا، لوجدنا على صفحات “ويكيبيديا” طرزًا عديدة من الموازين بدءًا بالميزان ذي الكفتين الذي كان مستخدمًا في مصر في أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، ووصولًا إلى الموازين الإلكترونية التي راجت تجاريًا منذ أواسط القرن الماضي. وما بين ذاك وهذا، هناك الميزان القباني الذي ابتكره الرومان، ومجموعة الموازين الميكانيكية التي ظهرت وتطورت في القرن الثامن عشر الميلادي وتشمل الميزان ذا الذراع، والميزان الزنبركي (النابض)، والميزان ذا المؤشر.

وينطبق الأمر نفسه على أدوات قياس الزمن: الساعات، التي تطورت من المزولة الشمسية إلى الساعة الرملية، فالساعة الميكانيكية، فساعة الكوارتز العاملة بالطاقة الكهربائية، وصولًا إلى الساعات الرقمية الرائجة اليوم، خاصةً في صفوف الشباب. وشهد جيلنا نفسه تطور أدوات قياس حرارة الجسم، من أنبوب زجاجي يعمل بواسطة الزئبق، إلى أنبوب يقيس مقدار الحرارة رقميًا، وصولًا إلى ما شهدناه في زمن الكورونا من أجهزة متطورة تستشعر حرارة الجسم عن بُعد.

وقد أدى تطور العلوم إلى استنباط أدوات قياس بعضها على تماسٍ ما مع الحياة اليومية للنــاس، وبعضها يبقى أسير المختبرات العلمية حيث يردّ الجميل إلى العلم الذي ابتكره، بتغذيته وتوسعة آفاقه.

البارومتر لقياس الضغط الجوي، والمغناطومتر لقياس القوة المغناطيسية، واللكسومتر لقياس قوة الإضاءة، والهيغرومتر لقياس الرطوبة… وصولًا إلى الانزياح الأحمر، الذي أصبح مقياسًا لتحديد أبعاد النجوم والمجرّات عنا، من خلال انزياح طيف الضوء الصادر عن كل منها من الأصفر إلى الأحمر إذا كان يبتعد عنا، أو إلى البنفسجي إذا كان يقترب من الأرض، وبقياسه يستطيع العلماء احتساب المسافات الكونية وحركة الأجرام السماوية.

وإن كانت كل أدوات القياس هذه تؤدي وظائف لا غنى عنها لمن يحتاجها، وبالتالي لا مجال لمقارنة أهمية الواحدة بالأخرى، فثمة ملاحظة تؤكد أن بعضها تغلغل في الحياة اليومية للناس أكثر من غيره، واكتسب دلالات ثقافية وحضارية أكثر. ولكن أيها؟

أهي الساعة التي تقيس الوقت ولا تفارق معصمنا، ونتطلع إليها عشرات المرَّات يوميًا لنقرر ما سنفعله لاحقًا، أم هي المسطرة التي قاست الأطوال المناسبة لكل ما هو حولنا من الملابس التي نرتديها إلى البيوت التي نسكنها، فكانت بذلك الصائغة الخفية للشكل الصحيح والمناسب في كل ما ينتجه الإنسان (باستثناء الزراعة)، أم هو الميزان؟

لكل علم قياسه

إضافة إلى معناه المستهدف في هذا الملف، والمقصود بذلك القياس الفيزيائي، تحمل مفردة القياس معاني مختلفة في علوم أخرى. نورد بعضها هنا مما وجدناه في معجم اللغة العربية المعاصرة:

قِياس

مفرد، وبالجمع: قياسات (لغير المصدر) وأقْيسة (لغير المصدر):

• مصدر قاسَ وقايسَ.

• ما يُقاس به “قياس الحرارة/ سُرعة”، بالقياس إلى كذا/ قياسًا على كذا: بالمقارنة به.

في الفقه: حَمْلُ فرْعٍ على أصل لعِلَّة مشتركة بينهما كالحُكم بتحريم شراب مُسْكر حَمْلًا على الخَمْر لاشتراكهما في عِلَّة التَّحريم وهو الإسكار.

في اللغة: ردُّ الشَّيء إلى نظيره وذلك بصياغة كلمات على أنماط كلمات أخرى موجودة “اعتمد النحاة على القياس في تقعيد قواعد النحو”.

• في علم النفس: عمل عقليٌّ يترتَّب عليه انتقال الذِّهن من الكليِّ إلى الجزئيِّ المندرج تحتـه، كمـا إذا انتقل الذِّهن من مفهوم أن زوايا كلِّ مثلث تساوي زاويتين قائمتين إلى أن زوايا هذا المثلث المرسوم أمامي الآن تساوي زاويتين قائمتين.

• قيَّاس صيغة مبالغة من قاسَ.

قياسيٌّ

 اسم منسوب إلى قِياس.

• أعلى درجة من الشيء “سجَّل اللاعبُ رَقْمًا قياسيًّا في الأهداف – وصلت المبيعات أرقامًا قياسيَّة”. غير قياسيٍّ: غير متوافق مع المبادئ، في وقتٍ قياسيٍّ: في مدَّة قصيرة أقلَّ مما يُتوقَّع.

• ما هو مُطابق لنموذج مُعيَّن من الأشياء المتماثلة “قِطـعٌ قيـاسيَّةٌ – مصدرٌ قياسيٌّ”، مواصفات قياسيَّة: معايير مُثْلى مُعتمَدة عالميًّا. الرَّقمُ القياسيُّ: هو في الرياضة الرَّقم الذي يتفوَّق به المتباري على من سبقه، وهو يُسجَّل باسمه إلى أن يتفوَّق غيره عليه.

قِياسيَّةٌ

• اسم مؤنَّث منسوب إلى قِياس: “مواصفاتٌ قياسيَّةٌ”.

• مصدر صناعيٌّ من قِياس: معياريَّة، إمكانيَّة دخول الشيء تحت القاعدة العامَّة المطَّردة “عناصر قابلة لقياسيّةٍ ما – قام بدراسة بعض الألفاظ من حيث صحَّتها ومدى قياسيَّتها”.

الميزان وأثر نشأته لدوافع أخلاقية

من بين كل أدوات القياس تغلغل الميزان في ثقافات الشعوب أكثر بمراحل من غيره. ويعود ذلك إلى أنه أداة القياس الوحيدة التي ابتكرها الإنسان لدوافعٍ أخلاقية. فقد ولِد من رحم التجارة، هذا الميدان الذي يتأرجح فيه النشاط بين النزاهة والخداع. فلكي تستقيم التجارة، على الميزان أولًا أن يكون هو نفسه سليمًا، ومن ثَمَّ يكون استخدامه كذلك. وبتساوي ارتفاع كفَّتيه في الميزان التقليدي يتحقق التوازن، الذي صار مرادفًا لقيمتي العدل والإنصاف والحياد. ولذا، لا غرو في أن يدخل اسم الميزان عالم اللغة للدلالة على مجموعة كبيرة من القيم المعنوية والأخلاقية، وأن يحضر في الفنون والآداب كأداة تقييم لكثير من الأمور، من دون استخدام وحداته القياسية المستخدمة في الفيزياء.

ففي عالم الكتاب، هناك من وضع “العقَّاد في الميزان” على غلاف كتابه، وآخر وضع “الديمقراطية في الميزان”… ومثل هذه المؤلفات غالبًا ما تكون من باب النقد والتقييم.

وفي عالم الأمثال الشعبية، يصرُّ الجميع على أن “درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج”، علمًا أن لا أحد يعرف المقدار الدقيق لوزن الدرهم ولا القنطار، بل يكفي أن الأول “قليل” والثاني “كثير”.

الميزان هو أداة القياس الوحيدة التي ابتكرها الإنسان لدواعٍ أخلاقية، ولذا اكتسب دلالات رمزية وتغلغل في الثقافات أكثر من غيره.

وفي عالم الشعر، وزَن الفرزدق رزانة أحلامه بالجبال: “أحلامنا تزن الجبال رزانةً…”. فضلًا عن أن كل الشعر العربي الكلاسيكي منظوم على البحور الشعرية وهي ذات أوزان محددة.

وفي اللغة، فإن المصادر المشتقة من الأفعال الرباعية والخماسية والسداسية تُصاغ على أوزان معلومة.

في الفن الغلبة للميزان ومن ثَمَّ للساعات

يمكن للحديث عن حضور أدوات القياس في الفن أن يبدأ من الآخر، من إحدى أشهر اللوحات المعاصرة ألا وهي لوحة الفنان السوريالي الإسباني سلفادور دالي “استمرارية الوقت”، التي رسمها في عام 1931م، والتي تُعتبر أقوى تمثيل لرؤية خاصة لقياس الوقت. رسم دالي لوحته هذه للسخرية من قياس الوقت بشكل “كرونومتري”. فعلى مقربة من أحد شواطئ كاتالونيا التي تظهر في لوحات عديدة أخرى لهذا الفنان، نرى في هذه اللوحة عددًا من الساعات التي تشبه قطع الجبنة الذائبة، ما يجعلها غير صالحة لقياس الوقت كما يراه الفنان وفق مفهومه الخاص لماهية الوقت والزمن. كما أن الضوء الذي يغمر اللوحة يبدو كضوء الفجر والغسق في الوقت نفسه. ولـ “دالي” نفسه مجسمات معدنية تظهر فيها الساعات بهذا الشكل المائع.

بالعودة إلى الماضي، يمكننا الجزم أن الساعات كانت من أكثر أدوات القياس حضورًا في تاريخ الفن منذ عصر النهضة حتى اليوم. واتخذ هذا الحضور بشكل عام طابعين: فإمَّا هو جزء من المشهد البصري ليس أكثر، مثل الساعات التي نراها على الجدران وساعات الجيب التي يُمسك بها الشخص المرسوم، وإمَّا ساعات رملية غالبًا ما تكون مضافة إلى المشهد للتحذير من عواقب الزمن، وللإشارة إلى الحياة الفانية.

ولكن منذ القرن السادس عشر الميلادي، عندما راحت تتشكل شريحة اجتماعية جديدة من العلماء الناجحين اجتماعيًا والمتمكنين ماليًا ليطلبوا إلى الفنانين أن يرسموا صورهم الشخصية، عمد هؤلاء الفنانون إلى رسم الأدوات العلمية ومعظمها من أدوات القياس التي يستخدمها هؤلاء، من باب توقير مهنتهم وللدلالة عليها. ومن الأمثلة على ذلك صورة عالم الفلك “نيكولاس كراتزر”، التي رسمها صديقه الفنان الهولندي “هانز هولباين الابن”، وهي لوحة تعج بأدوات القياس أكثر من أي لوحة أخرى. إذ نرى في هذه اللوحة الرجل يمسك بيده مزولة شمسية من الخشب متعددة الوُجيهات لم ينتهِ من صناعتها، وخلفه نرى قوسًا نجميًا كان يُستخدم لقياس الزوايا حتى 90 درجة، وأداة أخرى كانت تُسمى “مزولة الراعي” لقياس ارتفاع الشمس، وعلى الجدار أيضًا مجموعة كبيرة من المساطر المختلفة.

وبين عامي 1668م و1669م، رسم الفنان الهولندي “فيرمير” لوحتين: إحداهما تمثل “الجغرافي”، والثانية “الفلكي”. وللدلالة على مهنة كل منهما، وضع أمام الفلكي مجسمًا للكرة السماوية، في حين وضع في يد الجغرافي بيكارًا لقياس المسافات. وفي البحث عن هوية الشخص المرسوم لهاتين الوظيفتين، رجَّح الباحثون أن يكون الجغرافي أنتوني فان ليوينهوك الذي يظهر ممسكًا بالبيكار نفسه في لوحة رسمها يان فيركولجي بعد عشرين سنة من لوحتي فيرمير.

شغف العالم بالقياسات

موسوعة غينيس للأرقام القياسية

من جدل دار في عام 1951م بين رجلين خلال رحلة صيد حول أسرع طير يُستخدم للرماية، ظهرت فكرة إطلاق كتاب تحوَّل إلى أكثر الكتب مبيعًا في التاريخ المعاصر. فأحد هذين الرجلين هو رجل الأعمال البريطاني السير “هيو بيفر” الذي خطر له إعداد كتاب يتضمن الأرقام القياسية لأشياء مختلفة، لحسم النقاشات التي كانت كثيرًا ما تدور في الحانات والمقاهي والمدارس. وبالفعل، فقد كلَّف اثنين من العاملين لديه بإعداد هذا الكتاب، وتوثيق الأرقام المؤكدة. وفي عام 1955م، تجسَّدت الفكرة وظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب الذي أصبح الأكثر مبيعًا خلال أربعة أشهر فقط.

يتضمن هذا الكتاب مقاسات وأرقامًا هي الأكبر في مجالات مختلفة ومن هم أصحابها، مثل: الحيوانات والفن والرياضة والتربية والهندسة وجسم الإنسان والألعاب والطعام والمشروبات والنقل… وغيرها. ولكي يدخل بندٌ ما إلى هذه الموسوعة، يجب أن تكون الصفة أو الإنجاز قابلًا للقياس بدقة.

وبفعل شغف الإنسان بالقياس واليقين الناجم عن دقة القياس، خاصة إذا كانت حصيلة هذا القياس كبيرة أو غير مألوفة، حقق هذا الكتاب، ولا يزال، نجاحًا عالميًا منقطع النظير. فصار يصدر سنويًا بأكثر من 40 لغة، ويُطبع في 100 دولة، ويُباع منه سنويًا ما معدَّله 3.5 مليون نسخة.

ويقول الذكاء الاصطناعي عن هذا الكتاب: “إن كتاب غينيس للأرقام القياسية ليس مجرد مصدر معلومات وترفيه، بل هو أيضًا منصة كي يتحدى الناس أنفسهم ويُظهروا قدراتهم. إنه بيان بما يمكن أن تصل إليه قدرات الإنسان، وبتنوع أوجه الحياة على الأرض”.

ميزان المواد وميزان العدالة

والواقع أن هناك عوامل كثيرة ساعدت على تفشي حضور أدوات القياس في الفن، منها تكاثر الرحلات البحرية الاستكشافية، وتحرر العلماء من قبضة القيود التي كانت تفرضها الكنيسة، وازدهار التجارة العالمية. وكان لهذا العامل الأخير الدور الأكبر في الزج بالميزان في تاريخ الفن. فظهر في فن الرسم نوعان منه: ميزان المواد وميزان الأفعال.

ميزان المواد

في عام 1663م، رسم الفنان الهولندي فيرمير إحدى أشهر لوحاته: “امرأة تمسك بميزان”. ونرى في هذه اللوحة الموجودة اليوم في المعرض الوطني للفنون في واشنطن، امرأة تمسك بميزان صغير وقد رفعته عن الطاولة لتستكشف وزن لؤلؤة. ورغم صغر حجم هذا الميزان، فإن اسمه حاضر في عنوان اللوحة؛ لأنه محور الحدث والموضوع.

وهنا قد يبرز السؤال: لماذا كل هذه الأمثلة هي من هولندا؟ والجواب هو ذو شقَّين: أولًا بسبب انتصار الفلسفة البروتستانتية في أوروبا الشمالية، التي وقَّرت العمل في العلوم خلافًا للفلسفة القديمة. وثانيًا التطوُّر الاقتصادي والاجتماعي. ففي عام 1602م أسست هولندا شركة “الهند الشرقية الهولندية” التي أدت إلى ازدهار تجارتها مع الشرق، وعرفت رخاءً اقتصاديًا غير مسبوق. فلمع نجم الميزان كأداة قياس وصار حاضرًا في الحياة اليومية كما في الأعمال التجارية. فبات من الطبيعي أن يظهر في بعض اللوحات التي تمثل مشاهد من هذه اليومية، كما هو الحال في ميزان فيرمير المشار إليه آنفًا، والذي هو مجرد ميزان لا وظيفة أخرى له ولا ينطوي حضوره على أي معنى مبطن.

ميزان العدالة والحساب

ولكن قبل فيرمير بنحو قرنٍ ونصفٍ، وتحديدًا في عام 1514م، رسم الهولندي كوانتان ماتسيس لوحته الشهيرة “المصرفي وزوجته”، التي تُسمى أيضًا “المرابي وزوجته” والموجودة حاليًا في متحف اللوفر، ونرى فيها رجلًا يمسك بميزان لوزن قطع عملة ذهبية، وبقربه زوجته. وهذه اللوحة هي أكثر من تمثيل لمشهد عادي من الحياة اليومية، إذ تتضمن موعظة أخلاقية. فعلى المرآة المستديرة الموجودة في مقدمة اللوحة نرى وجه رجل عجوز متجهم جاء ليستدين بعض المال (لا يمكنه أن يظهر في صورة مصغَّرة هنا). ولكن خلف المرابي نرى ميزانًا أكبر، رمزًا لحساب أكبر سيأتي لاحقًا. وفي هذا تحذير من الجشع وعاقبته في الآخرة.

“المصرفي وزوجته”، لوحة للهولندي كوانتان ماتسيس.

ويعود أقدم تمثيل للميزان بوصفه رمزًا للعدالة والإنصاف إلى مصر القديمة. ففي كتاب الموتى الذي يصف الطقوس الجنائزية التي كانت يُعمَل بها منذ بداية المملكة الحديثة حتى سنة 50 تقريبًا قبل الميلاد، ثمة رسم يُظهر ميزانًا ذا كفَّتين، وُضع على إحداهما قلب الميت، وعلى الكفة الأخرى ريشة الحقيقة.

سيدة العدالة

أمَّا أشهر تمثيل للميزان في هذا المجال فهو فيما يُعرف في فنَّي الرسم والنحت باسم “سيدة العدالة”، الذي يصور العدالة على هيئة امرأة تمسك بيدها اليمنى سيفًا، وباليسرى ميزانًا لقياس الأفعال والعواقب وتحقيق التوازن بينهما. وأحيانًا تكون هذه المرأة معصوبة العينين؛ لأن الميزان يغني عن العينين ولا يتأثر بما قد تتأثران به.

وفي التفاصيل، أن “سيدة العدالة”، تعود في جذورها إلى “آلهة” العدالة جوستيسيا، التي أدخلها أغسطس قيصر إلى مجموعة الآلهة الوثنية الرومانية، وكان أول من بنى لها معبدًا. وبقيت “سيدة العدالة” لقرون من الزمن وهي تظهر على النقود وتُنحت لها التماثيل وهي تمسك بالسيف والميزان، أو بالميزان فقط. وفي القرن السادس عشر، ظهرت تماثيل سيدة العدالة ورسومها وهي معصوبة العينين. وكانت بداية الأمر من باب السخرية من العدالة التي لا ترى ما يجري من مظالم أمامها. ولكن قراءة عصب العينين تطورت لاحقًا وصار يرمز إلى الحيادية.

ومنذ القرن السادس عشر، راحت تماثيل “سيدة العدالة” تتكاثر، وتُرفع في الساحات العامة وأمام الأبنية الحكومية، وخاصة قصور العدل والمحاكم، وظهرت رسومها على بعض الأوراق النقدية الأمريكية في القرن التاسع عشر. كما أصبحت بسيفها وميزانها شعارًا لعدد من الأقاليم الأوروبية، مثل إلشوفن في بادن وورتنبرغ، ومدينة لاندسكرونا السويدية.

في القرآن الكريم والمجتمعات الإسلامية

موازين معنوية وأخرى مادية

ورد الوزن وأداته الميزان في ثلاثة وعشرين موضعًا في القرآن الكريم، وغالبًا للترغيب بالعدل والاستقامة أو الترهيب من عواقب غلبة السيئات على الحسنات.

﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: 8].

﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 105].

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: 102].

كما وردت مفردتا الكيل والمكيال في أربعة عشر موضعًا للأمر والنهي والترغيب والترهيب من العبث بالمكيال. فقال تعالى:

﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [هود: 85].

﴿ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: 65].

﴿وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: 84].

ومن وحدات القياس التي وردت في القرآن الكريم، هناك القنطار:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14].

﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَــانَ زَوْج وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَـيْئًا أتَـأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 20].

وقد أولت كتب الفقه والسنة اهتمامًا كبيرًا بالأوزان والمكاييل، وتمكن الباحثون من جمع أسماء المكاييل التي كانت سائدة في البلدان الإسلامية حتى القرن التاسع عشر الميلادي، قبل التحول إلى النظام العشري. وبلغ عدد المكاييل القديمة نحو 30 مكيالًا، ووحدات الأوزان نحو 14 وحدة. وطبعًا لم تكن كل هذه الوحدات معتمدة في البيئة الواحدة.

فمن المكاييل القديمة، هناك: مُدُّ النبي (الذي يبلغ محتوى قبضة اليد غير المنقبضة ولا المنبسطة تمامًا) والصاع (ويبلغ أربعة أمداد بمُد النبي) والقسط والكَيْلجَة والختوم والصواع والسقاية والجام والمكوك والحجاجي والفرق والويبة والهشامي والقفيز والعرق والمكتل والمدي والإردب والجريب والوسق والكُرّ والقنقل والحلاب والعس والنصيف والسندرة والفالج والفلج والرطل والملحم…

ومن الأوزان التي كانت معتمدة في المجتمعات الإسلامية: القيراط والدانق والدرهم والدينار والنواة والنش والأوقية والرطل والمن والقنطار والبهار والمثقال. ونعرف أن بعض هذه الوحدات القياسية لا يزال مستخدمًا حتى اليوم، ولكن من المرجح أنه صار يدلُّ على غير ما كان يدلُّ عليه في مجتمعات أخرى، مثل القنطار الذي لا يزال مستخدمًا في مصر لوزن محاصيل القطن.

حتى في قياس وحدات الطول، كانت المفردة الواحدة تعني مقاييس مختلفة، وفق الاجتهادات العلمية والفقهية المختلفة. فالميل هو عند الحنفية 4000 ذراع، أي ما يساوي 1855 مترًا، وهو عند المالكية 3500 ذراع، أي أقل بـ500 ذراع. أمَّا عند الحنابلة والشافعية فهو 6000 ذراع، أي 3710 أمتار.


مقالات ذات صلة

لو شئنا أن نقتصر في تعداد مكوّنات أي مدينة أو بلدة في العالم على مكوّنين اثنين فقط، لقلنا إنهما: المسكن والسوق. فلا حياة لأي منهما من دون الآخر. ولذا، فإن تاريخ السوق، وحتى إن لم يُؤتَ على ذكره بالتفصيل، هو من ضمن تاريخ أي مدينة. وأن يتكوّن السوق بشكل أساس من مجموعة متراصة من المتاجر، […]

لكل سوق في العالم صورة مختلفة في وجدان المتسوق، حتى عند من سمع به ولم يزره سابقًا. بعضها موسوعي لاشتماله على مختلف أنواع السلع، وبعضها يغلب عليه الطابع التاريخي، وبعضها يتعالى على الطبقة الوسطى، وبعضها يتعاطف مع الطبقة التي دونها. وفيما يأتي عينة من هذه الأسواق، من دون الزعم طبعًا أنها مسح شامل لأهم أسواق […]

ظهر المركز التجاري الحديث المعروف عالميًا باسمه الإنجليزي “مول”، في منتصف القرن الماضي، وتحديدًا في عام 1956م، عند افتتاح أول مركز للتسوق في إيدينا بولاية مينيسوتا الأمريكية، من وحي أفكار المهندس المعماري فيكتور جروين، الملقّب بأبي المراكز التجارية، الذي قدم للبشرية أول تصميم معماري يمثّل صورة المول بشكله الذي نعرفه اليوم في كل مدينة من مدن العالم.


0 تعليقات على “القياس”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *