مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

العمل الفنِّي رهان حضاري آمن
محطَّات في تجربة الفنان التشكيلي رشيد طالبي

خالد بن صالح

تصوير: سيف الدين قدّوري

“من دون ضوءٍ ليس للعالم وجود، من دون ضوء لن يكون هنالك ظلٌّ. الضوء يمنحُ للأشياء قيمتها المُطلقة، سواء ببُعدينِ أو بثلاثةِ أبعاد”. هكذا يعرّف الفنان الجزائري ابن مدينة وهران، في غرب الجزائر، رشيد طالبي الظل والضوء، وهذا ما ينعكس بشكل واضح في أعماله الفنية المعتمدة على نقل التراث الجزائري.

الموجة، ألوان زيتية، 140 x 100 سم، 2019م.

مثل لوحاته بدت كلماتُه، حتى قبل بداية الحوار، كثيفةً كخامة ألوانٍ على السَّطح الخشن للوحة، قليلة ولكنَّها صائبة مثل نتيجةٍ أكيدةٍ لامتزاج لونين، بسيطة كنهرٍ لا يخطئ مجراه، والأهمّ أنَّها صادقة وحقيقية كبورتريه لرجلٍ نقرأ من خلال ثنائية الضوء والظل على ملامحه أكثر من قصة تستحقّ أن تُروى.

في ترحاله متعدِّد الجهات والألوان والمواد لا يستكين ابن مدينة “وهران” إلى مسار محدَّدٍ أو توليفةٍ واحدة.

لوحة لا تتركُ أحداً غير مبالٍ
“نحتاجُ إلى يدٍ أقوى وقلبٍ أنقى”، هكذا يصرِّح رامبرانت معبِّراً عن حاجته الملحَّة في آخر الصفحات من يومياته. لعلَّ اقتباساً كهذا يقابله ما يقول الفنَّان التشكيليّ الجزائري، ذو الأصول المغربية، رشيد طالبي إنَّه “من دون ضوءٍ ليس للعالم وجود”، في مواجهة المساحات الهائلة من البياض التي يحوِّلها بيده القوية وقلبه الأنقى فنِّياً إلى لوحاتٍ مرسومةٍ بحرفيَّة عالية. فبقدر ما تعكسه المعالم والبورتريهات والمناظر الطبيعيَّة والشوارع والمباني والحارات والأسواق الشعبيَّة من روحٍ معاصرة تستند إلى تاريخ أصيلٍ وملهم؛ بقدر ما نلمس فيها روح الفنَّان المتلبِّسة بجلِّ أبطاله من أبناء الهامش والظِّل وقد أضاءت وجوههم المتعبة ريشة خرِّيج “علم الأحياء الدقيقة”.

لا شيء ينقص في عالم رشيد طالبي الفنِّي، إلَّا ليطلب مزيداً من اللَّوحات، هو كما يقول فان غوخ “لست مغامراً باختياري”، وهو أيضاً رحَّالة بين التقنية المتنوِّعة من الألوان الزيتيَّة والمائية والأكريليك إلى الباستيل وقلم الرصاص والفحم، وبين الموضوعات التي تقع في نفسه كتعبيرٍ حيٍّ عن حياة وذاكرة المدن والأرياف والناس. وفي ترحاله متعدِّد الجهات والألوان والمواد لا يستكين ابن مدينة وهران (في الغربِ الجزائري) إلى مسار محدَّدٍ أو توليفةٍ واحدة، فهو كمستشرقٍ تارةً وانطباعيّ في أخرى وتعبيريّ في ثالثة، نراه على مدار سنوات خبرته الطويلة يطوِّر أسلوبه وعوالمه الفنيَّة، مكتسباً مهارةً ودقَّة عاليتين في الرَّسم، جعلت منه، وهو عصاميُّ التكوين، أحد أهمِّ الفنانين التشكيليِّين المعاصرين في المنطقة المغاربية.

قدري هو الفن
حياة حيّة تتحرَّك زمنياً بين الماضي والحاضر، هذه هي أعمال رشيد طالبي، حيث يقوم بتوظيف محكم لثنائية الضوء والظِّل، حول هذه العلاقة يقول طالبي من دون ضوءٍ ليس للعالم وجود، من دون ضوء لن يكون هنالك ظلٌّ. الضوء يمنحُ للأشياء قيمتها المطلقة، سواء ببُعدين أو بثلاثة أبعاد. هنا، يجب على الفنان، في رأيي، أن يأخذ بعين الاعتبار هذه القيمة، ويمنح أهميَّة كبيرة للضوء وتأثيره على كل ما يمكن للعين أن تراه.

تتعدَّد موضوعات اللوحات وتتنوَّع بين البورتريه والمناظر الطبيعية الخارجية إلى الطبيعة الصامتة، مثلما تتعدَّد تقنياتُك في الرسم، هل هو شغف الفنان ليرى العالم بأكثر من طريقة واحدة؟

كوني عصامياً، وحقيقة، أنَّني تعلَّمتُ بشكلٍ ذاتيّ الرَّسم دون دراسته كتخصُّص فنِّي في مدرسةٍ للفنون الجميلة، ربَّما؛ هي ما دفعني إلى البحث والتمكُّن من جميع التقنيات ودراستها بشكلٍ مُعمَّق. منذ البداية لم أرضَ أو أقتنع بأسلوب أو تقنيةٍ واحدة، هكذا أنا أحب دائماً الاكتشاف والمحاولة.

مارست الرسم من أجل متعتي الشخصية فقط، لم أفكِّر يوماً أنني سأعيش من فنِّي.

عصامي التكوين
ورداً على سؤال حول نشأته الفنية التي وصلت درجة الاحتراف والعالمية رغم تخصصه الجامعي في علم الأحياء وحصوله على ليسانس في علم الأحياء الدقيقة، أجاب بأن بداياته كانت في ممارسة الرسم من أجل المتعة، متعتي الشخصية فقط، يقول موِّضحاً: لم أفكِّر يوماً أنني سأعيش من فنِّي. كانت طموحاتي في مجالي العلوم والبحث العلمي. ولكن بعد التخرُّج من الجامعة أدركت بسرعة أنَّ قدري هو الفن. ومشاريعي كمُتخصِّص في الميكروبيولوجيا كانت بعيدة على أن تكون قابلة للتحقُّق، عكس اللَّوحات التي شكَّلت أوَّلاً عالمي الخاص ثمَّ أصبحت هي في ذاتها عالماً مفتوحاً على كلّ الاحتمالات والآفاق.

وفي رده حول المحطات المؤثرة في حياته وكانت حاسمة في مسيرته الفنية يقول طالبي إن أهم الأحداث في مسيرته الفنية هي: مشاركتي في البرنامج التلفزيوني “سورة وصور” الذي بثَّ سنة 1998م طوال شهر رمضان على القناة التليفزيونيَّة الوطنيَّة ولقي نجاحاً كبيراً آنذاك. ولقائي مع الرسامة الكبيرة، وعميدة الفنانين التشكيليين الجزائريين “ليلى فرحات” التي أضافت كثيراً إلى مسيرتي الفنية الاحترافية، ذلك أنَّ أبواب الحياة الضخمة لا تحتاج إلى مفاتيح ثقيلة لفتح أقفالها، تكفي لمسة ما، حركة إنسانية بسيطة لتحرِّك أكثر من ساكن.

في الحقيقة، لقد كرَّست حياتي للفنّ، ولم أفكّر خارج إطار اللوحة، مؤمناً في الوقت نفسه بأنَّ هذا المسار يتطلَّب أن أكافح لأجله، وأن الحياة أحياناً تنصفك، لا لشيءٍ سوى لإيمانك بما تعمل وتكافح لأجله.

كل بورتريه أو وجه لديه قصة ما ليرويها
عن مدينة “وهران”، وحضورها تشكيلياً في أعماله يقول طالبي: وهران مدينة جميلة جداً، حيث قضيت فيها معظم حياتي، جئتها في سنِّ الثالثة من عمري قادماً من مسقط رأسي بمدينة بني ملال في المغرب. وهران حاضرة بشدَّة في عديد من لوحاتي بجمالها المعماري، بتضاريسها، وبسواحلها الرائعة، وخاصة سكّانها الذين يسعدون بالعيش فيها. هناك مدنٌ تسكنُنا ووهران التي تُعدُّ من هذا الصنف الاستثنائي سكنتني وسكنت لوحاتي كما فعلت في أعمالٍ أدبية وفنيَّة خالدة لكبار الكُتَّاب والفنَّانين ليس آخرهم ألبير كامو الهارب إليها مع فصولٍ من روايته “الطاعون”، وهران هي كذلك هذا الزخم الثقافي والإنساني والشعبي الأصيل الذي لا بدَّ أن يتوقّف عنده كلّ فنّان يمتلك القدرة على تذوّق حياة مدينة متوسِّطيَّة بكلِّ تقلُّباتها.

وعن الميول الفني لديه يؤكد أنه يرسم كلّ ما يتحدَّث إليه.. ما أشعر أنه يخاطبني على نحوٍ ما، ليس لدي أيِّ تفضيلات، “أنا” مصدر إلهامي وفقاً لحالتي الذهنيَّة.

وحول أسلوبه الفني الذي يعتمد على مدرسة الفن التعبيري المعاصر وانعكاس الحياة اليومية في أعماله الفنية، وإذا ما كان هناك أي مشروعات حداثية ستكون قريبة في أعماله قال إن هذا أسلوبه في الوقت الحالي مؤكداً أنه لا يعرف ما الذي قد يخفيه المستقبل.

وعن معايشته للتجربة الفنية وانتقاله للطبيعة أثناء الرسم المباشر قال إنها تجربةٌ جميلةٌ حقاً أن ترسم في الهواء الطلق، وتشعر أنك عنصر ينتمي إلى هذه الطبيعة، أن تكون في انسجامٍ تامٍّ معها. هناك نوع من الهارموني بين اللَّوحة وهي تتشكَّل في الطبيعة، وتنتقل من مجرَّد رؤية جمالية تلتقطها العين إلى ملمسٍ بصري ولوني يعكس جماليات الإبداع الفنِّي.

كرَّست حياتي للفنّ ولم أفكّر خارج إطار اللوحة، مؤمناً في الوقت نفسه بأنَّ هذا المسار يتطلَّب أن أكافح لأجله، وأن الحياة أحياناً تنصفك.

وفي إجابة حول رسم البورتريه الذي يعكس الشخصيات التاريخية في رسوماته مثل الأمير عبدالقادر الجزائري، وشيوخ الزوايا ومدارس التعليم القرآني، وشخصياتٍ تعيش حياتها اليوميَّة في الفلاحة والصيد والأعراس والمآتم، وما يوحيه ذلك للتشكيلي رشيد قال إنَّ: ما يثير اهتمامي حقاً هو تعبير كلّ إنسان. كل بورتريه أو وجه لديه قصة ما ليرويها، شعور خاصّ ليعبِّر عنه، أجد أنَّه من المهمِّ فعلاً ترجمة ذلك إلى لوحات فنيَّة.

نقل التجربة إلى الأجيال الشابَّة
وحول معرضه الشخصي المقبل.. إذا ما كان هناك في الأفق تجربة جديدة يمكن تحويلها إلى مشروع قال: أجل، مستقبلاً أودُّ القيام بمعرض شخصيّ، ولكن ذلك يتطلب كثيراً من الوقت والعمل. في الوقت الحالي أشعر بالحاجة إلى نقل خبرتي وتجربتي الفنيَّة إلى الأجيال الشابَّة من الفنانين الموهوبين، وذلك من خلال تقديم دورات في الفن التشكيلي بمرسمي الخاص والقيام بورشات عمل.

الفن التشكيلي الجزائري، يتأرجح اليوم بين قلة المعارض وقلة صالات العرض وغياب سوق للَّوحات والأعمال الفنيَّة، في ظلّ ركود الحياة الثقافية، في رأيك ممَّ يعاني؟

يجب العودة إلى أصل الأشياء، والتركيز على تعليم الفن كمادَّة مدرسية قائمة بحدِّ ذاتها، من أجل أن يكبر أطفالنا بعقولٍ منفتحة ومثقَّفة، وهذا هو سرُّ نجاح أيّ أمّة. يحتاجُ الناس إلى فهم أنَّ شراء لوحة هو استثمار حقيقي لأنَّ العمل الفنِّي، في الأخير، هو رهان آمن..

• رشيد طالبي، فنان تشكيلي محترف، من مواليد 29 أكتوبر 1967م، في بني ملال، المغرب.
• يعيش في وهران – الجزائر.
• في عام 1992م، تخرَّج في جامعة وهران “السانية”، في مجال علم الأحياء الدقيقة.
• عضو الاتحاد الوطني للفنون الثقافية.
• تعود علاقة رشيد طالبي بالفن إلى الطفولة. رافقه الرسم والتصوير طوال دراسته المدرسية والجامعية. تعلَّم وأتقن الرسم بالتوازي مع دراسته من خلال الممارسة والرغبة في تعلم جميع التقنيَّات. في نهاية دراسته الجامعية، اختار أن يجعل موهبته في الرسم، مهنته.
• في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اتخذت مسيرة رشيد طالبي الفنيَّة منعطفاً مزدهراً عندما أصبح فناناً دائماً في صالة دار الكنز في الجزائر العاصمة.
• يعرض بانتظام في المعرض المغاربي في باريس. بعض لوحاته اقتنتها السفارتان الفرنسية والأمريكية في الجزائر وكذلك رئاسة الجمهورية الجزائرية.
• منذ عام 2018م، قرَّر رشيد طالبي نقل تجربته كفنان تشكيلي إلى الأجيال الشابَّة من الفنانين من أجل ضمان استمرارية الإبداع والحفاظ على المواهب. يشرف بانتظام على ورشات عمل داخلية وخارجية مع طلاب من مدرسة الفنون الجميلة في مدينة مستغانم.
• في يونيو 2019م، تم اختيار الفنان من قبل جاليري باريسي للمشاركة في معرض جماعي.
• يستخدم رشيد طالبي جميع التقنيات للتعبير عن فنِّه: الزيت والألوان المائية والأكريليك والباستيل والفحم وقلم الرصاص. لوحاته تتنوَّع مشاهدها المُشرقة والمليئة بالألوان، بملمس خشنٍ يجمع بين الفرشاة والسكين وتقنياتٍ أخرى. لوحات تتدفَّق بالحياة اليوميَّة، والبورتريهات، والفانتازيا، والمناظر البحرية.


مقالات ذات صلة

يمثِّل المكان بُعداً دائم الحضور في صفحات الأدب بوجه عام، وبين سطور الشعر العربي بصفة خاصة. ويكفيك أن تُلقي نظرة خاطفة على بعض عيون القصائد العربية عبر العصور المختلفة، لتجد المكان يلوِّح لك بين الحروف، مُثقلاً بالرمز والحكاية والخيال تارة، ومتخفِّفاً منها تارة أخرى. وإن كان حضـور الأماكن والمدن العربية في الشعر قد أُشبِع دراسة […]

تصدّرت الحروب والأوبئة والأمراض واجهات التاريخ البشري منذ القدم. وشكَّلت محطات مظلمة في تاريخ الإنسانية، ما زالت آثارها راسخة في الذاكرة العالمية إلى يومنا هذا. وليس وباء كورونا الذي اجتاح وأرعب العالم اليوم إلا مثالاً حياً لتلك الأوبئة التي غزت التاريخ، وخلَّفت مآسيَ وهزاتٍ عنيفة في العالم، كانت سبباً في القضاء على أعداد هائلة من […]

ظهرت الأسماء منذ الأزل، وظهرت ساكنة لا تتحرَّك، ولم تلقَ من يصف أشكالها ويُحرّك أحداثها، فجاءت الصفات لتُخبرنا عن أشكالها الساكنة، وجاءت الأفعال لتخبرنا عن حركتها الحيويّة، فصرنا نُنبئ عن كيفيات التشكل الوصفي والاتجاه الحركي، وعن أساليب وحيثيات وأسباب هذا التشكل وذاك الاتجاه. تشكيل الصفات للأسماء وتحريك الأفعال لها جاء ناقصاً، فمُلئ بالحروف المعدودة التي […]


0 تعليقات على “العمل الفني رهان حضاري آمن”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *