مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

أمجاد التاريخ.. وأصوات التبرُّم


د. عبدالله بن محمد الرشيد
كاتب وأكاديمي سعودي

هناك ظاهرة مثيرة للانتباه.. أصوات التبرُّم والتأفُّف والضجر من البعض التي تعلو وتتطاير حين يأتي الحديث عن إنجازات الحضارة الإسلامية، وأثر العلماء العرب في تاريخ الإنسانية، وعلى وجه الخصوص أثرهم في العلوم الغربية الحديثة. إذ يبدأ أولئك بترديد مقولات مثبطة: “أنتم تعيشون في الماضي، أنتم تتعلقون بالأطلال، اعملوا للمستقبل بدلاً من تكرار قصص التاريخ”، بل قد يتجاوز الأمر إلى التندر، ويصل حد الرفض لحقائق التاريخ، والتنكر لمنجزات العلماء العرب والمسلمين، والانتقاص من أثر الحضارة الإسلامية، بل ورميها بأوصاف الجهل والتخلف!
هذه الحالة العجيبة من نكران الذات لدى بعض أبناء العرب، تستحق التأمل والتحليل. ففي الوقت الذي يتقاتل فيه العالم على كنوز الحضارة الإسلامية، وآثارها، ومنجزاتها، ويتسابقون إلى حيازة مخطوطاتها وتحفها وبقايا أسرارها ونفائس ذخائرها، يأتي أولئك بدم بارد ويتخلون عن ذلك كله، بل يتفنَّنون في نفي كل صفات التميُّز والإبداع والأصالة العربية الإسلامية، وينسبونها لأمم وأعراق وعناصر أجنبية.
فما هي الأسباب التي أدَّت إلى ظهور حالة كهذه، حتى أصبحت سمة بارزة لدى بعض المثقفين العرب المتأخرين، وممن تأثر بهم؟
في رأيي، إن الأسباب متنوِّعة مختلفة، يتجاذبها العلمي والنفسي، والثقافي والاجتماعي، وربما يكون كل سبب قائم وحده بالتأثير، لكنني أعتقد أن أبرز سبب يقود لمثل هذه الحالة من نكران الذات، هو الواقع العربي المحبط، والجهل بحقائق التاريخ. هذان الأمران إذا اجتمعا عند الشخص، فإنك ستجد صعوبة بالغة في إقناعه بأن الواقع العربي بما يمر به اليوم من تخلف وجهل وتقهقر ليس هو الأصل، بل هو عارض وانتكاس، وأن صفحات التاريخ تؤكد أن حضارة الشرق الإسلامي كانت سيدة الدنيا، وعواصمها جواهر الأرض، والعربية كانت لغة العلم في العالم.
هناك حالة نفسية تقود الشخص الرافض لواقعه، المتبرم منه، إلى الظن بأن ماضيه سيئ أيضاً، وبأن كل ما يحدث اليوم هو بسبب ذلك الماضي، أو ذاك التراث، لذلك هو يهرب منه، ويرفضه، بل ينادي بالقطيعة معه، لكن ألا يحق لنا أن نذكره أيضاً، لو كانت المشكلة في الماضي والتراث كيف أصبح أبناؤه في ذلك الزمن قادة الدنيا، وسادة العلوم، وصنَّاع الحضارة، والإبداع والتعايش.
طرح الفيلسوف المصري توفيق الطويل في كتابه النفيس “في تراثنا العربي والإسلامي” هذا التساؤل، وبحث عن سر تنكُّر بعض أبناء العرب لتاريخهم، فقال: “إن تنكُّر العرب للتراث العربي مردُّه لأسباب ينفردون بها، منها شعور الجيل الحاضر بالضيق والتدهور الذي أصاب العرب في الآونة الأخيرة من تاريخهم، فداخله الشعور بمقت التفاخر بالآباء والأجداد، ومنها افتتان الكثير بالمادية الغربية، مع جهل بماضي تراثهم، أو إلمام بقشوره، ومنها أن هذا التراث لايزال بكراً، ولم تتناوله دراسات علمية مفصلة”.
إن لدراسة تاريخ الحضارة الإسلامية وإنجازاتها العلمية أهمية بالغة، فهذا حقل علمي مهم قائم بذاته في أبحاث تاريخ العلوم ودراسة تطوُّر الأفكار، من أجل إنصاف الحقيقة التاريخية، ومواجهة كل الدعاوى الشائعة التي تربط نهضة العلوم والفلسفة بالغرب، فيخيل لنا أن العلم نشأ في اليونان القديمة، وتطوَّر مع النهضة الغربية الحديثة في أوروبا، وكأن القرون التي بينهما ظلام دامس، وكأن الشعوب الأخرى بدائية على الهامش، أو كأن حركة الإنسان والتاريخ مرتبطة بأوروبا، متمحورة حولها.
من المهم أن نستذكر تلك الحالة المتقدة العظيمة التي كان فيها الشرق العربي الإسلامي قائداً للعالم علمياً واقتصادياً وثقافياً. وتلك لم تكن حقبة قصيرة، أو أمراً عرضياً طارئاً، بل كانت حقبة ضخمة في تاريخ البشرية، امتدت على رقعة الزمان والمكان قروناً طويلة من أطراف الصين شرقاً، وحتى المحيط الأطلسي غرباً. حضارة تسيَّدت العالم القديم، فتأسست إمبراطورية عربية بلغ حجمها ثلاثة أضعاف الإمبراطورية الرومانية، وحكمت مناطق شاسعة من قارتي آسيا وإفريقيا، وأجزاءً من أوروبا لعدَّة قرون، وطبعت بعلومها وفنونها ولغتها وأدبها وعمارتها ودينها وقيمها كل البلدان التي دخلتها. إن هذه الروح ما زالت عميقة الأثر في بقاع العالم، فخلف القلاع، والحصون والنظريات والكتب ستجد الحرف العربي ساكناً في أعماق الأشياء من حولنا. كما يقول الشاعر الإسباني فرنسيسكو فيلاسباسا: “إن قوميتنا الغربية هي العرض الظاهر، أما القومية الشرقية فهي حقيقتنا الخالدة، وما كانت عامة ثوراتنا الأدبية القديمة والحديثة في الغالب غير أثر الروح العربي الذي يطفر من سويداء قلوبنا”.
إن ذكر أمجاد العلماء في تاريخ الحضارة الإسلامية ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل إحياء لجذوة الإبداع، وتذكير بأصالة العلم والفن والابتكار في هويتنا وتراثنا، فحركة العلوم والاختراع لا ينفك أولها عن تاليها. والتميُّز العلمي ذو جذور عميقة في تاريخنا. وحضارة اليوم لا تنفصل أبداً عن عظمة العلماء المسلمين العباقرة، الكندي، وجابر بن حيان، وابن الهيثم، والخوارزمي، وابن الشاطر، وابن سينا، والرازي، والإدريسي، وغيرهم من عظماء العلم والتاريخ.


مقالات ذات صلة

كان “الشرق” بالنسبة لأوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تلك الرقعة الجغرافية الممتدة جهة الشرق والجنوب ناحية البحر الأبيض المتوسط، أي بلاد العرب والأتراك بشكل رئيس. وتعود هذه الصورة بأصولها إلى الماضي ما قبل الإسلامي عندما نظرت الحضارتان الإغريقية والرومانية إلى بلاد الشام والأناضول ومصر على أنها بلاد الشرق (Oriens). ولكن هذه الصورة لم تكن واضحة تماماً في أذهان المعلقين الكلاسيكيين والبيزنطيين، حيث كانت لمفهوم الشرق معانٍ مختلفة، وكانت حدوده دائمة التغيُّر حول حوض البحر الأبيض المتوسط تبعاً لتغير حدود الإمبراطورية، وانضمام الشعوب الساميّة إلى الحركات الحضارية الفاعلة: الهلينستية، الرومانية، والبيزنطية.

السينما ليست أداة ترفيه فقط وإنما هي مسؤولة عن الحفاظ على ذاكرة شعب جنباً إلى جنب مع الكتاب.فعندما يستعرض كاتب تاريخ أرضه، فإنما يحاول الحفاظ على ذاكرة الأرض وبالتالي على ذاكرة الشعب. وأتت السينما لتوثق ذلك عن طريق الصورة والصوت، وتغرس في كل فلم جزءاً من ذاكرة المكان أو الزمان في سياق السرد العام.
لذا، تنبع أهمية السينما السعودية ليس فقط من مناقشة العادات والتقاليد وتعريف العالم بالمملكة وأهلها، وإنما أيضاً من المحافظة على ذاكرة الشعب السعودي من خلال أفلام اجتماعية أو سياسية أو تراثية أو حتى غنائية أو خيالية.

اللغة العربية لغة عالمية بعدد الناطقين بها، وعدد المحتاجين لها من غير العرب، يتعلَّمُونها لأسباب متعدِّدة كالسياسة، والأمن، والاستثمار في التجارة والاقتصاد، وهذا ما أعطاها مكانة مرموقة ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتحتل حالياً مرتبة لا بأس بها على محركات البحث العالمية.


رد واحد على “أمجاد التاريخ.. وأصوات التبرُّم”

  • اتابع منذ نعومة أظفاري مجلات ذات غذاء ثقافي مختار. منها قافلة الزيت
    وكانت تصلني علي عنواني الشخصي إلي عهد قريب.
    ثم عادت لأخضاني بصيغتها الإلكترونية. فقرت بها عيني كما قر عينا بالإياب المسافر
    نعم الزاد القافلة
    وشكر الله للساهرين عليها


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *