مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2021

أكثر من رسالة


قلعة تاروت.. قبالة قلاع البحرين

لا ينفك تاريخ جزيرة البحرين عن تاريخ الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية عامة وجزيرة تاروت خاصة، ونعني هنا التاريخ القديم والحديث على حدٍّ سواء. فكما تناول الكاتب حسين المحروس في مجلة القافلة عدد يناير / فبراير 2021م قلاع البحرين وحصونها، نتناول في هذا المقال أهم القلاع على الساحل المقابل، وهي قلعة تاروت الأثرية.
تُعدُّ قلعة تاروت أهم شاخص أثري على الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية. بل إن هذا الساحل يكاد يخلو تماماً من أي شاخص أثري بهذه الأهمية. أما إذا عرفنا أن هذه القلعة تقع في وسط جزيرة تاروت التي تُعدُّ من أهم المواقع الأثرية في الخليج العربي وصاحبة الدور الكبير في مملكة دلمون في الألف الثالث والثاني قبل الميلاد. وأكثر من ذلك، فهي ترقد على موقع أثري قال عنه رئيس البعثة الدانماركية جيفري بيبي أنه أقدم موقع لمدينة في الخليج العربي، وحينها نعرف أننا نتحدث عن موقع أثري فائق الأهمية.
تقع هذه القلعة وسط جزيرة تاروت، عند الطرف الشمالي الغربي من حي الديرة، حيث تحتل قمة تل أثري مرتفع بشكل بارز ولافت للأنظار. ويتكوَّن التل من خليط من الطين والأتربة، وقطع الحجارة الضخمة التي يزيد طول بعضها على المتر الواحد.
وتتكوَّن القلعة من بناء شبه بيضاوي غير منتظم الشكل، ولها سور خارجي دُعِّم بأربعة أبراج مخروطية بقي منها البرجان الغربيان.
يرجح أن تكون هذه القلعة من القلاع العيونية أو القرمطية، وبهذا يكون عمرها حوالي 1000 سنة. وقد ذكرت قلعة تاروت في القرن السابع الهجري (641هـ) في كتاب تحرير وصاف (تحرير تاريخ وصاف، ص 105) عند حديثه عن أتابك واحتلاله أوال ثم سيطرته على القطيف وقلعة تاروت، وأخطأ في كتابتها (طاروت) كما أخطأ حين اعتبر القطيف جزيرة.
وفي حقيقة الأمر، لم يكن ذلك أول ذكر لقلعة تاروت. فقد ورد في الاتفاقية المبرمة بين الحاكم العيوني وحاكم جزيرة كيش عام 606هـ أن يتنازل الأول للثاني عن مقسم القصر في جزيرة تاروت (محمد سعيد المسلم، القطيف واحة على ضفاف الخليج، ص 220) وبعض البساتين في الجزيرة، وذلك بعد أن أصاب الضعف الدولة العيونية
شيِّدت هذه القلعة فوق أنقاض أساسات مبانٍ قديمة تعود إلى الألف الثالث ق. م. حيث يمكن للزائر أن يشاهد تحت أساسات القلعة مجموعة من الحجارة المصقولة والمتراصة بشكل منتظم تمثل مبنى أقدم. ويقع إلى جوار هذا المبنى نبع ماء عميق يتصل بقناة تؤدي إلى بركة حجرية مكشوفة، مما حدا بالبعض أن يرجح أن المبنى ربما كان هيكلاً لعشتاروت – التي اشتق اسم مدينة تاروت منها.
أما عن أهم المواد المكتشفة تحت أساسات القلعة فهي تشمل تمثالاً من الحجر الجيري يحمل سمات التماثيل المميزة التي تنتمي للحضارة السومرية، وإلى جانبه مجموعة من الأواني الفخارية ذات اللون الأصفر البرتقالي من فخاريات فجر السلالات الأولى 2900-2750 ق.م، وأوانٍ أخرى كبيرة ذات أبدان جؤجؤية وحواف مثلثة الشكل تمثل الأنواع المميزة لفخاريات موقع جمدت نصر، وهو تل أثري موجود في بلاد ما بين النهرين، إضافة إلى تشكيلة من فخاريات دلمون وباربار المضلع الشكل، وهي فخاريات تنتمي إلى الألف الثالث ق.م. كما عثر في الطبقات السفلى على كسر لأوانٍ فخارية تنتمي لحضارة العبيد. وتتوزَّع المواد الأثرية المكتشفة على أربعة أدوار تاريخية تمثل مراحل الاستيطان في الموقع، وتعود أقدم هذه المراحل إلى فترة حضارة العبيد الثانية (4300-4000 ق.م). واستمر الاستيطان بالموقع حتى الألف الثالث ق.م حيث حضارة دلمون التي يعود أحدثها بالموقع إلى فترة باربار المتأخرة، وعلى هذا فإن موقع القلعة كان قائماً طوال الفترة الممتدة ما بين 4300 ق.م و500 ق. م.

سلمان حسن رامس
باحث وكاتب في تاريخ الخليج العربي


كتاب “المعلَّقات لجيل الألفية”.. جسر الهوة بين مناطق الزمن العربي

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
فَتُوضِحَ فَالـمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها
لِـمَا نَسَجَتْها مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ

ليس ثَمَّة أحد من جمهور القرَّاء الواسع باتساع الجغرافيا العربية والعالمية قرأ واطلع على هذا المشهد البكائي من مدخل معلَّقة امرئ القيس ابن حجر الكندي أو غيرها من قصائد العصر الجاهلي، ونجا من صدمة الإدهاش الحقيقية في السياق الأسلوبي والفني لبناء النصوص بما تحويه من مخزون مفاهيمي وثقافي ولغوي ثري حد الإعجاز الذي يختزل في مذهباته العشر المشهورة تفاصيل حياة المجتمع العربي في العصر الجاهلي بكل أبعاده الفكرية والسلوكية.
والملاحظ أن تحوُّلات الحياة وأساليبها ووسائل التواصل الإنساني، وغربة المسميات الواردة في الأبيات كـ (سقط اللوى، الدخول، حومل، توضح، المقراة) قد تنفِّر القارئ الذي لا يعرف أن هذه المفردات أسماء أمكنة تتقارب مع بعضها، وكانت مسارحَ لأحبة امرئ القيس، الذين انتقلوا فجأة إلى أماكن أخرى بحثاً عن الماء والمرعى، كما كانت حياة العرب المتنقِّلة التي جعلت الوقوف على الأطلال من أهم سمات الشعر الجاهلي بصفة عامة والمعلَّقات بصفة خاصة.
هذا الغموض الناجم عن مفارقات الزمن والمكان جعل شريحة واسعة من الشباب المعاصر ينفر عن قراءة الأدب العربي الجاهلي الذي تمثِّل المعلَّقات أهم شواهده الإبداعية، هروباً من عمق منطوقها اللغوي الموغل في الزمن، ومفرداتها الصعبة التي تتطلَّب شرحاً دقيقاً يذهب بإلمام إلى أسماء الأمكنة والأشياء في زمن إنتاج النصوص.
إن إعادة تقديم المعلَّقات وفق طرح مقارب لثقافة اليوم ظلَّت حلماً يراود كثيراً من النخب العربية منذ زمن طويل. والآن، بعد جهود مشتركة بين مجلة القافلة ومركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء”، خرج إلى النور كتاب “المعلَّقات لجيل الألفية” الذي يُعدُّ أبرز إنجاز معرفي معاصر استهدف جسر الهوة بين مناطق الزمن العربي الثلاث (الماضي والحاضر والمستقبل) ليؤكد مكانة اللغة العربية وسحرها ومرونة اتساقها العابر لتحوُّلات الزمن.

جوهر المشروع
وأرى أن المشروع يقوم في جوهره على تحقيق هدفين رئيسين، أولهما: تقريب اللغة العميقة إلى لغة سهلة يستسيغها قارئ القرن الواحد والعشرين غير المتخصص، والمأسور بالمشاهد البصرية اليومية المتخمة بتحوُّلات الحياة المتسارعة أكثر من اهتمامه بالنصوص المعقَّدة والصعبة، في موروثه الأدبي. وثانيهما، تحقيق الوظيفة المرجعية للقارئ والباحث المتخصص، الذي سيعفيه هذا الكتاب من التنقيب عن كل ما يتصل بالقصائد العشر الشهيرة من أحداث وحيثيات وأمكنة وشخصيات عاشت في زمن إنتاجها. فقد قدَّم الكتاب مادة شاملة بالشرح المبسط لهذه النصوص وفق مسارين لغويين هما اللغة العربية واللغة الإنجليزية. فوفر الأول بياناً واضحاً بتقنية أسلوبية بارعة في تفكيك كل معلَّقة، وقدَّم الثاني ترجمات دقيقة على شكل سياقات نثرية مستنبِطة أهم الرسائل الإنسانية في معاني النصوص، من دون إغفال الفرادة الفنية للبُعد الشعري التصويري الذي يضع القارئ في المشهد الزمني لابتكار وإبداع تلك القصائد.
لقد حلَّق الكتاب بأسلوب فني بديع في الجغرافيا والأمكنة التي ولدت فيها تلك النصوص كنتاج طبيعي لمعايشة الشعراء لأحداث وعواطف وانتماءات اجتماعية وقيمية شكَّلت وجدانهم الدافق بتلك الشاعرية مقدِّماً صورة متكاملة تليق بسفر المعلَّقات عبر الزمن والمكان والثقافات.
وقدَّم الكتاب مع كل معلَّقة خلفية عن الشاعر ومنزلته وحيثيات قصيدته وما دار حولها عبر التاريخ، وربط قصص شعراء المعلَّقات بقصص شخصيات أدبية في آداب وثقافات أخرى، موضحاً الأبعاد المحلية والعالمية والمعاصرة لكل معلَّقة. كما اعتمد أسلوب الشرح – حسبما أشارت إليه مقدِّمة الكتاب – على تقسيم المعلَّقة إلى لوحات فنية منفصلة، ثم صياغة شرح وتأويل كل لوحة على حدة بناءً على التميُّز النسبي لثيمات المعلَّقة.
وفي كل لوحة، يصافح القارئ في الهامش الأيسر قسم اللغة لشرح معاني الكلمات، وذكر المقابلات المعاصرة لأسماء المواقع والأمكنة الواردة في الأبيات كما هو في البيتين الأولين من معلَّقة امرئ القيس المشار لهما آنفاً.. إضافة إلى تعريف مختصر جداً بالشخصيات الواردة في النص. وتحت الأبيات يبدأ الشرح ويتفاوت طولاً وقصراً، لينتهي وقد أوضح الثيمة الرئيسة للوحة، وإسهام كل بيت في تشكيلها.
لقد حظي مشروع الكتاب الناجز والماثل بين أيدي قرَّاء العربية والإنجليزية، ورقياً وإلكترونياً، باهتمام النُخب الفكرية والإعلامية العربية، وما يتمناه كثير منهم هو أن تتعدُّد الترجمات للكتاب بلغات أخرى تشمل أمم الشرق والغرب. ومن واجب الدوائر المعرفية العربية ذات العلاقة بالقرار التعليمي إدخال الكتاب في مناهج التعليم المدرسي والجامعي في الوطن العربي، كونه إنجازاً كفيلاً بربط الأجيال الحاضرة والمستقبلية بموروث أمتنا العربية القومي الأصيل.

محمد محمد إبراهيم


مقالات ذات صلة

يصف الكاتب والشاعر الصيني الفرنسي الجنسية فرنسوا تشنغ، ترجمة الشعر في اللغة الصينية بقوله إن الفنون في هذه اللغة لا تتجزأ، إذ يمارس المترجم الفنان ثلاثة أنواع من الفنون: الشعر والكتابة والرسم. الترجمة هنا فنٌّ مكتمل، يستثمر كافة الأبعاد الروحانية للفنان من الغناء الإيقاعي والتصوير المكاني والإيماءات الطقوسية إلى الكلمات المرئية.

نشكر في البداية جميع الذين كتبوا إلينا خلال الفترة الماضية مهنِّئين بالعيد السعيد أعاده الله على الجميع بالخير واليُمن والبركة، كما نشكر كل الذين تواصلوا مع القافلة سواء بإرسال إسهاماتهم، أو بالتعليق على بعض ما نشرته سابقاً. فمع ترحيبنا بما يردنا من الأخوة القرّاء والكتَّاب من إسهامات، يهمنا أن نوضِّح رفعاً للعتب، أن من شروط النشر في القافلة أن تكون مادة أي موضوع أصلية بالكامل، أي لم يسبق نشرها لا كلياً ولا جزئياً في أية نشرة ورقية أو إلكترونية، وأن تلتزم أبواب القافلة بناحيتي الموضوع والمساحة المخصَّصة له. ونحن مستعدون لسماع أي اقتراح، وللإجابة عن أي استفسار مسبق يتعلق بصلاحية أي موضوع للنشر، وحجمه المطلوب.

 الشرفة جارة القمر  إن العمارة منهج حياة، وفن من الفنون الإنسانية، ومساحة الإبداع فيها لا حدود لها، وحين نرى طرزاً معمارية أصيلة تصيبنا الدهشة، تليها شهقة، وبعدها نقول: يا الله ما أجمل هذا المعمار! هنا لا بد من الوقوف قليلاً مع ملمح معماري جميل اتسم باللطف والحميمية مع الناس، مع المارة، مع الشارع الذي يطل […]


0 تعليقات على “أكثر من رسالة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *