مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2019

أحتفل بالمثنى في يـيـل


حاتم الزهراني

ما أفعله هو محاولة اختراع تسميات جديدة للأشياء. فالتسمية مهمة الشعراء منذ امرئ القيس الذي كان يكرِّر في معلقته اسماً يخترعه لحبيبته (أفاطم مهلاً)، مروراً بالمتنبي الذي كان يعد قصيدته تسمية لذاته (وَظَنَّ الَّذي يَدعو ثَنائي عَلَيكَ اسمي)، وحتى أدونيس (هذا هو اسمي)، ومحمود درويش (أنا لغتي، أنا ما قالت الكلمات كن جسدي)، وقاسم حداد والقصيدة دائماً (تسأل ما اسمك)، ومحمد الثبيتي (فمضيتُ للمعنى أحدق في أسارير الحبيبة كي أسميَها). فالتسميات الجديدة تخلق عالماً إدراكياً جديداً، والمجاز- بمعناه العام -هو أداة الشعراء في اختراع التسميات. ولأنه مجاز، أي تجاوز وانحراف عن الطريقة المعهودة في التعبير، فهو يتيح للجميع المشاركة في اكتشاف الاسم الجديد. الشعر يخلق فضاءً تشاركياً تفاوضياً لإنتاج التسميات، ويسمح للجميع بالتأويل.

أتصوّر أنني كنت في حالة شبيهة بما نتخيله عن الأعراف، بين عالمين، لغتين، ثقافتين، وكان المثنى الذي تختص به لغتي الأم، أو أمي اللغة، رمزي الذي أستخدمه مصباحاً لإضاءة تلك الحالة القلقة في عالم البين بين! تتأمل القصيدة في التثنية، ومنها تتفكر في الثنائيات: الرجل والمرأة، الشعر والنثر، الوطن والغربة، المتنبي العربي ولوركا، القصيدة والسوناتة، الفصيح والشعبي، الشعر والكلام العادي، الواقع والحلم، الصلاة والعلمانية، الدال والمدلول، والتراث والحداثة.
أعتقد أن القصيدة لحظةَ ولادتها كانت تظن أن الأمر يمكن ترميزه بثنائية الدم واللسان التي انتهى إليها النص. الدم واللسان هما نصفا الفتى اللذان يتعاونان لإنتاج المعنى، فهل يمكن لكل الثنائيات أن تدخل في علاقة إنتاج مشابهة؟ يسأل النص في خاتمته بينمـا “يحتفـل” بالثنائيــات بوصفها مصـدر ثراء للتجربة البشرية.
كنت أكتب النص وأنا في حالة انشطار لغوي بين العربية والإنجليزية. وبينما كنت أتأمل في الترجمة الإنجليزية لكلمة مثنى (Dual) خطر على بالي مجانسها الصوتي (Duel) الذي يعني المبارزة بين شخصين لإنهاء خلاف ما. وأذكر أنني بينما كنت ألقي القصيدة في نسختها الإنجليزية، وبدأت بالعنوان “Celebrating the Dual at Yale”، لم أستطع أن أزيح عن ذهني مشهد المبارزة الذي يبعثه صوت الكلمة في ذهني. بين المثنّى الذي يحتضن الآخر والمبارزة التي تلغيه. كنت أسافر بين لغتين، ثقافتين، ورؤيتين للعالم.
تأثرت تجربتي بكثيرين: باللغة القرآنية العليا، بامرئ القيس ورفاقه، بالمتنبي الذي رافقته ثلاث سنوات كاملات قراءة وحفظاً واستيعاباً لشروحه ومآخذها، بالحداثة الشعرية العربية في أسمائها الكبرى، بكبار الرواية العالمية، بلوركا، إليوت، إدغار ألن پو، وإزرا پاوند، وكنت ولا أزال مغرماً بنصوص والس ستيڤنز الذي طلب من الشعراء أن يكتبوا قصائد أرض عظيمة لأن قصائد السماء قد تمت كتابتها! تأثرت أيضاً بالفولكلور، الجنوبي تحديداً في السعودية، بالقصيدة الشعبية، وبالأغنية المعاصرة، وتحديداً بالإنجليزية منذ أن سافرت إلى أمريكا. قلت لأحد الأصدقاء يوماً: قصيدتك كتبت تحت تأثير “الأرض اليباب” لتي إس إليوت؟ هذا جيد، ومبروك حقيقةً! قصيدتي “مجاز ناقص” كتبت بتأثير أغنية إد شيرن: “What Do I Know”.
أما نص “أحتفل بالمثنى في ييل” فلم يكن له أن يكون في الصفحة التالية قبالة عينيك لولا أغنية كولدپلاي: “Fix You”.

محملةً بالرضا،
بالأماني

بتذكرةٍ لا تسجل أسماءَ من ودعوكِ
لأن ملامحهم في مرايا الغيوم
وأصواتَهم بُـحةٌ
في 
    فراغ 
          المكانِ

بلاميّة خانت المتنبي،
بسوناتة لم تُـقـَـبِّـلْ نيرودا،
ببضع قصائدَ شعبيةٍ،
وكلامٍ
تبوس يديه الأغاني

بإصدارِنا الواقعيّ من الحلمِ
كي نتوافق مع نهم الجدول الأمريكيِّ
ومسطرة اليومِ في يــيـلَ، 

أو سأقولْ:

أو سأقولُ: أقبِّل عينيك ثانيتين
 قبيل الخروج،
وأنسى بوجهك قلبي.

أعودُ
لآخذ قلبي معي،
فأقبّل عينيكِ
عشرَ ثوانِ!

بدفتريَ الرقميّ الذي
لا يسجل إلا صوابي الأخير. 

و … خطي الحميم؟
                     معاركُ نفسي معي؟
                                          نزوةُ الكلمات؟
                                                          تعرّجُ خطِّ الكتابةِ؟

بصورة وجهي الجديدِ (ولستُ مجازاً)،
بصورته يتمرن كل صباحٍ بمرآة عينيكِ:
كيف يمد ابتسامته للغيومِ
وكيف يُـطيّر بالونةً
باتجاه الحنانِ

وحين تـَـعَـلْـمَـنـَـتِ الصلواتُ
وصار اليقين مناسبةً للحديث عن الدالّ حين يحيل إلى نفسهِ،
قبضتُ على جمرة القلب،
آمنتُ بالحب،
وجَّهتُ نافورة للسماء:


لقد رضي الله عن كل بنتٍ تذكِّرني بالعيون التي لستُ أنسى…

لستُ أنسى بأنّ شبيهاتها،
في احتراق البكاء الذي لا يليق سوى بالرجال،
تسرّبن من فتحات الدخانِ!”


وفي زمن الشعرِ
(ليس زمانَ الروايةِ!
هذا كلامُ الذي، حين أعجزه المعجمُ المتوسعُ في الهذيانِ البديعِ المكثّفِ، جرّبَ عجن المعاني!)

وفي زمن الشعرِ أسألها عن غيابي.

تقول: “و…ماذا لديكَ؟!؟”

  • وماذا لديّ إذا لم تكوني معي؟

لديّ الكثيرُ،
لديّ
دمي ولساني،

لديّ
     دمي    
          و
لساني.
……………….


حاتم الزهراني
• ولد بمكة المكرمة عام 1982م، نال شهادة الثانوية العامة من مدارس الفلاح بمكة عام 2000م.
• شاعر ومحاضر في الأدب العربي بجامعة أم القرى، حاصل على الدكتوراة في الأدب العربي من جامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى عمله باحثاً مساعداً في الجامعة نفسها.
• له ديوان شعري وكتاب في النقد الأدبي صدرا معاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 2010م.


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “أحتفل بالمثنى في يـيـل”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *