مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2019

آفاق البلاغة


وائل العمري

لو قدِّر لك أن تسأل المتذوقين من الجماهير المحبَّة للبيان والأدب، شعره ونثره، وهم يطربون لإلقاء شاعر يعزف حروفه لحوناً شجيَّة، أو خطيب مفوّهٍ يلقي شظايا كلماته، ليلهب قلوب مستمعيه: ما الذي يجعل المبدع بليغاً؟ وما البلاغة؟
قد يبدو السؤال سهلاً، وتبدو إجابته قريبة بدهية، بأنه الكلام المؤثر الجميل، غير أن كلمة التأثير هنا لها أبعادها المختلفة في بلاغات الأمم، وفي البلاغة العربية.
علينا أولاً أن ننطلق من مسلَّمة أن البلاغة سمة نسم بها الكلام حين يكون مؤثراً في حيّز التداول، أي إننا نعني بها وسم الكلام المؤثر في حالة الاستعمال بين طرفين، الأول المبدع سواء أكان شاعراً أو خطيباً أو قاصاً، والآخر المستقبل سواء كان فرداً أو جمهوراً عريضاً.
ونؤكد على هذا المفهوم؛ لأن للغة داخل السياق مواضعات تختلف عن خارجه، فهي في السياق تتأثر بعوامل غير لغوية، تخضع للموقف، وما يلتبس به، واعتبارات المتكلم ومكانته، وعلاقته بالمستقبِل، والحالة الوجدانية والثقافية والاجتماعية لكل منهما، وعوامل أخرى معقَّدة ليس هذا مقام التفصيل فيها.
نعود مرة أخرى لنقول: إن التأثير في مفهوم البلاغة يستهدف القلب والعقل. فالقلب يستميله الجمال، الذي يتوسل بالعبارة المدهشة في أصواتها، وجرسها، وعذوبتها، وإيحاءاتها، وفي التراكيب وبناء الجُمَل، وفي الصور التي يقتنصها المبدعون برهافة حسهم، وقوة ملاحظتهم، وكأنهم يجلون عن الخبيء المستور عن أعين الناس ما تدهش له النفوس.
وفي المقابل يغفل بعض المتذوقين أن ثَمَّة بعداً آخر للتأثير يستميل العقل، فيستعين بالبرهان والحجة، والمنطق، فالدهشة تقبل من حركة عقل صاحبه، وذكائه في التقاط الأفكار والبرهنة عليها، وإقناع المتلقي المستمع أو القارئ العاديّ، المحاور في الحوار، أو الخصم في الجدل، فيحاجه، ويفحمه بقوة المنطق، وصحة الاستدلال.
وفي هذا البُعد الأخير آفاق واسعة للبلاغة تحاول أن تجيب عن الأسئلة المتعلقة بالتأثير وآلياته في مجالات حياتية مختلفة، فتفيد تطبيقاتها في صناعة الإعلان، والتسويق؛ لأنها تقوم على مبدأ إقناع المستهلك سواء أكان ذلك باللغة، أو الصورة أو غيرها من الأدوات الدالة. وتشارك البلاغة اختصاصات أخرى في تفسير الظواهر المتعلقة بقيادة الجماهير، وتحليـل الخطــاب السياسي، والخطــاب الإعلامـي المرئـي والمسمـوع، والمرافعات القضائية وغيرها.
ومن الآفاق الحديثة لهذا النوع من البلاغة عنايته بالخطاب الطبي أو الصحي، وتسليط الضوء على قضايا الاتصال بين الطبيب والمريض، وتاريخه المرضي، واللغة المستعملة في هذا الاتصال، واللغة الساردة للأمراض، والتسويق للأدوية، وغيرها مما يتصل بالخطاب ولغته في هذا الحقل.
أخيراً.. لا تحاول هذه المقالة أن تسم أولئك الذين أشرت إليهم في مقدِّمة حديثي بالخطأ في التصور، وإنما تلفت إلى سعة آفاق البلاغة والدراسات المنجزة في هذا الحقل، وثراء مجالاته التي يمكن فيه أن تسهم بفهم الظاهرة الإنسانية المعقَّدة، بعيداً عن الفصل وانطواء العلوم على نفسها، من دون وضعها في سياقها العام الذي تتعدَّد فيه الأبعاد وتتشابك، كما أشار إليها إدغار موران في (تربية المستقبل).


مقالات ذات صلة

كان “الشرق” بالنسبة لأوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تلك الرقعة الجغرافية الممتدة جهة الشرق والجنوب ناحية البحر الأبيض المتوسط، أي بلاد العرب والأتراك بشكل رئيس. وتعود هذه الصورة بأصولها إلى الماضي ما قبل الإسلامي عندما نظرت الحضارتان الإغريقية والرومانية إلى بلاد الشام والأناضول ومصر على أنها بلاد الشرق (Oriens). ولكن هذه الصورة لم تكن واضحة تماماً في أذهان المعلقين الكلاسيكيين والبيزنطيين، حيث كانت لمفهوم الشرق معانٍ مختلفة، وكانت حدوده دائمة التغيُّر حول حوض البحر الأبيض المتوسط تبعاً لتغير حدود الإمبراطورية، وانضمام الشعوب الساميّة إلى الحركات الحضارية الفاعلة: الهلينستية، الرومانية، والبيزنطية.

السينما ليست أداة ترفيه فقط وإنما هي مسؤولة عن الحفاظ على ذاكرة شعب جنباً إلى جنب مع الكتاب.فعندما يستعرض كاتب تاريخ أرضه، فإنما يحاول الحفاظ على ذاكرة الأرض وبالتالي على ذاكرة الشعب. وأتت السينما لتوثق ذلك عن طريق الصورة والصوت، وتغرس في كل فلم جزءاً من ذاكرة المكان أو الزمان في سياق السرد العام.
لذا، تنبع أهمية السينما السعودية ليس فقط من مناقشة العادات والتقاليد وتعريف العالم بالمملكة وأهلها، وإنما أيضاً من المحافظة على ذاكرة الشعب السعودي من خلال أفلام اجتماعية أو سياسية أو تراثية أو حتى غنائية أو خيالية.

اللغة العربية لغة عالمية بعدد الناطقين بها، وعدد المحتاجين لها من غير العرب، يتعلَّمُونها لأسباب متعدِّدة كالسياسة، والأمن، والاستثمار في التجارة والاقتصاد، وهذا ما أعطاها مكانة مرموقة ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتحتل حالياً مرتبة لا بأس بها على محركات البحث العالمية.


0 تعليقات على “آفاق البلاغة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *