لغويات

نعم.. العربية لغة الضاد
لا لغة الحاء

أمتعتني مجلة القافلة بمقالة عنوانها «العربيةُ.. هل هي لغة الضاد حقاً؟». وعن هذا السؤال أجاب الكاتب الأستاذ غازي خيران الملحم إجابة ممتعة، فيها جديدٌ مفيد. غير أن جديدها يحتمل الحوار. ولمَّا كنت من عشَّاق العربية، فقد خطر لي أن أجيب عن السؤال نفسه إجابة أخرى، لا للنقد والنقض، بل للقيام بحق العربية عليَّ.

خلاصة المقالة المنشورة أن حرف «الحاء» الحلقي «من أصعب الحروف نطقاً على حناجر الأعاجم الذين يلفظونه «هاء» أو «خاء». وهو بذلك يكون الأجدرَ بأن تُنسب إليه لغتنا الجميلة، فنقول بملء أفواهنا: لغة الحاء».

وقبل أن يُفضي الكاتب إلى هذا الرأي الجديد ذكر أبياتاً لأبي الطيب المتنبي وفخري البارودي، تسمِّي العربية «لغة الضاد»، وتفخر بهذا الحرف الفخم، ثم ردَّ على الفيروزبادي وبطرس البستاني لذهابهما هذا المذهب. وحجته في إنكار ما ذهبا إليه «أن الضاد من أسهل الحروف نطقاً بالنسبة للأقوام الأخرى من غير العرب»، وأن حرف الضاد «يَسِمُ جبينَ كلِّ كلمة بمكروه، مثل: ضجر، ضوضاء، ضلال، ضنك، ضنى، ضوى، ضراوة، ضرر». ثم استعرض ما في العربية من ألفاظ «حائية»، وقرَّر أن «حرف الحاء يحتكرُ أشرف المعاني وأقواها»، ومنها «الحرية، الحياة، الحكم، الحكمة، الحلاوة، الحلال، الرحمة».

ولإقرار القارئ أو إنكار ما يقرأ، يحسنُ به أن يُمعن النظر في هذه الحجج محتكماً إلى المعجم وإلى ما يُعرف من لغات عايشت العربية، لكي يقبل ما يقبل، أو يتحرَّج من القبول ويتريَّث.

أولى هذه الحجج -وهي أن الحاء أخصُّ بالعربية من الضاد- تبدو مضعوفةً، لأنه هذا الحرف – على الرغم من صعوبة النطق به – ليس حِكْراً على العرب، فهو الحرف الثامن من أبجديتيْ اللغتين: العبرية والسريانية. يُسميه العبريون «حِيتْ» ويسميه السريانُ «حِيثْ» وبذلك يبطل الاحتكار.

وأدلُّ ما يدلك على شيوعه في هاتين اللغتين انضواء كثير من أسماء المشاهير من اليهود والسريان على هذا الحرف مثل «حرقيال، وحاييم، وحسداي» من العبرانيين، و«إسحاق، ويوحنا، وعدناح» من السريان. وإذا كان اليهود الغربيون يستصعبون نطق الحاء، فعذرهم أنهم ليسوا ساميين، أو أنهم عاشوا في مجتمعات لا تنطقه، فشرقتْ به لَهَواتُهم، وحوَّلته إلى هاءٍ أو خاء.

وربما خالط الحاءُ – ولا أفتي بما لا أعلم – لغاتٍ أخرى جاورت العربية كالآرامية والآشورية والقبطية. وحَسْبُك دليلاً على هذه المخالطة للسان القبطيّ ورودُه في أسماء عدد من الملوك الفراعنة، ومنهم «أحمس، وأمنحوتب، وحورمحب»، فالحاء إذاً ليس وقفاً على العرب. فكيف تتسمَّى به لغتهم؟

أما حرف «الضاد» فقد خلت منه العبرية والسريانية. وإذا قارنت الألفاظ الضادية العربية بما يرادفها من ألفاظ عبرية، وجدت الضاد فيها صاداً مهملة. فكلمة «بيضة» العربية أصبحت في اللسان العبري «بيصا» بالصاد المهملة، بل إن الصاد نفسها ثقلت على اليهود الجدد فحولوها إلى «س» أو «تس». فكلمة «الأرض» العربية تُنطق عندهم «ها آرِصْ، أو ها آرِتْسْ»، وفحوى ذلك أن حرف الضاد يكاد يتمحَّض للعرب، لا يشركهم في نطقه أحد.

وثانية الحجج – وهي أن حرف الحاء يحتكر أشرف المعاني وأقواها – يعُوزُها الإحصاء والاستقصاء. فأنت تستطيع أن تستعرض عشرات الألفاظ إما فاؤها، أو عينها، أو لامها حاء، فإذا هي أحفلُ بالمكاره من أخواتها الضادية. فمِّما أوله حاء «الحرق والحرب، والحميم والحُطَمة، والحُمَّى والحِمام». ومما أوسطه حاء «السحْقُ والمحق، والإحن والمحن، والوحشية والفحشاء». ومما آخره حاء «الجرح والقرح، والنطح والذبح، والفضحُ والترح». فهذه الألفاظ وأمثالها أوتيت من المكاره ما لا قِبَلَ لأحدٍ باحتماله.

وفي ثالثة الحجج – وهي أن الضاد من أسهل الحروف نطقاً – حكمٌ متسرِّع، يمكن الرجوع عنه. فالضاد الخارجة من أفواه غير عربية وآلٌ مفخمة، أو ظاءٌ معجمة.

بل إن تحريف الضاد انتقل إلى ألسنة العرب، حتى صار بعض المصريين ينطقها ظاء مرة (ظابط = ضابط)، ودالاً أخرى (تدحك = تضحك)، وتاء ثالثة «مرفوت = مرفوض). وفحوى ذلك كله أن نطق الضاد يشق على العرب المتأثرين باللغات الأخرى، فكيف نقول: إن الضاد من أسهل الحروف نطقاً؟

والرابعة – وهي أن الضاد يسمُ الكلمات بالمكاره – تعميم غير دقيق. فقد تقع على عشرات الكلمات الضادية الوضيئة بالخير والبشر، الرافلة بنضارة العيش، المرفرفة في روضات الجنان، مهما اختلفت مواضع الضاد فيها. فمن المبدوءة به: «الضياء والضحك، والضحى والضيوف»، ومن التي ورد فيها حشواً: «النضارة والحضارة، والرضوان والغضارة»، ومن المختومة به: «الوميض والغريض، والرياض والفياض».

يسعدني أن أقول بملء فمي: العربية لغة الضاد، لا لغة الحاء.

أضف تعليق

التعليقات

غازي خيران الملحم

استاذي الكريم..بمزيد من المتعة قرات ردكم المفحم على مقالتي..لما يحتويه طرحكم النبيل من تحف لغوية وشواهد توضيحية..تستحق مني الوقوف باحترام واداء التحية..وفق الله..ودمتم بخير..وشكراللقافلةورئيس تحريرها.

غازي خيران الملحم

احمد محمود الشناوي
موضوع فيه جديد يجعلنا نبحث في مصادر اللغة ويحفزنا على التحري واﻻستقصاء..فشكراً للكاتب غازي خيران الملحم والى الدكتور غازي مختار طليمات..