قول في مقال

إلكترونيات واتصالات وإنترنت
مقولات بين الثقافة والمعلومات

نظراً للتطورات المدهشة التي تطرأ كل يوم على عالم الإلكترونيات وبشكل خاص في شقه المتعلِّق بالاتصالات وشبكة الإنترنت، تولَّدت قناعة لدى غالبية الناس «ألاَّ حدود لهذا التطور». وتخبئ هذه القناعة الصحيحة بشكل عام، قناعة أخرى خاطئة، وهي ألاَّ حدود في الأفق ستتوقف عندها التكنولوجيا على الصعيد الثقافي وصياغة ثقافة الناس.
عبود عطية يناقش هذه المقولة، ويرى أن هذا التسليم بالسلطان المطلق المزعوم للتكنولوجيا على الثقافة، يعود إلى خلط بين ماهية المعلومات من جهة والثقافة من جهة أخرى ودور كل منهما.
نعم، لقد حل البريد الإلكتروني محل الكثير من البريد التقليدي، وأخذ النشر الإلكتروني حيزاً كبيراً من النشر الورقي، وبات بإمكان المقيم في صحراء النفوذ أو جبال الهملايا متابعة ما يجري في واشنطن وموسكو مباشرة إذا كان بحوزته جهاز كمبيوتر (عفواً، كان هذا شرطاً بالأمس، أما اليوم، فيكفيه هاتف جوال..!)، ومع ذلك، ثمة حدود غير مرئية لم تستطع التكنولوجيا أن تتخطاها، ولا شيء في الأفق يبشر بأنها ستتمكن يوماً من تخطيها.. إنها الحدود الفاصلة بين المعلومات والثقافة.. هذه الحدود التي أدى انبهارنا بمنجزات التكنولوجيا إلى تعامينا أو إلى إشاحة نظرنا عنها، فأسندنا أكتافنا إلى ما تقدِّمه لنا، متوقعين الكثير. والخوف كل الخوف هو أن نكتشف ذات يوم، قد لا يكون بعيداً، أننا نتكئ على الحائط الخطأ، فيسقط ونسقط معه.

من يستأهل المليون؟
لنترك عالم التكنولوجيا جانباً، ونعود بضع سنوات إلى الوراء، إلى أيام «النهضة التلفزيونية». كلنا نذكر برامج «المعلومات العامة»، التي اكتسحت كل تلفزيونات العالم، وكانت تستضيف بشكل خاص فئة الشباب (من دون أن نستثني كبار السن)، حيث يقوم مقدم البرنامج بطرح أسئلة معلومات عامة، ليكون الفائز صاحب الإجابات الصحيحة. وأطلقت «القوميساريا الثقافية» على هذه البرامج أسماء مثل «الناجحون» و«المتفوقون»، وذروتها كان في «من سيربح المليون»!

لا شك في أن الكثيرين ممن شاهدناهم في هذه البرامج قد أدهشونا فعلاً بسعة معلوماتهم وذاكرتهم القوية، ولكن هل أدهشونا فعلاً بثقافتهم؟

كنا نبتهج للمتباري الذي أصاب في جوابه عن السؤال حول اسم لاعب كرة القدم الذي حقق هدف التعادل في مباراة جرت بين البرازيل والأرجنتين قبل عشرين عاماً. ولكن هل سألنا أنفسنا، وهل تساءل هذا المتباري عن مجال توظيف هذه المعلومة التي يملكها في أي مجال خارج البرنامج التلفزيوني؟ بعبارة أخرى: هل تساءل عن قيمتها؟

في وقت ما يصعب تحديده بدقة خلال الربع الأخير من القرن العشرين، راحت المعلومة المجردة من الوظيفة تكتسب مزيداً من الأهمية على حساب الثقافة التي يفترض فيها أن تكون معبِّرة عن نظرة الإنسان إلى العالم من حوله وسبل الارتقاء به وبالتفاصيل التي يتألف منها هذا العالم نحو الأفضل. ربما يعود ذلك إلى توافر المزيد من وسائل جمع المعلومات، وتزامنه مع انهيار الأيديولوجيات التي كانت محفزة حتى آنذاك، والبرودة المتزايدة التي طرأت على الحرب الباردة عالمياً حتى زوالها، والصقيع الذي ضرب الطموحات العربية محلياً. فبات الكثيرون يتطلعون اليوم إلى الثقافة على أنها مجرد كومة معلومات، وقياس «المثقف» صار يقارن بقياس هذه الكومة، حتى أن جيل الشباب الصاعد اليوم، لا يبدو أنه يمتلك أي تصور للثقافة يتجاوز هذا المفهوم.

الحدود الإلكترونية
على «مستوى المعلومات»، يبدو ألاَّ حدود لما يمكن للتكنولوجيا أن تنشره، لا بل يمكننا أن نذهب بخيالنا إلى اليوم الذي ستسبق قدرتها على النشر والتوزيع قدرة البشرية على إمدادها بمؤلفات ومعلومات جديدة. ولذا تسجل التكنولوجيا نجاحاتها في بعض المجالات، مثل قضمها لجزء ملحوظ من النشر الصحافي، ولجزء (آخر قد يكون أقل) من الكتاب المطبوع.

أما على «المستوى الثقافي» فالمسألة مختلفة تماماً.

لقد بتنا متأكدين منذ سنوات أن فعل «القراءة الثقافية» هو عمل معقَّد أكثر بكثير من أن «يُشبع» تماماً من خلال الجلوس أمام شاشة الكمبيوتر. ويمكن لمن يرغب بالتوسع في الاطلاع على تعقيدات فعل القراءة العودة إلى كتاب الأرجنتيني ألبرتو مانويل «تاريخ القراءة»، الذي يصل إلى حد ربط القراءة المثلى لبعض الكتب بنوعية الإنارة في الغرفة.. فالقراءة الثقافية مرتبطة بجملة عوامل واستعدادات نفسية ومزاجية تختلف كثيراً عن بعضها البعض، وهي ليست واحدة لدى قراءة تصريح مسؤول سياسي حول شأن اقتصادي، وقراءة قصيدة لابن خفاجة الأندلسي.

وطالما أننا وصلنا في حديثنا إلى الشعر، يمكننا أن نستطرد ونشير إلى مثل قد يكون أوضح بالنسبة إلى وجداننا الذي يحتل فيه الشعر مكانة كبيرة. فعلى صعيد النشر، لا حدود في الأفق لكمية الشعر الذي يمكن نشره إلكترونياً، ولا حدود أيضاً لازدياد السهولة أمام الباحث عن قائل هذا البيت أو ذاك، ولا حتى لمن يريد أن يطلع على نوعية قصائد شاعر جديد لا يعرف عنه شيئاً. ومع ذلك لا يستسيغ الكثيرون قراءة الشعر على الإنترنت. ولماذا؟ لأن القراءة من خلال الكمبيوتر تتضمن قسرية وجملة خطوات عقلانية باردة مثل الأوامر «Click Here» التي تتكرر بضع مرات قبل الوصول إلى الصفحة.. ومثل هذه الأوامر تطيح بالمزاج الشخصي والاستعداد النفسي للتفاعل مع عمل أدبي يتوجه أولاً إلى المزاج وأعماق النفس.

وإذا كان هناك من يرغب في «مجادلة» هذا الرأي، فيمكننا أن نحيله إلى القضية التي تطرحها الثقافة الفنية التي هي جزء أساسي من كل ثقافة حية.

لقد ظهرت الطباعة الملوَّنة في النصف الأول من القرن العشرين. وقبل أن يحل نصفه الثاني، كانت كل لوحات كبار الفنانين في شتى متاحف العالم، قد صورت وطبعت صورها في الكتب وعلى شكل ملصقات. ولكن الاطلاع على صور هذه اللوحات بقي مجرد تغذية معلومات عامة، إذ إنها لم تقم يوماً بدور المتاحف، ولم تزعم لنفسها الحلول محل المتاحف. فبقي الملايين يتدفقون على زيارة هذه المتاحف للاطلاع على اللوحات الأصلية. هذا الاطلاع الذي يبقى شرطاً ضرورياً للثقافة، لا يمكن للمعلومة أن تلبيه.

وما سقناه على فن الرسم ينطبق أيضاً على الموسيقى. فظهور الراديو والأسطوانة وأشرطة التسجيل، وحتى الأجهزة السمعية الأكثر تطوراً لم يحل محل الحفلة الموسيقية والسماع المباشر.

وإلى فن الرسم والموسيقى يمكننا أن نضيف المباني التاريخية والمواقع الأثرية على سبيل المثال، فهل مشاهدة الأهرامات أو قصر فرساي على شاشة الكمبيوتر يؤدي إلى النتيجة نفسها التي يؤدي إليها الوقوف الفعلي أمامها، وما يمكن لذلك من أن يتركه في النفس من أسئلة وانطباعات؟

إن المعلومات، كل المعلومات المتوافرة على شبكة الإنترنت اليوم، وتلك التي ستضاف إليها خلال المليون سنة المقبلة، ستبقى مجرد مادة أولية لصياغة الثقافة.. الثقافة القادرة على أن تنطلق من المعلومة إلى استنباط فكرة، معتمدة في ذلك على القدرات الذهنية والطموحات والأسئلة التي لم يسبق لها أن بُرمجت إلكترونياً.. ولكي يكون هذا الفعل ممكناً تحتاج نفس المثقف، وذهنه أيضاً، إلى تغذية يستحيل على التكنولوجيا أن تؤمنها لها.

أما من يعتقد أن التكنولوجيا تغنيه ثقافياً عن زيارة المتاحف والحوار الحي في المنتديات، وقراءة الكتاب الورقي، والوقوف وسط المواقع الأثرية، فعليه أن يعلم أن ثقافته ليست أكثر قيمة من أي قرص مضغوط.. وكل الأقراص المضغوطة متشابهة.. ورخيصة.

أضف تعليق

التعليقات