الثقافة والأدب

علي الراعي
والديوان الجديد للعرب
الناقد الذي أوفى الرواية العربية حقها

بموازاة الطفرة في عالم الكتابة الروائية في العالم العربي, هناك طفرة في نقد الرواية العربية في الصحف والمجلاّت. وتتعدَّد مناهج النقاد بتعدد الميل والهوى ولا سيما الثقافة الشخصية. ولكن الكثرة لم تطمس التمَيُّز. وحتى اليوم لا يزال اسم الدكتور علي الراعي الذي غاب عنَّا قبل ثماني سنوات, من أبرز الأسماء في عالم النقد, إن لم يكن أبرزها على الإطلاق, لا للمنهج الذي اعتمده في النقد فقط, بل للشمول الذي ميَّز جهوده في هذا المجال أيضاً, ولحنوه الأبوي الفريد من نوعه على الرواية العربية التي عدَّها ديوان العرب الجديد.
نجاح طلعت تحدثنا عن مكانة الرواية العربية المعاصرة عند الراعي, والمنهج الذي اتبعه في نقدها, وأبرز ثمار عمله في هذا المجال, والحاجة إلى من يكمل الديوان الذي بدأ هذا الناقد العربي الكبير بجمعه.

لم تحظَ الرواية العربية المعاصرة بتقدير كالذي حظيت به عند الدكتور علي الراعي, حتى أنه عدَّها ديوان العرب المعاصر, خلفاً للديوان الذي شكَّله الشعر قديماً.
شغله الأدب عموماً طول حياته, مع تركيزٍ ملحوظ على المسرح ونقد الرواية.. وفي المجال الأخير, كان كتابه الرواية في الوطن العربي الذي صدر في طبعته الأولى عام 1991م عن دارالمستقبل العربي, عملاً فريداً يستحق أن تسلَّط عليه الأضواء اليوم, كما بالأمس, نظراً لغزارة الكتابات النقدية في وقتنا الحاضر, ولتنوع مناهجها, وزوايا مقاربتها للرواية العربية المعاصرة.

من التدريس إلى الكتابة
ولد علي الراعي في محافظة الإسماعيلية في العام 1920م, ودرس الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة التي تخرَّج منها عام 1944م. ثم حصل على منحة دراسية مكنته من الحصول على شهادة الدكتوراه من جامعة برمنجهام البريطانية, وكان موضوع أطروحته في ذلك حول الأديب الإنجليزي الساخر جورج برنارد شو.

تأرجح انشغال الدكتور علي الراعي بعض الوقت بين التدريس الجامعي وبعض الوظائف الحكومية من جهة, والكتابة من جهة أخرى.

فقد عمل بعض الوقت مقدِّم برامج في الإذاعة المصرية, ورئيساً لهيئة الموسيقى والمسرح التي كانت تتبع وزارة الثقافة, وأسهم في إنشاء عدد من الفرق الموسيقية. كذلك درَّس الأدب المعاصر في كلية الآداب في جامعة عين شمس.

في العام 1968م, استقال الراعي من عدد من الوظائف الحكومية التي كان يشغلها, لينصرف إلى الكتابة, التي كان من أبرز ثمارها آنذاك كتابه دراسات في الرواية المصرية الذي صدر عام 1964م, وتناول فيه أبرز الأعمال الروائية بدءاً بالمويلحي وصولاً إلى ثلاثية نجيب محفوظ.

ولكن الراعي عاد إلى التدريس في العام 1973م, عندما سافر إلى الكويت لتدريس الدراما المعاصرة عشر سنوات تقريباً. إلا أنه عاد إلى القاهرة لينضم إلى أسرة مجلة روز اليوسف , ثم المصور ، وأخيراً جريدة الأهرام .

وحظي الراعي بثقة قرَّاء الأهرام , فكانوا يقبلون على قراءة الأعمال الروائية الجديدة التي يتناولها بالتقدير. إذ وجدوا في منهجه وأسلوبه خطاباً مباشراً وواضحاً, يتوجه إليهم ليكشف عن مواطن الجمال وقيمتها في أعمال روائية تفتحت عنها المواهب الشابة. وكان تناوله لأي عمل روائي بالنقد والتقدير أشبه بشهادة جامعية تعطى للصاعدين من الروائيين العرب.

بلغ عدد الكتب التي وضعها الراعي للمسرح وفيه نحو 50 كتاباً. وترجم أعمالاً لمشاهير الكتَّاب العالميين من أمثال تشيكوف وإبسن. غير أننا سنتوقف في هذه المقالة أمام كتابه الرواية في الوطن العربي .

84 رواية من المحيط إلى الخليج
لتعريف العرب بالعرب
يقول الدكتور علي الراعي في تعريفه بهذا الكتاب, الذي نشر على غلافه الخلفي, إنه يرمي إلى تقديم صورة بانورامية للإبداع الروائي في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج:
فرغم التمزق الحالي لا يزال ممكناً لهذه الصورة أن ترسم, لأن مئات من الروائيين العرب قد انكبوا منذ زمن -أكثر من نصف قرن على الأقل- على توفير أجزائها. واليوم هي جاهزة للتجميع والعرض في كل عواصم العالم .

كذلك يسعى هذا الكتاب إلى أن يعرِّف العرب بالعرب على قول المؤلف. ويبتغي أن تصبح الكتابة النقدية بهيجة وممتعة, مثلما أن الكتابة الإبداعية هي كذلك .

ويختتم الراعي كلمته هذه بالقول:
إن الرواية العربية الآن هي أهم قنوات الإبداع العربي, وأكثرها حساً بهموم الناس, وأجدرها بأن تجمع حولها حشوداً من القرَّاء يجدون فيها بحق الديوان الجديد للعرب .

وتتجلى حماسة الراعي للرواية العربية المعاصرة ما إن تقع عينا القارئ على العنوان المدهش الذي يعلو المقدمة ويقول: المجد للرواية العربية .

ويخوض الراعي في هذا الكتاب غمار أربع وثمانين رواية عربية معاصرة. حلَّل أجزاءها وأعاد تركيبها وفق منظور نقدي خاص, وذلك في أسلوب واضح مشع, تكاد تكون سلاسته أقرب إلى الحديث القصصي الممتع.

منهج النقد عند الراعي
في صفحات قليلة, نادراً ما يتعدَّى عددها أصابع اليد الواحدة, وبأسلوب مشرق, سريع, شفاف, يجعلك علي الراعي في قلب حدث من أحداث الرواية, ثم يبدأ بجمع خيوطها العريضة من هنا ومن هناك, ومن دون أن تشعر, فيستقيم لك فهم الرواية بكاملها.

وبأسلوب أدبي ممتع, مبتعد عن التقرير, يجذب الراعي قرَّاءه من مقدماته؛ فاسمعه يبدأ نقده لإحدى الروايات الشمس في يوم غائم بما يلي:
قال الخياط للفتى: أفهمك. أنت زهرة في حقل من الشوك. وردد العبارة ثلاث مرات. أدرك الفتى من تقطيبة وجه الخياط المفاجئة, أنه يحمل حقداً مريراً على هذا الشوك .

أو يبدأ بالتالي:
في عرس الزين, يجلس الطيب مع شعبه, على الأرض, يتحدث معهم, ولا يكتفي بالحديث عنهم, إنه بكل معنى الكلمة واحد منهم, عارف بعاداتهم, مطّلع على خباياهم, عاطف على أحزانهم، فاهم لآمالهم. ولكنه كذلك ينقدهم, مَثل طيب وهو من أمثلة الفنان المنشغل المحايد كما نقول في النقد. يسع صدره الطيب والخبيث من الشخصيات, ويعطي كلاً حقه, ولكنك تتبين من خلال نظرته -الفنية أساساً- خبث الخبيث وطيبة الطيب.

من هذا التمهيد نعرف أنه سيحلِّل أشخاص الرواية, فهو لا يعبأ إلا بالعنصر البارز من عناصر الرواية، أكان حدثاً, أو قضية, أو شخصاً من أشخاصها ولا يحمِّل أي رواية أكثر مما تحتمل.

يضع الراعي نصب عينيه أن القارئ يجهل الرواية التي هو بصددها, ومن هذا المنطلق يأخذ على عاتقه إفهامه أحداث الرواية أولاً, ثم نقدها ثانية.

وهو في كل هذا يندمج اندماجاً كلياً فيما يكتب وما ينقد فيصبح هو الراوي الذي يحلل من طريق السرد, وينقد من خلال تحليله فيأتي نقده عفوياً ومباشراً.. يصبح حديثاً من القلب إلى القلب.

وهو أيضاً, لايتباهى بغناه الثقافي المتنوع, ولا تراه يجتهد ليقحم نظريات في النقد المقارن فيما يكتبه ليقال عنه إنه مطلع على الثقافات الأخرى, ولكن, إذا ما استدعى العمل الروائي المقارنة, يأتي بذلك على خلفية خفيفة الظل. فهو يبدأ نقده, مثلاً, لإحدى الروايات هكذا:
ابتكر كل من سرفانتس الإسباني, وفيلنج ديكنز الإنجليزي أسلوباً خاصاً في النظر في أحوال أدنى الناس في سلم المجتمع. أسلوباً يجمع بين النقد اللاذع والسخرية العطوف, والحب المبطن لمن شاءت أقدارهم أن يقعدوا على أدنى درجات هذا السلم .

ثم في فقرتين متتاليتين يعرض لأسلوب كل من سرفانتس وديكنز من خلال التمثيل بقصة من قصصهما, موضحاً ما يقصده في الفقرة الثالثة, حتى يربط بين أسلوبهما وأسلوب من ينقده فيقول:
استخدم محمد مستجاب شيئاً من هذا الأسلوب في روايته الطريفة: التاريخ السري لنعمان عبدالحافظ .

أو تراه يقول في مقدمة نقده لرواية أخرى:
في رواية الأخت لأب وقصة سطور في دفترالأحوال , للكاتب عبدالحكيم قاسم ظاهرة مشتركة توقَّفت بعضاً من الوقت أتأملها. الموضوع في العملين هو الريف المصري وما يدور فيه من أحداث .

والناقد يتمتع بـ بوصلة حساسة , أو قل هي رادار يخوله أن يلتقط جملة من حوار, أو قول مكرر, فيبني على ذلك نقده. فهو لم يتردد في أن يبدأ نقده لإحدى الروايات بالفقرة التالية:
من شعر بابلو نيرودا يردِّد حليم بركات: هذه هي الأرض التي أغرقَت جذورها في شعري. عميقاً في داخلي كما في تلك البحيرة المفقودة, تسكن رؤيا طائر . أما الأرض التي مدت جذورها في كل ما كتب حليم بركات في روايته فهي أرض العرب. وأما الطائر الذي يسكن عميقاً في داخله فهو طائر الحوم .

وإنك لتلاحظ أن علي الراعي في معظم نقده
لا يهمه التحدث عن مؤلف الرواية بصفته منتجاً
للعمل، فلا يذكره لا بتكرار اسمه هنا وهناك, ولا بضمير الغائب, وكأني به يعلن في ذلك أن نقده موجه إلى العمل الروائي نفسه لا إلى مؤلفه. فهو لا يريد أن يُحملَّه تبعة عمله من خلال النقد, وكأن العمل الروائي خرج وصار قائماً من تلقاء نفسه. أوليس هذا قمة الموضوعية في النقد؟!

لا نرى حكماً نقدياً أو تقييماً للعمل إلا في خاتمة النقد، موجزاً ومقتضباً, حاملاً معاني كثيرة في كلمات قليلة. فالناقد يقول مثلاً:
هذه رواية شجاعة, مرهفة الحس, تحب الإنسان حتى الجنون, وتتفجع لمصيره حين تصادَر حريته وسعادته.. .

أو يقول:
هذه رواية تحترم الإنسان الفلسطيني وتهفو إلى نجاح قضيته, وتصوِّر نضاله غنياً يخلو تماماً من الخطابة ورفع الشعارات.. .

ولا يتردد في المجاهرة برأيه الشخصي في العمل عندما يكون الرأي شخصياً, فهو يقول في نهاية نقده لرواية حجر دافئ إنها تحمل:
راحة واضحة خَبِرتُها أنا شخصياً حين وجدتني أقرأ رواية معاصرة لا تختلط فيها الأزمنه والأمكنة والأفكار بداعٍ حيناً ومن غير داعٍ في كثير من الأحيان وليس هذا بالفضل القليل! .

ويتميز الناقد إلى جانب كل ما ذكرنا بالصراحة اللبقة, أو قل إن لباقته لم تمنع صراحته. فهو عندما أراد أن ينقد رواية ليلى عثمان قال:
.. وليلى عثمان تكتب القصة من سنوات. لها أكثر من مجموعة. غير أنها -فيما أعلم- لم تكتب الرواية من قبل. لهذا أقبلتُ على قراءة المرأة والقطة في ترقب وحذر معاً. دائماً أحس بقلق إذ أقرأ العمل الأول لأديب ما. أخشى أن يخيب ظني, فأضطر إلى الصمت عنه. والصمت عندي يكون أحياناً أشق من الكلام! غير أنني ما لبثت أن تركت القلق والحذر جانباً, إذ مضيت أقرأ الرواية.. .

والراعي وإن رأى أحد الجوانب المقصرة في رواية ما يستحق التوقف عنده, أشار إلى ذلك غير متردد, لكن يبقى حبه وشغفه بالرواية حاثاً له على اكتشاف الكنز المدفون في كل رواية عربية, وهو يعلن ذلك بقوله:
عندما قلت من سنوات على صفحات المصور إن منجزات مهمة تجري الآن في حقل الرواية العربية, لم أكن أعلم أنني إنما كنت أقف على حافة كنز زاخر, كنت أرى بداياته ولا أقدِّر تماماً مدى الثراء العريض الذي يحويه. توالت الروايات المهمة منذ ذلك العام، عام 1983م روايات كتبت في مصر وفي باقي أجزاء الوطن العربي. كلها مشوقة, مثرية, تفتح الآفاق أمام الإبداع العربي وتضيء الأرواح والعقول العربية في كل مكان. روايات كتبها مبدعون من كل الأجيال .

بهذه النظرة وبهذا المنهج يتعامل الراعي مع الروايات الأربع والثمانين التي جمعها من مشرق الوطن العربي ومغربه, من مصر إلى العراق, من المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين إلى المغرب وتونس والسودان, ومن لبنان وسوريا إلى اليمن وليبيا…

ونختتم هذا الجانب بالإشارة إلى ما كتبه محمود أمين العالم ذات مرة عن مدرسة الراعي في النقد الأدبي قائلاً: إنها مدرسة في النقد الأدبي أجدها أفضل وأكثر توصيلاً إلى القارئ من هذه المثلثات والمربعات والحسابات الكمية والأنساق المغلقة التي تعمي رؤية العمل الأدبي وتغيِّب جمالاته .

من يكمل الديوان الجديد للعرب؟
حتى وقت طويل, سيبقى كتاب الرواية في الوطن العربي من أفضل ما كتب في الرواية العربية المعاصرة, وأوسع مسح بانورامي لها. ولكن هذا الكتاب نُشر في العام 1991م كما أسلفناً. ومنذ ذلك الوقت ظهر كثير من الروايات العربية, وخاصة في الجزيرة العربية, تتكامل مع ما سبقها من روايات في رسم صورة الوطن العربي, وما طرأ على حياة الإنسان فيه وعلى همومه وقيمه من تحول. أفلا يستدعي ذلك أن يضم النقاد ما استجد في عالم الرواية إلى ما جمعه الدكتور علي الراعي, من أجل تحديث هذا الديوان الجديد للعرب, كي يبقى مستحقاً اسمه فعلاً.
لعل ذلك يتطلب ظهور دكتور علي الراعي آخر.

أضف تعليق

التعليقات