ديوان اليوم

صورة الثور الوحشي
عند الأخطل والنابغة

  • 74a

قلمّا تخلو قصائد شعراء ما قبل الإسلام وما بعده من لوحة بديعة تمثل الثور الوحشي الذي تهاجمه كلاب صيّاد جائعة، فيصارعها وينتصر عليها. نجاح طلعت تتناول هنا هذه الصورة التي تشابهت بل تكررت عند شعراء كثيرين، وتعرضها كما وصلتنا من الأخطل والنابغة.
إنَّ صورة الثور الوحشي تأتي على لسان الشاعر في معرض وصفه ناقتة، فهو يشبّهها في الصحراء بهذا الثور القوي المنتصر بعد معركته الضارية.
البديع في هذه الصورة أنها أشبه بحكاية مكتملة العناصر: فالمكان هو الصحراء، وبالتحديد تحت شجرة أرطى، والزمان هو الخريف الممطر أو الشتاء، أما الاحتماء من المطر فيكون ليلاً، ومهاجمة الكلاب تكون مع انبثاق الصبح. الحدث الذي يحبس الأنفاس هو أن الصياد خامر جائع والكلاب غضف سلوقية، والثور خائف متردد. لكن الحل يبدأ مع قرار الثور بالتخلي عن جبنه والكرّ على الكلاب وطعنها بروقيه حتى يقضي عليها. أما العجيب في هذه الصورة الحكاية هو أنها تأتي مكررة تكراراً شبه تام، وتطابق عناصرها تطابقاً تاماً، وذلك في شعر بشر بن أبي خازم، وزهير، وامرئ القيس، والأعشى والنابغة والأخطل وذي الرمة وغيرهم كثر.
ما أصل هذه الصورة؟ وما سبب تكرارها؟ لا نعرف تماماً، وإن كان البعض يزعم أنها مستمدة من أسطورة كانت شائعة في القدم في الجزيرة العربية، لكن لا دلائل ملموسة على هذا الافتراض حتى الآن.

وهنا أرغب أن أورد الحكاية كما جاءت في شعر للأخطل مع التوقف قليلاً لشرح بعض الألفاظ، ثم سأورد الحكاية كما جاءت في شعر النابغة الذبياني لنرى مدى تطابقهما. فالثور هو دائماً أبيض الظهر وتتخلل الساقين خطوط سوداء. وهو قلق متوجس، يحتمي من حر الصيف بنباتات ظليلة وأعشاب تخضب قوائمه. ودائماً يحتمي من المطر المصحوب بالرياح والبرق والرعد بأرطأة. يقول الأخطل:
أو مُقْفرٌ خاضبُ الأظلافِ قادَ لَهُ
غيثٌ تظاهرَ في مَيْثاءَ مِبْكارِ
(مقفر: هو الثور الملازم للقفر. الغيث هنا: البقل. الميثاء: الأرض السهلة. المبكار: المعبأة بالنبات)
فَبَاتَ في جنْبِ أرطاةٍ، تُكَفِّئُهُ
ريحٌ شاميةٌ هبّتْ بأمطارِ
(أرطاة: نوع من الشجر ينبت في الرمل)
يَجُولُ ليلتَهُ، والعينُ تضرِبُهُ
فيها بِغَيثٍ، أجشِّ الرعدِ نَثَّارِ
(عين السماء: السحب. النثّار: الشديد القذف لقطرات المطر)
إذا أراد، بها، التغميضَ أَرَّقَهُ
سيلٌ، يدُبُّ بهدْمِ التُّربِ، مَوَّارِ
(موار: الثائر)
كأنّه، إذا أضاءَ البرقُ بهجتَهُ،
في أصفهانيّةٍ، أو مصطَلِي نارِ
(البهجة: حسن اللون)
أما السَّراةُ فمِنْ ديباجةٍ، لَهَقٍ
وبالقوائم مثلُ الوشْمِ بِالقارِ
(السّراة: أعلى ظهر الثور. لَهَق: شديد البياض. الوشم بالقار: أي العلامات السوداء في قوائمه)
حتى إذا انجابَ عنه الليلُ، وانكشَفَتْ
سماؤه عن أديمٍ، مُصْحِرٍ، عاري
(أديمه: جلده. مصحر: ظاهر)
آنس صوتَ قنيص، أو أحسَّ بهِمْ
كالجنّ، يهفون، من جَرْمٍ، وَأَنمارِ
(آنس: سمع. القنيص: الصيادون. يهفون: يسرعون. جرم وأنمار: قبيلتان)
فانصاع، كالكوكبِ الدُّرّيِّ، ميعَتُهُ،
غَضبَانَ، يخلِطُ من مَعْجٍ وإحضارِ
(ميعته: سرعته. معج: نوع من العدو. الإحضار: العَدْوُ الشديد)
فأرسلوهُنَّ، يُذْرين الترابَ كما
يُذْري سبائخَ قطنٍ نَدْفُ أَوْتارِ
(الضمير هنا يعود إلى الكلاب التي أرسلها الصيادون. السبيخة: القطعة)
حتى إذا قُلْتُ: نالَتْهُ سوابقُها
وأرهقَتْهُ بأنيابٍ وأظفارِ
(سوابقها: مقدمات الكلاب)
أَنْحَى إليهنَّ عيناً، غيرَ غافلةٍ
وطَعْنَ محتَقِرِ الأقرانِ، كَرَّارِ
(أَنْحَى: أمال. الأقران: جمع قرن وهو المكافئ في الشجاعة. الكرار: الكثير الكر على العدو.)
فَعَفَّرَ الضارياتِ اللاحقاتِ بهِ
عَفْرَ الغريبِ قِداحاً بينَ أَيْسارِ
(عفر: مرّغها بالتراب. الضاريات: الكلاب الضارية)

أما قصيدة النابغة فتأتي فيها الصورة على الشكل التالي:
كأنها بَعْدَ جَهْد العيْنِ إذْ ضَمَرَتْ
مُوَلّعٌ لَهَقٌ في وجهه خَنَسُ
(كأنها: يعود إلى الناقة. مولع: المخطط القوائم) يشبه الناقة بالثور
بَاتَ إلى حِقْفِ أرطَأَةٍ تُصَفِّقهُ
ريحٌ فلمّا انجلى عن شخصِهِ الغَلَسُ
صادَفَ خوطاً قليلَ اللحم مُغْتدِياً
من أهلِ دومَةَ صيدَ الوحشِ يَلْتَمِسُ
(خوطاً: أي صياداً ذا جسم خفيف. مغتدياً: ذاهبا)
أشلَى كِلاباً فلم تنكُلْ وأَجْرِيهَا
غُضْفاً نواحِلَ في ألوانِها غَبَسُ
(تنكل: تجبن. أجريها: جمع جرو. غضف: جمع أغضف وهو الكلب المسترخي الأذنين. الغبس: لون الرماد)
فَاشْتقَّ تحمِلُهُ رُحُّ ويحمِلُها
وهو بِذُعْرٍ من القُنَّاصِ مُنْتَخَسُ
(اشتق: عدا. رح: صفة لأظلافه)
حتى إذا كان من أفواهها كَثَباً
مَاطَلَتْهُ ضِرَاءٌ كلُّها حَنِسُ
(كثباً: قريباً. ماطلته: ضربته. حنس: شجاعة)
كَرَّ وقد لَحِقَتْ منها سَوابِقُها
كأنّه مرزُبَانٌ مُغضَبٌ مَرِسُ
(مرزبان: الفارس الشجاع. مرس: شديد المراس في القتال)
يهزُّ لَدْناً يذُبُّ الضَّارياتِ بهِ
فَهُنَّ شتّانِ: مجروحٌ ومنحَدِسُ
(لدنا: أي قرناً لدناً وهو اللين. يذب: يدفع. منحدس: مصروع)
أرْدَى أوائِلَها طَعْناً فأقصَدَها
ففي التوالي إلى كَلاَّبها شَوَسُ
(أقصدها: قتلها. كلاَّب: صاحب الكلاب الذي يعلمها الصيد. شوس: النظر بإحدى العينين يفعله من الغضب)
وَانْصاعَ كالكوكبِ الدُّرّيِّ مَيْعَتُهُ
كَما تضَّرمَ وسْطَ الظلمة القَبَسُ
(انصاع: مضى مسرعاً. ميعته: أول جريه. أراد توقدّه من الجري كتوقد النار في الظلام).

أضف تعليق

التعليقات