بيئة وعلوم

شبكات الند للند
كل الفنون والمعارف مجاناً

  • 42a

أيّاً تكن الأغنية التي تودّ سماعها، أو الفيلم الذي ترغب في مشاهدته، أو لعبة الفيديو التي تريد أن تلعبها، فأنت سوف تتمكن على الأرجح من العثور عليها عبر الإنترنت ومن ثم تحميلها على جهازك، عبر شبكات الند للند، التي يُرمز إليها بـ Peer to Peer، والمعروفة بشبكات المشاركة بالملفات. الأمر ذاته ينسحب على الكتب، والبرمجيات، وبكل بساطة على أي شكل من أشكال المحتوى الرقمي. يمكن النظر إلى شبكات الإنترنت، بفضل شبكات الند للند، كوسائط تخزين كم هائل من المحتويات الرقمية، موضوعة في متناول أي مستعمل. وكل ما هو مطلوب هو: كومبيوتر، ووسيلة ربط سريع بالإنترنت (نطاق عريض)، وضيف/عميل في شبكات الند للند (متاح مجاناً). هنا يعرّفنا
فادي خوري على مميّزات شبكات الند للند، وعلى كيفية عملها، وعلى الجدل الدائر حولها، وعلى البرامج المختلفة التي بوسع المستعمل الإفادة منها.

فرادة شبكات الند للند
قبل أن توجد شبكات الند للند، كان تحميل ملفات كبيرة كالأفلام مثلاً، من الشبكة وإلى الكومبيوتر، مهمة شبه مستحيلة، وذلك لأسباب عديدة. أهمها حجم هذه الملفات، الذي يتراوح، حسب مدة الفيلم، ما بين 700 و 1500 ميغابايت.

وهناك سبب آخر ألا وهو التكاليف الباهظة لاستضافة ملفات بهذا الحجم، حيث إن الموقع المضيف مضطر إلى شراء أو استئجار عرض نطاق (bandwidth) كافٍ لتحميل البيانات إلى الشبكة، تلك البيانات التي يرغب المستعملون في تحميلها على أجهزتهم. من جهة أخرى، كانت هذه المواقع عرضة للتوقيف القسري، بسبب مخالفتها لقوانين الملكية الفكرية، جرّاء الدعاوى التي رفعتها الشركات المالكة للحقوق.

مكّنت تكنولوجيا التشارك في الملفات وتبادلها من تخطي جميع العقبات المذكورة أعلاه. ولنأخذ كمثال بروتوكول معروف في شبكات الند للند، ألا وهو بروتوكول سيل البيانات الجارف (Bit Torrent). فهو مُصمّم خصيصاً لتوزيع ملفات إلكترونية كبيرة عبر الإنترنت. ويتيح هذا البروتوكول للمستعمل تحميل حاسوبه أجزاءً مختلفةً من ملفٍ كبير، مأخوذة من مستعملين آخرين كُثُر، الذين سبق أن حمّلوا هذا الملف أو أجزاء منه. وتسمح هذه التكنولوجيا بإعادة تجميع هذه الأجزاء بحيث يحصل المستعمل على الملف بأكمله. وسنسلط هنا المزيد من الضوء على آليات العمل الداخلية لهذا البروتوكول في الفقرة التي عنوانها كيف تعمل شبكات الند للند؟ . وبما أن المستعملين يقومون بتحميل الملفات من بعضهم بعضاً، وليس من مُخْدم server مركزي (موقع /مضيف)، فإن حمولةَ عرضِ النطاق (bandwidth load) للملفات الكبيرة، موزعةٌ فيما بين المصادر العديدة للبيانات التي يَسْترجع منها المستعمل. وهذا من شأنه خفض تكاليف عرض النطاق بالنسبة للجهات التي تستضيف ملفات كبيرة، وتسريع تحميل الملفات واسترجاعها بالنسبة للمستعملين. كما أنه لا سبيل لتوقيف برنامج Bit Torrent قسرياً، بفضل لا مركزيته، ولعدم وجود مُخدم وحيد تُجلب منه الملفات (كون الملفات موزعة فيما بين مستعملي الشبكة).

وقبل سبر أغوار آلية عمل هذه الشبكات، من الضروري استعراض أنواع شبكات الند للند العديدة المتاحة حتى الآن، بحسب نشأتها .

شبكات الجيل الأول
تميّز الجيل الأول من شبكات الند للند بقائمة ملفات مركزية، على غرار برنامج نابستر (Napster). ومعنى ذلك أنه كان هناك مُخْدمون مركزيّون يمسكون بقوائم الأنظمة المتصلة وبالملفات التي يزوّدونها، في حين كان يتم التحميل مباشرةً بين الحواسيب. كان برنامج نابستر أول خدمة تَشارُك بالمقطوعات الموسيقية ما بين مستعملي الشبكة، وكان بالغ الأثر على كيفية استخدام الناس، ولا سيما طلاب الجامعات، للإنترنت، وعلى حصولهم على أغانيهم المفضلة على شكل ملفات mp3(1). لكن، المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية حكمت بأن من يسيطر على قائمة الملفات المركزية مسؤول معنوياً وجزائياً عن مخالفة قوانين الملكية الفكرية، وعن أي نشاطات غير مشروعة مترتبة عنها. وفي نهاية المطاف، انهارت شبكة نابستر تحت تأثير الدعاوى القضائية، وبيعت إلى شركة روكسيو إنك ، التي جعلت منها خدمة إلكترونية، ناجحة إلى حد ما، لبيع الموسيقى بصورة شرعية على شبكة الإنترنت.

شبكات الجيل الثاني
أما الجيل الثاني من شبكات الند للند فقد حَوى قوائمَ ملفات لا مركزية، نذكر منها: Gnutella، والمسار السريع Fast track، وBit Torrent. أي أنه ليس من مجموعة مركزية من المُخْدمين الممسكين بالمعلومات، والتي يتصل بهم المستعملون. كانت هذه الخطوة ضرورية لمبتدعي هذه الشبكة تجنباً للملاحقة بمقتضى قوانين حقوق الملكية الفكرية، مثلما حصل مع شبكة نابستر.

شبكات الجيل الثالث
تضمّن الجيل الثالث من شبكات الند للند تحسينات ملموسة مقارنةً بالجيلين الأول والثاني. وتمثلت هذه التحسينات بجعل التحميل أسرع وأكثر موثوقية (وبخفض نسبة تحميل ملفات خاطئة)، وبإبقاء هوية مستعملي الشبكة مجهولة، بحيث يتبادلون الملفات بأمان وبمنأى عن الملاحقة القانونية. ومن الأمثلة على الشبكات المجهولة: الشبكة المجانية Freenet، I2P، GNUnet، وEntropy.

كيف تعمل شبكات الند للند؟
على الرغم أن شبكات الند للند المتاحة على الإنترنت وفيرة، إلا أن طريقة عملها تتسم بسمات مشتركة. وهاكم مثلاً طريقة عمل برنامج Bit Torrent. ففي سبيل تحميل ملف بواسطة هذا البرنامج، على المستعمل أن يقوم بالخطوات التالية:

على المستعمل أن يُنصّب أحد برامج Bit Torrent في جهازه. ونذكر من بين هذه البرامج المرغوبة: Shareaza وBitLord، وBit Torrent. وجميعها متوافرة مجاناً على الإنترنت.

يبحث المستعمل عن الملف المطلوب بواسطة البرامج المذكورة أعلاه، أو بواسطة الإنترنت (google.com). فلنفترض على سبيل المثال أنه يبحث عن الحلقة الأولى من العرض التلفزيوني الشعبي Star Academy. كلّ ما عليه أن يقوم به هو البحث عن ملفات تنتهي باللاحقة torrent. . وفي هذه الحالة، عليه أن يبحث عن ملف star-academy-1.torrent . وما أن يجد المستعمل ملفه، يقوم البرنامج Bit Torrent بتحميل الملف على جهازه، مستخدماً المعلومات المخزنة في الملف .torrent file . ويقوم هذا البرنامج بتحديد أي مستعمل لديه أي جزء من الملف، ثم يبدأ بتحميل هذه الأجزاء المنفصلة من دون ترتيب.

عندما ينتهي تحميل الأجزاء كافة على حاسوب المستعمل، يتمكن البرنامج من دمج كافة الأجزاء، فتكون النتيجة: ملفاً متكاملاً (شريط سينمائي) يحمل عنوان star-academy-1avi .

ويُظهر الرسم البياني رقم 4 كيفية حصول التحميل. أجزاء الملف ممثلة بالألوان الثلاثة (أخضر، أحمر، برتقالي) موزّعة كما في الصورة على الأجهزة المترابطة.

التحميل النموذجي بواسطة
برنامج Bit Torrent
تجدر الإشارة إلى أن مستعملي برنامج Bit Torrent درجوا على استخدامه بالترافق مع وسيلة ربط سريعة بالإنترنت (مثل DSL أو الكابل) لتحميل ملفات كبيرة كالأفلام السينمائية، والحلقات التلفزيونية، والبرمجيات. وتُسْتخدم برامج وشبكات الند للند أخرى، مثل Kazaa، وeMule، لتحميل ملفات أصغر، ولا سيما عندما لا تتوافر للمستعمل إلا وسيلة ربط بطيئة بالإنترنت (الاتصال الهاتفي مثلاً). وبالنسبة لأية شبكة ند للند، ونظراً إلى أن الملفات تحمّل من مستعمل إلى مستعمل، فبمقدار ما يكون الملف المطلوب شعبياً لدى المستعملين إياهم (فيديو كليب لمغنية على سبيل المثال)، يكون تحميله أسرع!!!

رواج الشبكات والجدل حولها
أكثر الملفات شعبية على شبكات الند للند هي ملفات mp3 الخاصة بالأغاني الرائجة والأفلام السينمائية. وهذا ما دفع شركات الإنتاج إلى القول إن هذه الشبكات تشكل تهديداً لمصالحها التجارية، لا سيما وأن المستهلك لم يعد يقبل على شراء هذه التسجيلات والأفلام ما دام أصبح بإمكانه التمتع بها مجاناً. وبناءً عليه، رُفعت دعاوى قضائية كثيرة على مُشغّلي شبكات الند للند في مختلف أنحاء العالم، في محاولة لوقف ما يُعتبر تعدياً على أصحاب حقوق الملكية الفكرية.(2)

في أستراليا، أطبقت قوات الشرطة القضائية على مركز لخدمة للإنترنت ISP؛ لأنه استضاف شبكة Bit Torrent لإفادة مشتركيه. وفي إسبانيا، تعرّض 4000 مستعمل لشبكة الند للند، بعد انكشاف هويتهم، للتهديد بالمثول أمام المحاكم بجرم تحميل أغانٍ وأفلام وبرمجيات محفوظة الحقوق. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، رفع مستشارو شركات الإنتاج الموسيقية والسينمائية (RIAA و MPAA) آلاف الدعاوى القضائية على مواطنين أمريكيين أفراد ممن استخدموا شبكات الند للند، زاعمين في شكاويهم أنه يجري تحميل أكثر من 2.6 مليار ملف موسيقى ومن 400,000 إلى 600,000 نسخة فيلم شهرياً.

من جهة أخرى، وبالرغم من هذه الدعاوى والتهديدات كافة، أظهرت الدراسات أن حركة التحميل عبر شبكات الند للند لم تنخفض، وأن قرابة سبعة ملايين شخص يستخدمون خدمات شبكات الند للند في كل لحظة على نطاق العالم! كما اكتشف باحثون، الذين تحرّوا حركة مبيعات 680 ألبوم أغانٍ، على امتداد 17 أسبوعاً خلال النصف الثاني من العام 2002م، أن الأغاني التي تم تحميلها لم تؤد إلى هبوط ملحوظ في المبيعات. وفي الواقع، دأب بعض موزعي المنتجات الموسيقية وموزعي الأفلام على استخدام تكنولوجيا الند للند للترويج لمنتجاتهم، من خلال وضع ملفات على شبكات الند للند عمداً، في محاولة لتسويق منتجات معينة، من برامج تلفزيونية وكليبات أغانٍ، الخ.

وتتمثل فائدة غير مباشرة لهذه التكنولوجيا في طريقة انتشار الأخبار حول العالم، بعيداً عن أية رقابة. فعلى سبيل المثال، بوسع أي شخص في العالم ممن لديه وسيلة ربط بشبكة الإنترنت، أن يحمّل ويشاهد أي شريط إخباري من أية قناة تلفزيونية إن شاء ذلك، متخطياً قيود التلفزيون المعهودة.

بناءً على ما تقدم، يبدو جلياً أن مقاضاة المستعملين بجرم تحميل أي نوع من الوسائط الإلكترونية، لم يؤثر على سلوكيات المستعملين. وربما لو عانقت شركات الوسائط الإلكترونية هذه التكنولوجيا بدلاً من محاربتها، لأمكنها الإفادة من شبكات الند للند. ولعل المقاربة الأمثل هي في الدخول في شراكات مع شركات تكنولوجية لإيجاد أنظمة توصيل ونماذج أعمال تجارية مولّدة للمداخيل ولا تهدد أعمالها. ألا تذكرون كيف اعتبرت تقنية أشرطة الفيديو VHS خطراً على صناعة السينما في ذاك الوقت، من قبل ستوديوهات إنتاج الأفلام، تماماً كما تعتبر حالياً شبكات الند للند خطراً؟ أما اليوم، فقد صار تأجير وبيع شرائط فيديو الأفلام يسهم بشكل ملحوظ في إيرادات صناعة الأفلام.

أضف تعليق

التعليقات