الثقافة والأدب

الذائقة الأدبية
تتغذى من المعرفة أم تغذِّيها؟

  • sc0016d014
  • (P69)jorge_luis_borges
  • 5CDQ5H~T
  • 42-24776799
  • 98DHF9~5
  • 56464092
  • 72862957
  • 80918825
  • 83060361
  • 89857968

ما الذي يجعلنا نستمتع بعمل أدبي معيَّن أكثر من غيره؟ ولماذا نرى أعمالاً أدبية تثير شغف البعض ولا تلقى عند البعض الآخر غير الفتور أو حتى النفور؟
إنها الذائقة الأدبية، القضية التي طالما شغلت الأدباء والنقاد والناشرين، وكل الساعين إلى استشراف تعامل المتلقي لعمل أدبي معيَّن، وأيضاً أولئك الساعين إلى تفسير رواج عمل أو لون أدبي معيَّن أو رفض المتلقي له، من دون أن يتوصل هؤلاء إلى نتائج حاسمة تحلل الذائقة الأدبية بشكل يجعل من الممكن توقعها، والتعامل المسبق معها توخياً لنتيجة مضمونة.
طارق الكرمي يستكشف هنا جانباً من هذه الأحجية، ألا وهو دور المعرفة في صياغة الذائقة الأدبية، والعلاقة التفاعلية ما بين هذين الطرفين، للإجابة عن السؤال حول ما يجب أن يسبق الآخر: بيضة المعرفة أو دجاجة الذائقة؟

تأتي الذائقة ببساطة كمفهوم عام من الذوق، والتذوق، وهي واقعة وفعلية بغرائزيتها، موضوعة كالساعة البيولوجية أو كجهاز التنفس. هنا، يشغل الإنسان ذائقته عن طريق حاسة أو حاستين أو ربما كلها، بمعنى أن الإنسان تكون لديه ذائقة عن طريق اللمس، ذائقة عن طريق الإسقاطات البصرية، السمعية إلخ.

وبمعنى من المعاني، إن كان أمام الشخص صحن ، فسيكون عليه أن يستعمل حاسة النظر أولاً، ثم حاسة الشم وبعدها حاسة اللمس وأخيراً سيشغل حاسة الذوق. وهكذا، ليكوّن الشخص فكرة عن صحن الحساء هذا سيستخدم أربع حواس لكي يقول لنا رأيه في هذا الطبق، ومثلها بقية الأمور التي على الشخص أن يتبعها في تكوين فكرة عن المادة باعتبار أن ما سيلمسه أو يشمه أو يبصره أو يسمعه يأتي من كونها مادة. فلا يمكن للشخص أن نسأله رأيه بلوحةٍ ليست موجودةً، أو أغنية لم يكن يصغي إليها أو لا يحفظها، إذ لن تكون لديه أية إدراكات أو استدراكات ما دامت المادة ليست في متناول حواسه. لكن الذائقة التي سنتناولها في هذا المقال هي الذائقة الأدبية من خلال العلاقة بين المتلقي والنص والكاتب.

إن الذائقة موجودة أصلاً، وهي تتنامى. واللغة مادة، لأنها تُحكى ويتم تداولها وهي أيضاً تنطق ويطرأ عليها تغيير فتكون في متناول الذائقة. وكما أسلفنا، لا يمكن للذائقة أن تكون في الفراغ بل إنها في المادة وترتكز عليها المادة وتتطور بتطورها وتأخذ أشكالها الجلية بحسب الأرضية التي تقف عليها. وكما اللغة أيضاً، هناك النص الذي يحمل اللغة ويكتب بهذه اللغة، فهو أيضاً المادة الحقيقية التي تبنى عليها الذائقة سواء أكان النص محكياً أم مكتوباً.

وكما قلنا بدايةً فإن الذائقة موجودة بطبيعتها لدى الإنسان. لكن ما هو المترتب على هذه الذائقة؟ كيف سيكون على المرء أن ينظر إلى ذائقته ويحسنها؟

الإنسان العادي هو بطبيعته عادي بكل شيءٍ يفعله أو يدركه. وهذا ليس تقليلاً من شأن هذا الشخص، إنما له علاقة بطبيعة اهتماماته وزواياه التي ينظر من خلالها وفيها. فتحسين مستوى الذائقة وتطويرها يرجع إلى اهتمام هذا الشخص بأمور كثيرة، وعليه، لا بد أن يكون في زاوية كونية ليلم بوعي حقيقي لتطوير الذائقة.

فالذائقة عند فلان تختلف عما هي عليه عند آخر. لماذا؟ لأن فلاناً يهتم من خلال وعيه بتكوين صورة عن شخصيته أو «كاريزما» معينة. ومن البديهي جداً أن يكون الكاتب ذا وعي حقيقي وكذلك النحَّات والرسَّام والمؤلف الموسيقي. إن مسألة الوعي مرتبطة بتشكيل وتطوير الذائقة لدى هذا الشخص المميز، والذائقة مران لحواس هذا الشخص ذي الوعي الحقيقي. فلو قلنا إن إنساناً أمياً لا يريد أن يعرف عن الموسيقى أو المسرح أو الرسم أو الأدب سنعرف حينئذ أنه لا يمتلك وعياً حقيقياً أو متطوراً، فيكون – خلافاً للشخص الأول المميز – أقل معرفة، أقل إدراكاً، وأقل قدرة على تطوير ذائقته، ذلك أن الذائقة هي محصلة الوعي والمعرفة والإدراك.

إذاً، الذائقة ليست أمراً اعتباطياً. فالكاتب مثلاً عندما يكون كاتباً حقيقياً يجب عليه أن يكون ذا وعي ونضج وثقافة واسعة، وهذه بدورها تشكل نمطاً استثنائياً لتطوير الحواس التي تشكل بدورها تنامياً فعلياً في تحسين الذائقة لديه أولاً. وهنا ننطلق من إحدى مسألتين مهمتين ألا وهما:

أنا أعرف لكي أتذوق أم أنا أتذوق لكي أعرف؟
كلاهما صحيح، لكن بنسبية معينة. هناك من يفضل قاعدة «أنا أتذوق لكي أعرف». لكن النسبية فيها قليلة بمعنى أن الذائقة قاعدة عامة؛ كأن نعطي أحدهم علبة فيها مواد سامة، مرسوم عليها إشارة (عظمتان وجمجمة)، ومكتوب عليها باللغة الإنجليزية (خطر الاستنشاق) دون أن يعرف الشخص ما تعنيه الإشارة كما لا يعرف ما تعنيه الكلمة. فإذا طلبنا منه أن يتنشق ما في العلبة لفعل، وهو أمر لا يمكن أن يفعله آخر يتمتع بإدراك وثقافة، دون أن يعني ذلك أننا نشبه النص الأدبي بعلبة فيها سموم!

في المقابل، ثمة من يقول بأهمية القاعدة الأخرى، وهي الأنضج: «أنا أعرف لكي أتذوق». وأساس أرضية الذائقة هنا هي امتلاك مفاتيح المعرفة لتشكيل دائرة الوعي واستلهام الحواس، بمعنى أنه إذا طلبنا من شخص أن يغطس دون أن يعرف عن السباحة أو الغطس شيئاً، فلن يوافق. وهكذا فإن امتلاك مفاتيح المعرفة هو ما يجعلنا نعرف كيف نتذوق.

دور المعرفة في تطوير الذائقة
في هذا السياق، قد تكون الذائقة الأدبية من أكثر «الذائقات» تطلباً للمعرفة، كي تتيح لنا الاستمتاع بالإنتاج الأدبي. وهي تقلب الموازين، إذ يصبح القارئ هنا هو الكاتب العكسي من خلال تذوقه النص الأدبي والقراءة التي تصبح كتابةً معكوسةً. لكن الأدب يحتاج إلى الثقافة الأم ثم الثقافة الإنسانية ثم الثقافة الكونية لكي تتشكَّل لدينا الذائقة. والثقافة تدخلنا في دائرة المثاقفة وتجاور الثقافات الأخرى وتزيدنا معرفةً في كيفية التعامل مع الأدب الألماني مثلاً أو مع مسرحيات شكسبير، حتى وإن كان هناك اختلاف في الثقافة. لكن ليس هناك اختلاف على المثاقفة والثقافة الإنسانية التي تشكِّل بدورها لدينا حساً إنسانياً في التعاطي مع أي أدب عالمي كان. فالذائقة تتطور وتتسع بحسب ماهية وعينا وكيفية استدراكنا للثقافات الأخرى.

على سبيل المثال أيضاً، هناك فن الرواية، وهو فن حديث، والمسرح أيضاً، فما الذي يجعلنا كمهتمين ندخل مسرحاً أو نقرأ روايةً؟ إنه تطلعنا إلى تنمية ثقافتنا ورفع وعينا الإنساني عن طريق تطوير الذائقة. هنا يصبح لدينا ذائقة مفتوحة على أي نوع من أجناس الأدب، حتى وإن «حاربت» الذائقة جنساً بعينه إلى حين. فلا ننسى مثلاً أن الشعر الحديث (الشعر الحر وشعر التفعيلة وقصيدةُ النثر) تمت محاربته من قِبَل شعراء كلاسيكيين، قبل أن تنقلب الموازين. إذ أصبح من حارب «جنس» النص الحديث فيما مضى كاتباً له ومدافعاً عنه لاحقاً. وهي عملية أتت بدورها من خلال تكوين المعرفة وتطوير أداء الذائقة وتحسينه لدى هذا الكاتب وتذوقه لما تنتجه الثقافات الأخرى، وهي ذائقة سينقلها بدوره إلى المتلقي بعين الوعي وزيادة المعرفة.

إذاً الذائقة ليست اعتباطيةً كما أنها ليست محض صدفة؛ فهي كائن حقيقي يتطور ويحتاج إلى أوكسجين. كما أن منهجيتها تتطور بتطور الوعي والثقافة لدينا وانفتاحنا على الثقافات الإنسانية الأخرى.

ويخطئ من يظن أن للذائقة سقفاً معيناً أو أنها محصورة في زاوية معينة. وإلاَّ لما كنا سنقرأ «جوته» وما كنا سنعرف أو نستمتع بمسرحيات «شكسبير» و«أوسكار وايلد» أو أدب «هنري ميللر»، وما كنا أيضاً لنتذوق شعر الهايكو الياباني. بل وصلنا إلى أن نستمتع مثلاً بالنص المفتوح الذي لا يخضع إلى أي قوانين. فالنص المفتوح لم يكن من صلب نتاجنا الأدبي، لكن ذائقتنا عملت على تقبل هذه النّصوص وتداولها. ولو أن وعينا ظل يراوح مكانه لما تأتى لنا أن نتعاطى مثل هذه النصوص، ناهيك عن القصة القصيرة أو الأقصوصة أو غيرها من الفنون السردية والنثرية. فلو لم نوسع مداركنا ووعينا ودوائر ثقافتنا لما كان باستطاعتنا أن نتداول مثل هذه الفنون.

دور البيئة في صياغة الذائقة
قديماً، كان على البلاغة أو استعمالات الاستعارة والتوصيف أن تتصدر العمل الأدبي في كتابة النص، حيث توجب على الكاتب – حينئذ – أن يكون فحلاً في أسلوبه وأسلوبية كتابته، وإن أثقل النص بالمحسنات اللغوية. لكننا حين وصلنا عصر السرعة وتنافس الأدمغة على انتصارات التكنولوجيا أصبح للأدب استدراكاته بفعل التأثر والتأثير معاً. فأصبح النص بعد تعقيد يتداول اليومي والبسيط ويلتقط أبسط الأمور في مسالك الحياة. وأصبح المتلقي هنا بوعيه يتفهم ويستمتع بما آل إليه الأدب الحديث، مستشعراً أن النص كائن كبقية الكائنات يطرأ عليه تغيير.

وهكذا تنطلق الذائقة من الفطرية على التطور لكي تخدم وعينا. والوعي يتطور من الفطرية لكي يخدم ذائقتنا، حتى تصل الذائقة إلى مستوى الوعي أو تكون في منتهاها هي الوعي حقّاً. وكل شيء يخضع للزمانية والمكانية بكل تحولاتها وانزياحاتها العامة والخاصة.

وتخضع الذائقة أيضاً للبيئة المحيطة في دائرة مكانية وزمانية. فمثلاً، كلنا يعرف قصة الشاعر «علي بن الجهم» حينما أتى من الصحراء وأراد أن يمتدح الوالي فنعته بالتيس كالتحمل وبالكلب كالوفاء وثارت ثائرة هذا الوالي، لكن عندما أشاروا عليه أن يطلقوا الشاعر في ساحة القصر بين غدران الماء والجواري الحسان ورنات العود والموسيقى، أنشد الوالي مديحاً ابتدأه بـ«عيون المها بينَ الرّصافةِ والجسرِ.. جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري».. فلا ذنب للشاعر حين امتدحه المديح الأول، لأن الشاعر خرج من بيئة صحراوية وكل ما كان يحيطه هو الكلاب والضواري والرمال وقيظ الصحراء وبردها، لكن، حين تغيَّر محيط هذا الشاعر تغيَّر إدراكه الحسي..أرهفت حواسه.. فطرأ تغيير أيضاً على ذائقته. ولذلك قال بيت الشعر الذي يُعد من أشهر الأبيات الشعرية في العيون حتى زمننا هذا. كذلك، يمكننا أن نسوق كمثال حقبة المعلّقات الشعرية، التي كان لها احترامها وقيمتها في ذلك الزمن؛ فتلك الحقبة كان لها قوانينها وشعراؤها وحفظتها كما كانت لها طريقتها في الاستهلال وفي النشر، وذلك ضمن ثقافة خاصة اسمها ثقافة شعر المعلَّقات وشعراء المعلَّقات، مشكلة المرجعية الأولى للذائقة في تلك الحقبة للأدب الجاهلي. ثم أتى عصر كسر التابوهات الأدبية عند أبي العلاء المعري وأبي تمام. فتغير استهلال القصيدة عن سالفتها في عصر شعراء المعلَّقات، وقد قبلت الذائقة الجديدة نتيجة تغير نمط معيشة الناس. فقد خرج الأدب عن مفهومه، أو لنقل انزاح قليلاً، نلمس هذا باختلاف الموضوعات التي تضمنتها النصوص الشعرية، فالمعري مثلاً بذائقته الفذة وسعة نظرته وثقافته خرج عن الموضوعات الرئيسة للقصيدة العمودية واشتغل على عدم الرتابة، وعلى أرضيات مختلفة مثل القصيدة الفكرية والاعتقادية والميتافيزيقية في الكتابة الشعرية. ثم عمد إلى تبسيط لغة القصيدة وتناول الشعرية في غير أمور الشعرية، ولذلك قبلته الذائقة في ذلك العصر واستمتعت به أدباً حقيقياً، فأصبحت لدينا ذائقة الرؤية في التغيير، ثم تبعتها ذائقة الكتابة والتأسيس ثم ذائقة التلقي. هنا سنسمي هذه الذائقة في عصر شعر المعلَّقات وما تبعه من أدبٍ كلاسيكي باسم الذائقة الجمعية للموروث، ولها مفصلياتها. وهي ذائقة تراكمية شكلتها الصبغة الاجتماعية، وهي بدورها موجودة ومؤسسة لدى كل الشعوب، وهي ما يعطي صبغة هذه الشعوب ويصدر أدبها في مرآة صقيلة وحية وجلية تماماً.

ودور الاتصال في تعزيز المعرفة
إن الذائقة هي ذائقات متعددة وإن رُدَّتْ إلى أصلها، هي متسلسلة ومتتابعة ومتغيرة ولها مفصلياتها ولها تجلياتها ومدخلاتها من وعي ومثاقفات. فكل شيء في حركته الدائمة لا يتوقف، وكل شيء يتأثر ويؤثر بمجرياته ومجريات ما حوله.

فبفضل التكنولوجيا، لم يقتصر العلم والمعرفة على أحد. واستطاع حتى الإنسان البسيط أن يطلِّع ويوسِّع مداركه. وبفعل الثورات الطبقية والاجتماعية العالمية تواصل الإنسان مع ثقافات غيره مستلمهاً منها، مؤثراً ومتأثراً. فالثورة الفرنسية على سبيل المثال لم تكن ثورة صناعية فحسب إنما ترتب عليها ثورات أخرى، فهي عدة ثورات في واحدة؛ ففيها الثورة الأدبية التي كانت سباقة والتي استفاد منها المثقفون والكُتَّاب على مستوى العالم. ولننظر إلى الدادائية والسوريالية في الكتابة بروَّادهما، وإلى النقد بتعددية مدارسه أيضاً مما أتاح لنا أن نعرف عن التاريخ الفرنسي ونتأثر به بما لا شك فيه. فلولا طرق المعرفة وثورة الاتصال وثورة المعلومات هل كان لنا أن نتطور ونطور في أدبنا الحاضر؟ فلنأت بنص للشاعر الفرنسي الكبير «آرثور رامبو» ولنفترض أنه كُتب قبل 1000 سنة من الآن، فهل كنا سنتذوق ما يقوله في نصه عن «المركب النشوان» أو «فصل في الجحيم»؟ الجواب: لا، نظراً لعدم تأسيس قاعدة عن الأدب الفرنسي أو العالمي لدينا. فقبل ألف سنة من الآن لم يكن بمقدورنا أن نتذوق أدباً من هذا النوع، فضلاً عن عدم وجود توسعة لمداركنا كما لم تكن لدينا أدنى فكرة عن ثورة المعرفة والاتصال التي أتاحت لنا أن نؤسس قاعدة للثقافة، أو معرفة الثقافات الأخرى في مجال الأدب.

فالذائقة حية، وهي أيضاً تتأثر بالتكنولوجيا وثورة العلم والمعرفة وطرق الاتصال. الرسالة الإلكترونية – أو «الإيميل» كما تعرف – الآن غير الرسالة الورقية وغير النار التي كانت تضرم في رأس الجبل للاتصال. فبإمكاننا الآن أن نكتب نصاً فيه كلمة «إيميل» بدلاً من كلمة «ساعي بريد» أو ما شابه، كما نستطيع أن نكتب «بندقية ليزر» بدل «القوس والرمح».

لقد أصبحت ذائقتنا تقبل كل جديد، دون أن تجد حرجاً في التخلي عن كتابة الأمس أو بعض مظاهرها، كنفض أشكال البلاغة القديمة. وبالقدر نفسه، انبثقت من الذائقة العامة ذائقة انتقائية تتبلور وتتهذب وسط كثرة الخيارات المتاحة، كما تطورت الذائقة الفردية التي تبرر عشق أحدهم للهايكو الياباني مثلاً، من دون أن يكون سليل إرث الثقافة اليابانية، على أن هذا العشق لم يتأت من فراغ، وإنما هو حصيلة معرفة نوعية ولدت ذائقة ذات حساسية واستساغة خاصة. شخصياً أحب شعر الهندي الأحمر «آمبيرتو آكابال» وأستمتع من خلال ذائقتي في قراءته، وهو أمر لم يكن ليحدث لولا تأسيس قاعدة معرفية، ولو كانت بسيطة، عن ثقافة الهنود الحمر وكيف أنتجوا هذا الأدبَ.

أخيراً، للذائقة أذرعها وهي متعددةٌ أيضاً، فبإمكان الشخص أن يتذوق أموراً عدةً في قراءته لنصوصٍ شعريةٍ أو مسرحيةٍ أو روائيةٍ من شتى الإيديولوجيات والنظريات الأدبية والأجناس الكتابية. للشخص أن يستمتع حين يقرأ روايةً للكاتب «باولو كويلو» وروايةً أخرى لـ «هنري ميللر» وبعدها لـ «غارسيا ماركيز» .. وهكذا بإمكانه، كذلك، بفضل تطوير ذائقته من خلال المعرفة والثقافة أن يتذوّق آداباً كثيرةً ومتنوعةً وينوع معها ذائقته أيضاً.

والذائقة تواصل النمو، ولا تتوقف. لها تربتها، لها هواؤها وماؤها، لها أدواتها التي تتطوَّر معها.. ولها المفاتيح التي تدخل وتدور في أقفال الثقافة والمعرفة.. إذاً أنا أعرف حقاً لكي أتذوق.

أضف تعليق

التعليقات

عبداللطيف الجوهري

مقال مفيد وطرح جميل ، تحياتي للكاتب وللمجلة .