طاقة واقتصاد

التخابر الدولي
من يدفع ومن يقبض..؟

  • 18a

يثير التخابر الدولي سؤالاً محيراً حول شكل اقتسام عوائده بين الدول. ومع ظهور التكنولوجيا الخليوية والشركات الخاصة في عالم الاتصالات، يصبح السؤال عمّن يدفع ومن يقبض أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
الصحافية الاقتصادية بهاء الرملي تحدثنا عن أبرز الصيغ المعتمدة في هذا المجال على صعد التخابر الهاتفي والرسائل القصيرة حتى التجارية منها..
قبل البحث في طرق التخابر وتحديد التعريفات واستيفائها لا بد من الإشارة إلى أن الاتحاد الدولي للاتصالات (ومقره جنيف) هو من يضع الأسس والنظم فيما يتعلق بالتعريفات والموجات والراديو وأي أمر يتعلق بالاتصالات الدولية. ويصدر الاتحاد توصيات غير ملزمة ويترك المجال للدول في عقد اتفاقات ثنائية قد تفوق الحصص فيها أو تقل عن توصيته. ورغم عدم الزاميتها فإن 80 أو 90 في المئة من الدول والهيئات الخاصة الأعضاء في الاتحاد تلتزم بتوصياته وتنفذها.

كيف تتم الفوترة بين الدول؟
يتم التخابر الهاتفي عادة بين الدول بطريقتين: طريقة مباشرة، أي من دولة إلى دولة عبر خطوط مباشرة بينهما، وتنظم عملية الفوترة على أساس أن يُدفع بدل المخابرات الصادرة ويُستوفى بدل المخابرات الواردة، وتُجرى مقاصة يَدفع بنتيجتها البلد الذي تصدر منه المخابرات ثمن الفارق.

لكن في حال التخابر الدولي غير المباشر، أي عبر وسيط، تكون الأمور أكثر تعقيداً وتحتاج إلى اتفاقات ثنائية وثلاثية لتأمين الاتصال وتالياً تتعقد أكثر طرق المحاسبة. ومع تطور التكنولوجيا وتوسع نشاط القطاع الخاص عالمياً أمكن تلافي الكثير من التعقيدات والحد من حالات التلاعب التي كانت تحصل في تحويل المخابرات بهدف خفض الفاتورة. الاختصاصيون في مجال التخابر الدولي يصفون الوضع اليوم بأنه يمر بمرحلة انتقالية بين ما كان سائداً في الماضي غير البعيد، وما يأخذ طريقه نحو أن يصبح عاماً وأكثر شمولية في العالم.

فقبل الفورة التكنولوجية التي بدأت منذ سنوات قليلة تفرض نفسها على الاتصالات كانت أية دولة لا تمتلك خطوطاً مباشرة مع دولة أخرى وتريد أن تتصل بها هاتفياً تعقد معها اتفاق TAR أي تعرفة محاسبية على أساس SDR (وحدة حقوق السحب الخاص)، وهي وحدة نقدية خاصة بالتخابر الدولي مؤلفة من 4 عملات صعبة هي الدولار الأمريكي واليورو والجنيه الاسترليني والين الياباني.

وإذا أرادت دولة ما أن تتخابر مع دولة أخرى عبر طرف ثالث، فعليها أن تتفق مع الدولة المعنية وفقاً لحساب شامل، ثم تتفق مع دولة ثالثة أو هيئة اتصال دولية يمكنها أن تؤمن لها الاتصال بالدولة المقصودة. ويستوفي الوسيط لقاء ما يقدمه من خدمات، حصة تحدد عادة بنصف الـ SDR الذي يكون اتفق عليه البلدان المعنيان (مصدر التخابر والمتلقي)، على أن يدفع البلد طالب الاتصال المبلغ المتفق عليه مع بلد المقصد إلى الوسيط ويكون على الأخير أن يحاسب بلد المقصد بعد أن يقتطع حصته المحددة في الاتفاق. (في السابق كانت حصة الوسيط تدفع مناصفة بين الطالب والمتلقي).

تطور التكنولجيا قلب المقاييس
بقيت الأمور تسير بانتظام إلى أن بدأت تكنولوجيا الاتصالات تحقق فورات سريعة فقدت معها الدول القدرة على ضبط مصدر المخابرات، واتسع نطاق تحويل مصدرها إلى بلد قريب جغرافياً من البلد المتلقي بهدف خفض الكلفة بما يخالف الاتفاقات المعقودة بين الدول وفقاً لنظام الـ TAR ، لا سيما وأن التعرفة ترتفع أو تنخفض وفقاً لطول المسافة أو قصرها، ما أفسح المجال للتحايل وتحقيق أرباح غير مشروعة أو تكبيد دول خسائر غير متوقعة.

وإذا كان التطور التكنولوجي قد أفسح المجال للتحايل على الاتفاقات، إلا أن من حسناته أنه فتح العالم على بعضه وأسهم إلى حد كبير في كسر الاحتكارات التي كانت تمارسها شركات معدودة في العالم، لا سيما في أمريكا وفرنسا وبريطانيا، كانت تملك حصرياً محطات توزيع التخابر الدولي. وكان على أية شركة تريد توزيع مخابرات دولية أن تفعل ذلك عن طريق إحدى هذه الشركات الحصرية. أما اليوم، فباتت السوق مفتوحة وبات في إمكان أية جهة تركيب سنترال وتوزيع مخابرات خارجية شرط أن يستأجر الخطوط أو يشتريها من الدولة أو الهيئة التي تتولى هذا الأمر رسمياً فيها.

بعد هذه التطورات وكثرة الموزعين بات كل بلد يصدر نظماً ومعايير يفرضها على الشركات التي يتعاطى معها، والتي يمكن أن يمرر مخابرات خارجية عن طريقها. ولمّا لم يعد في الإمكان تحديد مصدر المخابرات صار احتساب التخابر يتم على أساس حجم الاتصالات وفقاً لعدد دقائق التخابر المتفق عليها، وكلما ارتفع عدد الدقائق تراجعت التعرفة وبالعكس. وبعدما كان نظام الحجم يعتبر تهريباً، بات في الأعوام الأخيرة الأساس في التعامل إلى درجة حملت نحو 70 في المئة من الدول على إلغاء العمل بنظام الحصص واعتمدت نظام الدقائق، مما أدى إلى نشوء بورصة الدقائق في العالم بعد ما كثر عدد الموزعين والمشغلين وكثرت المضاربة وتالياً تراجعت الأسعار، وكلما تراجعت التعرفة كلما زادت دقائق التخابر، والتجهيزات التي تؤمن الاتصالات باتت قادرة على توسيع طاقتها وتوفير خطوط أكثر بأجهزة صغيرة الحجم وبأسعار أقل.

الرسائل القصيرة SMS والرسائل التجارية
كما الاتصالات، الهدف من الرسائل القصيرة الربح المادي الذي تحققه الشركة التي تقدم الخدمة، وهي كلما أنتجت خدمات كلما ولّدت لدى الناس حاجة إلى استخدامها.

تعتمد الرسائل القصيرة نظام GSM الذي يمكن عبره إرسال رسائل مكتوبة إلى شبكة الخليوي التي تستعمل النظام نفسه. أما طريقة كتابة الرسالة فهي معروفة وتشمل كتابة النص ثم إرساله إلى رقم المرسل إليه. وإذا كان الهاتف خارج الخدمة تعاود الشركة إرسال الرسالة بتواتر معين إلى أن تتأكد من وصولها وذلك وفقاً لبرمجة مركز الخدمات فيها (نصف ساعة، ساعة، الخ…) الذي يسجل كل مرة نتيجة الإرسال. وفي حال نجاح الإرسال تصدر الشركة الفاتورة؛ لأن الإرسال الفاشل لا يفوتر. وتستغرق عملية الإرسال من المرسل إلى المرسل إليه بين 7 و8 ثوانٍ، وفي حال استغرق وصول الرسالة وقتاً أطول من ذلك يكون السبب عادة ازدحام الشبكة.

أما بالنسبة إلى الرسائل التي ترسل إلى برامج مسابقات تلفزيونية وتظهر في شريط أسفل الشاشة، فترسل عادة عبر أربعة أرقام كما لو كانت مرسلة إلى رقم عادي ووفقاً للآلية نفسها التي ترسل بها الرسائل بين خطين عاديين أي من المتصل إلى مركز خدمات الـ SMS إلى التلفزيون.

بالإضافة إلى الرسائل القصيرة ثمة مؤسسات إعلامية أو غير إعلامية تعلن عن جوائز قيّمة يمكن الفوز بها من خلال الاتصال عبر أربعة أرقام على شبكة الهاتف الخليوي، ويسأل البعض عن تمويل هذه المسابقات ودور شركات الهاتف الخليوي فيها. الجواب اليقين لدى العارفين بالأمر هو أن دور الشركات الخليوية يقتصر على بيع الشركة المعنية الرقم الذي سيتم الاتصال عليه وتصلها بالشبكة مباشرة عبر جهاز معين يركب على مبنى مركز العمل، ومن خلال هذه الأرقام يمكن طلب أية خدمة متوافرة لدى المشغل وهي تلعب في هذه العملية دور قناة اتصال بين الطرفين، لقاء اشتراك شهري يكون عادة رمزياً. أما الكلفة الإضافية لوحدة الاتصال فهذا أمر لا تحدده شركة الخليوي ولا علاقة لها به عادة بل يعود في الغالب إلى جدول ضريبي تحدده وزارات المال على هذا النوع من الاتصالات، أو أنها تعود إلى الجهة التي تعد البرنامج، وجعل المتصل ينتظر بضع دقائق وتكرار فقرات ترويجية للبرنامج وهو ينتظر قبل إيصاله بمركز التصويت في برامج معينة فسببه، على ذمة البعض، ازدحام الشبكة وليس أي سبب آخر قد يُظن أن له علاقة مباشرة بتضخيم حجم الفاتورة!.

عصر الكابل بعد القمر الصناعي
يزداد اليوم الاعتماد على الكوابل البحرية فيما يعرف بأتوسترادات الاتصالات لتمديد كوابل اتصال حول العالم، وتتولى مد هذه الكوابل شركات عالمية كبيرة، بعدما كانت تقتصر على كوابل بين دولة ودولة. وتكمن أهمية هذه الأوتوسترادات في أنها تختزن قدرة استيعابية كبيرة تفوق قدرة الأقمار الصناعية وهي أكثر صدقية منها من الناحية التقنية؛ لأن الأقمار الصناعية تتأثر بالعوامل المناخية مما يؤثر في نوعية الاتصالات لجهة الصوت والصورة. وبفعل ارتفاع صدقيتها التقنية وقدرتها الاستيعابية العالية وتراجع أسعارها، بات اليوم أكثر من 80 في المئة من الاتصالات العالمية تتم بواسطة الكوابل، وبات عدد كبير من الدول العربية أيضاً يعتمد عليها، مواكبة للاتجاه العالمي الذي يسعى إلى إبقاء الاتصال عبر الأقمار الصناعية احتياطاً للحالات الطارئة. في السابق كان الاعتماد يتركز على الأقمار الصناعية لأنها تعطي صورة، وبعدما باتت الكوابل توصل الصورة انتفت أفضلية هذه الأقمار. وإذا كان حجم الاستثمار الذي يتطلبه مد كوابل بحرية أكبر بكثير مما يتطلبه الاستثمار في الأقمار الصناعية فإن الحجم الاستيعابي للكوابل وصدقية الاتصال وتراجع سعره يجعل مردوده الاقتصادي أكبر بكثير من مردود الأقمار الصناعية.

أضف تعليق

التعليقات