قضية العدد

الاختراق التكنولوجي
الممكن والمستحيل في العالم الثالث

  • 31a
  • 24a
  • 27a
  • 27b1
  • 28a
  • 28b
  • 29a
  • 30a
  • 29a
  • 24a
  • 27a
  • 27b1

خلال الربع الأخير من القرن العشرين، تفشت قناعة بأن اتساع الفجوة ما بين دول العالم الثالث والدول الصناعية الغنية والمتقدمة تكنولوجياً، سيجعل من المستحيل على الدول النامية اللحاق بالدول المتقدمة. ولكن هذه القناعة خضعت في السنوات الأخيرة للمراجعة، وأصبحت مادة لأسئلة بقيت أجوبتها غير محسومة. ويتغذى الجدل اليوم من بعض الحالات، مثل الصين والهند، التي أكدت قدرة العالم الثالث على تحقيق اختراق تكنولوجي يحركه ويحرره من عنق الزجاجة.
العالم الثالث وإمكانات التقدم تكنولوجياً موضوع بحثي نعرض له هنا، على أن يتبعه في العدد المقبل إسهامات تتناول علاقة العرب بعلوم العصر.

طرق التقدم..
ليست واحدة!!
أمين نجيب
لماذا هناك دول متقدمة تكنولوجياً ودول أخرى متأخرة؟ بل لماذا استطاعت بعض الدول من العالم الثالث أن تخترق هذا التقدّم التكنولوجي الحاصل في الغرب أي في أمريكا وأوروبا واليابان، بينما هناك دول أخرى لم تستطع ذلك على الإطلاق؟ هناك الكثير من النظريات المتعلقة بهذا الشأن، لكن معظمها يتفق على علاقة التكنولوجيا بالتنمية الاقتصادية والبشرية.

فالتاريخ البشري، كما يراه بعض الباحثين، هو نفسه تاريخ تطور التكنولوجيا، إذ أن تطوير أدوات الإنتاج أحدث سلسلة من التغيرات التاريخية على مختلف الصعد. فمن أولى التقنيات المعروفة وهي إنشاء قنوات للري في سومر القديمة منذ أكثر من 5000 سنة، إلى استخدام الخريطة الجينية في عصرنا هذا، ارتبط التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ارتباطاً وثيقاً بمدى التقدم في التكنولوجيا.

إن التقدم التكنولوجي هو الأساس شبه الوحيد للتقدم الصناعي والتجاري والمعلوماتي – وكما يتبين من مقررات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الذي عقد في سنة 1999م، فإن 90 دولة كانت أفقر في عام 1997م مما كانت عليه في عام 1990م. وأن ثلاثين منها هي أفقر في عام 1997م مما كانت عليه عام 1970م. وقد ترافق هذا الفقر والتخلف مع تخلف التقدم التكنولوجي والصناعي والمعلوماتي. ومعظم هذه الدول يقع في مجموعة الدول الشيوعية سابقاً والدول العربية والآسيوية وإفريقيا. وإذا أردنا أن نعمم على المستوى التاريخي، فسنجد أنه قبل الاندفاعة الكبيرة للثورة الصناعية في أوروبا، ومفصلها عام 1800م، أن نسبة الفارق بين أغنى الدول في ذلك الوقت وأفقرها هي 2 على 1 بينما هي عام 2000م 60 على 1 وأحياناً أكثر من ذلك.

الدول الغنية هي الدول التي اعتمدت على التكنولوجيا والتصنيع. ويشير بعض المؤرخين للتأكيد على هذه الظاهرة أنه في عام 1945م وفي أعقاب هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، أقرت الولايات المتحدة الأمريكية خطة اقتصادية لإضعاف ألمانيا في المستقبل، وهي خطة مورجنتاو القاضية بتفكيك البنية التكنولوجية والصناعية لألمانيا، وجعلها بلداً زراعياً لتبقى متخلفة إلى مستقبل بعيد. لكن وفي عام 1947م، وكانت قد بدأت ملامح الحرب الباردة بالظهور، أقرت أمريكا خطة معاكسة وهي خطة مارشال القاضية بإعادة تصنيع ألمانيا الغربية لمواجهة ألمانيا الشرقية الشيوعية وباقي الدول التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق.

التكنولوجيا، العلم والاقتصاد
لا شك في أن العلم والتكنولوجيا مترابطان. لكن هناك نظريات مختلفة حول ما هي الأسبقية. هل نبدأ بالعلم ومن ثم ندخل التكنولوجيا لاحقاً؟ أم العكس؟ هل نستورد التكنولوجيا ونرى بعدها ما يناسبنا من العلم والمؤسسات العلمية ونطورها لاحقاً؟ أم نبدأ بالتنمية الاقتصادية لتوفير ثروات نوظفها في العلم والتكنولوجيا؟ وما هو دور التجارة الخارجية في ذلك؟

فحول التجارة لاحظ فريدريك ليست ومنذ عام 1841م أن تصدير المواد الخام واستيراد المواد المصنعة هو اقتصاد سيء. بينما استيراد المواد الخام وتصدير المواد المصنعة هو اقتصاد جيد. والمقصود بذلك أن الاقتصاد المبني على تصدير المواد الأولية يخضع لقانون المردود المتناقص، بينما الاقتصاد المبني على تصدير المواد المصنعة يخضع لقانون المردود المتزايد المعتمد على التكنولوجيا الصناعية والمولد للقيمة المضافة، التي يعتقد كثير من الباحثين أنها قاطرة الازدهار الاقتصادي والصناعي والسياسي.

ويورد إريك راينرت في كتابه عن العولمة الصادر في العام الماضي وخلال حضوره لمؤتمر حول التنمية في جمهورية منغولية السوفياتية سابقاً، أنه أثيرت في المؤتمر وفي الصحف المحلية أيضاً مسألة موت حوالي مليوني حيوان أليف في الجمهورية، وتبين فيما بعد أنه نتيجة لانهيار القاعدة الصناعية الذي حدث بين ليلة وضحاها في البلاد، وبموجب نصائح البنك الدولي حول تحرير الأسواق؛ فقد تخلى المجتمع عن المصانع وما لبث أن وجد معظم أهل البلاد أنفسهم عاطلين من العمل فلجأوا إلى الزراعة والرعي مما زاد الضغط على الأراضي الصالحة للرعي والزراعة، وأصبحت غير قادرة على تأمين الحياة لهذا العدد من الحيوانات مما شكل ظاهرة الموت الآنفة الذكر. وهذا دليل قاطع على صحة قانون المردود المتناقص، الذي أدى إلى انخفاض مستوى المعيشة لجمهورية منغولية بشكل مخيف.

بالمقابل، فإن كوريا الجنوبية، والتي كانت تعتبر في الستينيات والسبعينيات، أقل تقدماً من البرازيل والمكسيك، تمكنت في التسعينيات من أن تلحق بأية دولة متقدمة. وقد اتبعت كوريا الجنوبية، وكذلك تايوان أسلوباً معقداً في ذلك. فبدلاً من التقدم بشكل خطي (Linear) أي اختراع، تصنيع، انتشار علمي واقتصادي وغيره. فإنها اتبعت خطاً تفاعلياً بين العلم والتكنولوجيا معتمدة على الهندسة المعكوسة (Reverse Engineering) أي درس واستيعاب تكنولوجيا غربية معينة بشكل تفكيكي وبعدئذ تقليدها. وقد تمكنت كوريا وتايوان في البدء من تصنيع المنسوجات والآلات البثية مما أتاح لهما توفير فوائض أموال تمكنتا بواسطتها من دفع كلفة التقليد التكنولوجي والدفع إلى الأمام لامتلاك تكنولوجيا معتمدة بكثافة على المعلوماتية والمعارف وتصنيع مختلف أنواع الآلات المعقدة من الإلكترونيات والسيارات وغيرها.

وكان لدور الدولة شأن كبير في ذلك. فقد ترافقت المؤسسات التعليمية مع التطور الحاصل في التكنولوجيا والصناعة. تركزت أولاً المؤسسات العلمية حول حقول قليلة لها صلة وثيقة بمؤسسات الصناعة والتكنولوجيا. والحقول العلمية كانت تتزايد مع حاجات الصناعة والتكنولوجيا التي راحت بدورها ترفد المؤسسات العلمية بالخبرة العملية. وهذا ما يعرف بالعلم المطابق والمتفاعل . والمذهل في التجربة الكورية أنها كانت تدفع في البدء حوالي 3 في المئة من مجمل المبيعات للترخيص التكنولوجي للسلع والآلات التي تم تقليدها، وارتفعت هذه النسبة إلى 12 في المئة في المراحل الأخيرة، ورغم ذلك تمكنت هاتين الدولتين من تحقيق مستويات اقتصادية وتكنولوجية خلال 30 عاماً، ما تطلبت 400 عام من دولة مثل بريطانيا كي تحققها.

المثال الهندي
أما الهند فقد اتخذت مساراً مختلفاً. إنها ثاني أكبر بلد في العالم، ومعظم شعبها يعيش تحت خط الفقر. ورغم ذلك، تمكنت الهند من إنشاء جامعات كبيرة وذات مستوى مرتفع في كثير من الاختصاصات. لكن وبعكس كوريا وتايوان، كان هناك انقطاع بين الأكاديمي والتكنولوجي والصناعي وبقي تأثير هذه المؤسسات العلمية محدوداً على اقتصاد البلد بمجمله. وهذا ما أدى إلى هجرة العقول الهندية إلى الخارج وخصوصاً إلى الغرب المتقدم. لكن ذلك لم يكن كله سيء. فهؤلاء المهاجرون اكتسبوا في الخارج الخبرة والمعرفة بأحوال السوق العالمية مما أتاح لبعضهم العودة إلى الهند، خصوصاً في الفترة الأخيرة مع انتشار سوق المعلوماتية على نطاق واسع. فمنذ سنوات قليلة بدأت تبرز مراكز كبيرة للمعلوماتية في بانغالور. وأخذت شهرتها ترتفع بشكل مذهل. وخلال السنوات الخمس فقط أنشأت حوالي 100 شركة عملاقة مراكز لها هناك تتعلق بتكنولوجيا المعلوماتية وقواعد للبحث العلمي، منها شركات مثل جنرال إلكتريك وهوليت باكارد وغيرها. وقد ارتفع مدخول هذا المركز الهائل من 1.3 في المئة من المدخول القومي للهند عام 2004م إلى 3 في المئة للعام الحالي. ويقول بنك “غولدمان ساكس” في أحد تقاريره الأخيرة “إن الهند إذا تابعت الطريق نفسه فستكون ثالث أكبر اقتصاد في العالم”. ويقول أجايا غوبثا مدير شركة هوليت باكارد في بانغالور إن شركته تنظر على المستوى نفسه إلى الهند وأمريكا وأوروبا وأحياناً أفضل.

إن السبب الأساس في نجاح بانغالور هو الجامعات الهندية أولاً، ثم معرفة حاجة السوق الدولية. إن معظم ما تنتجه بانغالور ليس للسوق المحلية، كما يقول غيلارمو ويل مدير جنرال إلكتريك هناك، بل إن معظمه للسوق الدولية، فهناك قدرة على إنتاج أحسن البرامج والأبحاث بواسطة علماء هنود متفوقين وأجورهم منخفضة جداً بالنسبة إلى البلدان المتقدمة. ويعمل في بانغالور حوالي 150000 مهندس برامج كومبيوتر، ومثل هذا العدد لا يتوافر إلا في “وادي السيليكون” في الولايات المتحدة الأمريكية. وللإشارة إلى نوعية الأشخاص الذين أسهموا في مثل هذه المشروعات هناك صورة العالم الشهير راغونانت ماشيلكار والذي يتحدر من عائلة مدقعة بالفقر، فكان يذهب إلى المدرسة عاري القدمين ولم يعرف ما هو الحذاء سوى في سن الـثانية عشرة. كما أنه لم يتمكن من إكمال علومه إلا بواسطة المنحة، فتخرج مهندساً كيميائياً من جامعة بومباي، وأكمل دراسته في جامعة “سالفورد” في بريطانيا، وأصبح عضواً في الجمعية الملكية للعلوم في لندن. ثم رجع أخيراً إلى الهند وترأس عدداً من المؤسسات العلمية والبحثية والمالية.

والمثال الصيني
أما الصين فقد اتبعت سياسة مختلفة عن النماذج السابقة. فبعد الثورة الشيوعية بقليل، أطلقت صناعات صغيرة مثل الصناعات الغذائية والأنسجة وآلات بيتية صغيرة موجهة إلى حاجات السوق المحلية والدولية في آنٍ واحد. فنجحت في القضاء على المجاعات التي كانت شائعة، وغزت الأسواق العالمية مما وفر لها الأموال اللازمة لتمويل مشروعات السوق المفتوحة في مدن الساحل الجنوبي. وازدهرت إثر ذلك تكنولوجيات صناعية حديثة وفرت للصين أعلى نسب نمو في العالم تقريباً وصلت إلى حوالي 10 في المئة سنوياً. لكن بعض المحللين يعزون سبب التقدم التكنولوجي والصناعي والاقتصادي للصين إلى أسباب أخرى غير ذلك. فصموئيل هانتيكتن في كتابة الشهير “صراع الحضارات”، يعزو كل هذا الازدهار إلى العصبية الصينية، ويقول إن معظم التوظيفات المالية في الصين هي من الصينين في كوريا وسنغافورة وتايلاند وغيرها من الدول الآسيوية، وكذلك من الصينيين العاملين في الغرب.

ولكن التقدم التكنولوجي الذي شهدته بعض دول أمريكا اللاتينية مثل المكسيك وكولومبيا وغيرها فسببه الرئيس اتباع سياسات السوق المفتوحة التي كان يوصي بها البنك الدولي. وهي نفسها السياسات التي أدت ببعض البلدان مثل منغوليا، كما ورد سابقاً إلى تأخر، لا بل إلى انعدام أي أثر للتقدم التكنولوجي.

وفي إيرلندا التي كانت في الثمانينيات من القرن العشرين، أي منذ حوالي عقدين من الزمن، تعاني نسبة بطالة وصلت إلى حوالي 17 في المئة وهجرة كثيفة واقتصاد متأخر، فقد تغير الوضع كما يؤكد الكثير من المحللين الاقتصاديين بفضل سياسات حكومية بسيطة وهي إنشاء مؤسسات حكومية للتعليم العالي في حقول الهندسة الكهربائية والإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات مما أدى إلى طفرة اقتصادية غير عادية في التسعينيات وصلت نسبة النمو فيها إلى 10 في المئة. وسميت إيرلندا على أثرها النمر “السيلتي” تشبهاً بالنمور الآسيوية التي شهدت ازدهاراً اقتصادياً غير عادي في وقت قصير.

قواسم مشتركة أم قواعد عامة؟
وإذا أردنا أن نستخلص قواعد عامة لتمكن بعض الدول من تحقيق التقدّم التكنولوجي، فإننا نرى مما ورد سابقاً أن معظم هذه الدول تطوّر تكنولوجيات تنتج للسوق الدولية. ويذهب بعض المحللين أكثر من ذلك ليقولوا إن تاريخ التكنولوجيا والصناعة ومحطاتها الأساسية ابتداءً من السكك الحديدية، عصر الكهرباء، عصر السيارة هو مثل عصر الإنترنت حالياً انطلق من المراكز العسكرية. فكما هو معروف فإن الإنترنت انطلقت في وزارة الدفاع الأمريكية ثم انتشرت لتطال معظم شؤون المجتمع الأمريكي ومن بعده العالمي.

وبينما نجد دولاً أتينا على ذكرها قد دخلت في دورة تكنولوجية واقتصادية متكاملة صعوداً، فإن كثيراً من الدول دخلت في دورة عكسية مثل بعض الدول الإفريقية والعربية التي تشهد ليس فقط تخلفاً تكنولوجياً واقتصادياً بل انحلالاً كلياً للدولة والمجتمع. وذلك بسبب العديد من العوامل، بعضها مثلاً ما أورده الاقتصادي المتميز في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية جيفري ساكس، ويقول إن مرض الملاريا هو المحدد الأساسي للازدهار والفقر في العالم. ورغم ذلك، فإن ما ينفق من أبحاث عليه على الصعيد العالمي هو بحدود 100 مليون دولار بينما يصل الإنفاق العالمي على أبحاث الدواء إلى 70 مليار دولار، مع أن مرض الملاريا يشكل 3 في المئة من مجموع الأمراض في العالم. وليس هناك من شركة أدوية واحدة تقوم بأبحاث حول التلقيح ضد هذا المرض على الرغم من سهولة الوصول إليه بعد نشر الخريطة الجينية وبعد امتلاك تكنولوجيات مختبرية متقدمة جداً. هذا المرض، يقول ساكس، جعل الإنتاجية الزراعية لجميع دول الصحراء الإفريقية، في أدنى مستوياتها. هناك الملايين من البشر، ممن لا أمل لهم في أي تقدم تكنولوجي، بل على العكس، إن همهم الأساس هو بقائي محض. فأي تغير في الطقس مثلاً يودي بحياة عشرات الآلاف وهذه التغيّرات كما تشير التوقعات المستقبلية هي على ازدياد.

العولمة داء ودواء
ففي مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في جينيف بسويسرا عام 2004م تحت عنوان “القمة العالمية لمجتمع المعلومات” طرحت الدول الإفريقية إنشاء ما سمي “صندوق التعاضد الرقمي” “Digital Solidarity Fund” لمساعدة الدول الفقيرة من ردم الهوة التكنولوجية والتي تسمى باللغة السائدة “الانقسام الرقمي”، لكن هذا الاقتراح رفض من المجتمعين.

إن العولمة وضعت في السنوات القليلة الماضية حداً لكثير من المفاهيم السائدة، وأقفلت الأبواب أمام فرص قديمة للشعوب المتخلفة لامتلاك التكنولوجيا. كما أنها فتحت فرصاً جديداً أمام هذه الشعوب في الوقت نفسه. فكثير من الباحثين والمحللين بدأوا يشككون بتقسيم العالم إلى ثلاث فئات كما كان الاعتقاد سائداً في القرن العشرين، وهو العالم الأول والثاني والثالث.

ففي كتابهم “الإمبراطورية” الصادر عن جامعة هارفارد يرى مايكل هارت وأنطونيو نيغري أن هذا الانقسام قد انتهى. ففي كل بلد هناك عالم أول وعالم ثان وعالم ثالث. ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً حوالي 36 في المئة من الفقراء حسب تحديد الأمم المتحدة لمستوى الفقر. وهو رقم مذهل في البلد الذي يعتبر المركز الأول للتكنولوجيا والأبحاث العلمية والنشاط الاقتصادي. وكما أن في الولايات المتحدة الأمريكية جميع المظاهر التي يمكن أن يراها المرء في أي مكان من العالم. هناك أناس يعيشون دون بيوت تماماً كما في كالكوتا في الهند. وكما أن هناك وادي السيليكون في أمريكا، ففي الصين مثلاً هناك في الجنوب المزدهر صناعات تكنولوجية عالية التقنية مثل الكومبيوترات بجوار ريف متخلف يعيش على الزراعة البدائية كما كان يعيش منذ آلاف السنين.

إن العولمة قد نشرت التقدّم التكنولوجي في كافة أرجاء الكرة الأرضية وحتى خارج الكرة الأرضية، لكنها نشرته في شكل بقع متناثرة تطال قسماً صغيراً من سكان أي بلد بمفرده.

وبما أن العولمة قد فتحت الحدود أمام الحركة الحرة للسلع والبضائع والأموال والمعلومات والتقنية، لكنها لم تفتح الحدود أما التنقل الحر للعاملين، فعلى أي بلد أن يستفيد استفادة قصوى من البقع التكنولوجية ويعتبرها خميرة لنشرها في كافة أرجاء المجتمع. وإلا فإن المجتمعات التي تخفق في ذلك يبقى مصيرها مجهولاً.

إن التقدّم التكنولوجي لم يعد، كما كان في العقود الماضية، مسألة مفاضلة، بل أصبح اليوم، وأكثر من أي يوم آخر، مسألة حياة أو موت. وليس هناك من طريقة واحدة لسلوك الطريق المؤدي إلى التقدّم التكنولوجي، بل هناك طرق متعددة الأساليب والألوان كما رأينا سابقاً.

الثقافة العلمية للجميع؟
محسن خضر
من التحديات التي يفرضها التقدم التكنولوجي هناك مسألة “تأسيس المجتمع العلمي”، والمقصود به هو نشر الثقافة العلمية في التكوين الثقافي المعرفي لدى أكبر عدد ممكن من المواطنين.

وتعريف الثقافة العلمية هو أنها “قدر من المعارف والمهارات والاتجاهات يتصل بالمشكلات والقضايا العلمية ومهارات التفكير العلمي اللازمة لإعداد الفرد للحياة اليومية التي تواجهه في بيئته ومجتمعه”. والمبرر أن طلبة اليوم سوف يصبحون الأفراد العاملين والمنتجين في المجتمع التقني المعقد وسوف يشاركون المواطنين في القنوات الاجتماعية المرتبطة بالعلوم.

وفي ظل ارتفاع مستوى الأمية وتراجع المكون العلمي في الثقافات الوطنية في دول العالم الثالث، تزداد أهمية الثقافة العلمية في مجتمعاتها. وللدلالة على أهمية الأمر وحيويته وخطورته نشير إلى أن مشروعات نشر الثقافة العلمية تطلق ليس في الدول المتخلفة علمياً، حيث هي حاجة ملحة، بل في أغنى المجتمعات وأكثرها تطوراً.

فمن المشروعات الرائدة في هذا الصدد مشروع “تعليم العلوم لكل الأمريكيين حتى عام 2016م”، والذي وضعته الجمعية الوطنية من أجل تطوير التعليم “AAAS”، ويسعى إلى تحقيق جملة أهداف أهمها:

– 
استيعاب مناهج العلوم لقاعدة معلوماتية توضح العلاقة بين العلوم والرياضيات والتكنولوجيا.
– 
التعريف بتاريخ العلم والعلماء.
– 
إبراز الجهود العلمية المتعلقة بالطبيعة الإنسانية للعلوم والرياضيات والتكنولوجيا.
– 
التأكيد على الجوانب العقلية في المعتقدات والقيم العلمية اللازمة لتنمية الاتجاهات العلمية.
– 
التركيز على الموضوعات العلمية النفعية للطلاب والتي تتصل بمشكلات الإنسان في المستقبل.
– 
تصميم كل ولاية أو مقاطعة أمريكية لمناهج تعليمية مقترحة ذات خصوصية سياسية لتلاميذها.

يتوزع مشروع الثقافة العلمية لجميع المواطنين الأمريكيين على ثلاث مراحل وهي:
– 
المرحلة الأولى: وهي مرحلة تنظيرية تخطيطية تركز على الأهداف والمراحل وتحديد المعارف والمهارات وتشكيل لجان العمل .
– 
المرحلة الثانية: وتستهدف وضع المناهج التعليمية للتلاميذ بمرحلة رياض الأطفال حتى نهاية المرحلة الثانوية, وحددت ست مدن أمريكية للاشتراك في هذه المرحلة بوضع ستة مناهج تعليمية مختلفة. وهذه المدن هي: فلادلفيا، سان دييغو، جورجيا، سان فرنسيسكو، سان أنطونيو، وميرلاند.
– 
المرحلة الثالثة: وتستهدف تنفيذ الموضوعات التي اقترحتها المدن الست في مشروع تعليم الأمريكيين ليتم التنفيذ على عينة مبدئية تشمل 80 ألف مدرسة و50 مليون طالب, على أن يكون اختيار الولايات للمناهج المقترحة حرة من دون شروط, وتستغرق هذه المرحلة عشر سنوات لتنفيذ عملية التدريب المبدئي لهذه المناهج.

أما أهم محتويات الثقافة العلمية فهي العلوم، والرياضيات، والتقنية، والقضايا والموضوعات والمهارات المرتبطة بالمجالات العلمية، والظواهر الطبيعية، والخصائص العامة لكوكب الأرض، البيئة الحية، تسهيل الظواهر وتطور الكائن الحي، دورة حياة الإنسان، التركيب والوظائف الأساسية في جسم الإنسان، الصحة الجسمية والعقلية للإنسان، التقنية الطبية، المجتمع الإنساني، دينامية المجتمع الإنساني، الصراع الاجتماعي، أشكال النظم السياسية، العمليات الرمزية، التقنية الطبية.

ونحن إذ توقفنا أمام مثل هذه الأهمية التي يوليها مجتمع متقدم تكنولوجياً لنشر الثقافة العلمية، فذلك للتوكيد على أن الحاجة إلى نشر هذه الثقافة في المجتمعات المتخلفة تكنولوجياً يصبح حاجة أكثر إلحاحاً، والتفكير في مشروع مماثل على الصعيد العربي مثلاً أبعد ما يكون عن الترف.

ندوة الرياض: العلم العربي في خطر
فبالوصول إلى حال العلوم في الوطن العربي يمكننا رسم الخطوط العامة لما هي عليه من خلال الندوة التي عقدت قبل فترة في الرياض بعنوان “البحث العلمي والتكنولوجي في العالم العربي” ونظمتها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية مع المؤسسة العربية للعلوم والتقنية.

فعلى مدى أربعة أيام تم تقديم 248 بحثاً أمام 1200 مشارك من جهات العالم الأربع. وتوزعت محاور المشاركات على موضوعات عديدة أبرزها: دور البحث العلمي والتطوير التقني في تحقيق التنمية الإنسانية في العالم العربي، واقتصاديات البحث العلمي في العالم العربي، الهجرة من البلدان العربية، أهمية التمويل والتشريعات في دعم البحث العلمي.. وذلك إلى جانب جلسات متخصصة في محاور الطاقة والمياه والتقنيات الحيوية والمواد الجديدة والفضاء والبيولوجيا وغير ذلك.

وقد كشفت الندوة عن تدني أوضاع البحث العلمي العربي تمويلاً وإدارة ومخرجات. فنسب تمويل البحث العلمي لا تتجاوز نصف الواحد في المئة من الدخل القومي، وأكثر من 85 في المئة من الطلاب العرب الحاصلين على شهادات الدكتوراه من الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، وهو ما يضعف بناء المجتمع المعرفي العربي. ومن أسوأ ما كُشف عنه خلال تلك الندوة هو أن 75 ألف أكاديمي عربي هاجروا إلى الغرب في عام واحد 1992م، كما أن 15 ألف طبيب هاجروا خلال العامين الأخيرين من القرن الماضي.

أما توصيات الندوة فشملت ضرورة إصلاح منظومة التعليم العربي بما يدعم الإبداع والابتكار، والتعريب الشامل لجميع مستويات التعليم كوسيلة لإثراء العلوم وإنتاج التقنية في البلاد العربية، وتفعيل التعاون والتنسيق العلمي والعربي خصوصاً في المجالات الحيوية عالمياً مثل التكنولوجيا والمواد الأولية والسعي إلى الاستفادة القصوى من العلماء العرب والمهاجرين.

فهل هذه التوصيات أو ما يشبهها هي مجرد أمنيات لا أمل في تحقيقها؟ أم أن أمام العرب نافذة يمكنهم أن يحققوا من خلالها اختراقاً علمياً وتكنولوجياً إذا ما توافرت الظروف والعوامل الملائمة؟

أضف تعليق

التعليقات