الثقافة والأدب

الإيماء
يستحق أضواءً أكثر

  • 70-(Marcel-Marceau_greatest-mime)
  • 71-(0000167248-005)
  • 72c-(Lascaux-wc-pd-300)
  • 73-(pict2[1])
  • 74-(CJ005451Kabuki)
  • 75-(42-15483112)

أشعب كان رائده عند العرب..
إن اللبيب من الإشارة يفهم ..
ما لك تتكلّم بالومى؟ ..
وساد في الجمع صمت بليغ ..
عبارات ربما سمعناها أو استعملناها ولم ننتبه إلى كونها تعتمد على أهمية الإشارة والومى (الإيماء) والصمت لإيصال فكرة ما. وإيصال فكرة ما هو إلا ضرب من الفنون، وفن إيصال المعلومة بالإشارة والومى والصمت هو فن الإيماء . الكاتب المسرحي فائق الحميصي يحدثنا عن هذا الفن وتاريخه وموقعه في العالم العربي.
الإيماء فن مسرحي يتميز بكونه فن إيصال المعلومات والأفكار والمشاعر إلى جمهور المشاهدين من دون الحاجة إلى لغة اللسان، أي الكلام، وبالاعتماد فقط على التعبير بحركات الجسم.

تاريخ الإيماء في العالم
يعود تاريخ الإيماء إلى بداية تعبير الإنسان عن نفسه وعن مشاعره وعن حوادث عاشها. ويمكننا الاستدلال على ذلك من رسوم الإنسان البدائي في المغاور التي كان يقطنها (مغارة لاسكو في فرنسا على سبيل المثال) ومن الاحتفالات الراقصة لدى شعوب وقبائل حافظت على أشكال احتفالاتها التقليدية حتى اليوم كما الحال لدى بعض القبائل الإفريقية. فتلك الرسوم والرقصات تروي بالشكل والحركة والإيقاع أحداثاً يرغب المجتمع في تخليدها. ولا أدلّ على تبني الحضارات القديمة لفن التعبير بالحركة (الإيماء) إلا كونه جزءاً لا يتجزأ من رقصات الحروب، حيث تؤدى حركات القتال، إيمائياً، في احتفال الاستعداد للمعركة، وتستعاد ملاحم البطولة، إيمائياً، في احتفال الانتهاء من المعركة. كما نجد فن الإيماء في روايات الصيد البطولية، حيث تمثّل إيمائياً حركات الصيَّاد والحيوانات الطريدة، وغير ذلك.

أمّا الإيماء، بصفته فناً مستقلاً أو نوعاً من أنواع العرض المسرحي. فقد عرفته الحضارات القديمة. لكن تطوره اختلف بين حضارة وأخرى. ففي حضارة الشرق الأقصى القديمة عرفت الهند فن الإيماء في الدراما الراقصة الطقوسية بهاراتا تانيتا . كما اعتمده اليابانيون في فن الكابوكي ومسرح النو والصينيون في عروض أوبرا بكين، حيث يؤدي الممثل الأحداث بالحركة والرقص والإيماء، ومازالت هذه العروض تحافظ على أسلوبها وشكلها حتى عصرنا هذا.

أما في أوروبا فقد ظهر فن الإيماء في الحضارة اليونانية القديمة ثم الرومانية ضمن الطقوس الوثنية، ثمّ تحول إلى عرض إيمائي تهريجي مستقل تؤخذ موضوعاته من الحياة اليومية وتؤديها مجموعة من الممثلين المقنعين بأقنعة نمطية ترمز لشخصيات محددة وهم يرتدون ملابس مضحكة. حافظت هذه العروض على نمطها وأسلوبها الساخر واستخدامها الواسع للحركة والبهلوانيات، إلى أن تحولّت إلى عرض إيمائي محدد قوامه الرقص والحركة يؤدي فيه ممثل واحد أدواراً متعددة بمرافقة الجوقة التي تغنّي النص، والفرقة التي تعزف الموسيقى وعرف تحت اسم بانتوميموس (القرن الأول قبل الميلاد).

مع زوال الإمبراطورية الرومانية في القرن السادس الميلادي، تحوّل هؤلاء الإيمائيون إلى منشدين في القصور وإلى مؤدي حركات بهلوانية وتهريجية في الشوارع، إلى أن أصبحت عروضهم جزءاً أساساً في العروض الجوالة (السيرك فيما بعد). لكن هذا التحول انحسر مع السنوات ليزول مع بداية عصر النهضة في أوروبا (القرن السادس عشر الميلادي) فعادت العروض الإيمائية تغني المسرح الأوروبي الكوميدي كـ الكوميديا ديل آرتي في إيطاليا والكوميديا الإليزاباتية في إنجلترا.

في القرن الثامن عشر، أدّت القوانين، التي أصدرها البلاطان الإنجليزي والفرنسي، فمنعت الفرق المسرحية، غير المعتمدة في البلاط الملكي، من عرض مسرحيات ناطقة، إلى إعادة الحياة للعروض الإيمائية الشعبية، التي أصبحت لها شخصياتها المحببة لدى الجمهور مثل شخصية أرلكان التي انبثقت عنها شخصية بيارو بقناعه الحزين وهو المتيَّم الدائم.

في نهاية القرن التاسع عشر، عادت الروح إلى العروض الإيمائية الصرفة، الضاحكة والجادة معاً، خاصة مع سطوع نجم إيمائي فرنسي هو غوستاف دي بورو الذي برع في أداء شخصية بيارو . ومع بداية القرن العشرين نشأت في فرنسا مدرسة الصمت وكان مُنظِّرها الإيمائي إتيان ديكرو الذي تناول الإيماء لغة لها قواعدها، ففتح المجال أمام تصنيف الإيماء وسيلة من وسائل التعبير في المسرح لا تعتمد التقليد إنما هي تقبع على كرسي خاص بها، بين الرقص ومسرح الكلام. تأثر بنظريات ديكرو تلميذاه جان لوي بارو و مارسيل مارسو . لكن بينما ذهب الأول نحو مسرح إيمائي شامل يستخدم باقي عناصر الإخراج المشهدية من دون حرج، نحا الثاني نحو عروض إيمائية فردية في فضاء مسرحي خالٍ إلاّ من إيماءات الممثل، وقد نالت عروضه شهرة عالمية ولا تزال، وتأثر بها معظم الإيمائيين في العالم حتى أيامنا هذه. كما استفادت السينما الصامتة من قوة أداء الفنَّانين الإيمائيين وتمثيلهم فاستعانت بهم لتصوير أول أفلامها، أما أبرز الذين شاركوا في أفلام السينما الصامتة فهو بلا شك الممثل الإيمائي شارلي شابلن.

العرب والإيماء
عرف العرب حتى القرن الثاني للهجرة عروضاً لفرق عرفت بفرق السماجة ، لم تكن عروضها إيمائية صرفة وإن تخللتها حركات وأشكال تعبير مسرحي تعتمد على الرقص والمحاكاة الصامتة. كما عرفوا عروضاً لمهرِّجين ومقلِّدين كانوا يصبغون وجوههم أو يرتدون أقنعة ليقدِّموا مشاهد ساخرة في بلاطات الخلفاء وفي الساحات كما ورد في كتاب الأغاني للأصفهاني. ومن أشهر من ورد ذكره في كتاب الأغاني واحد ممن عرفناه كأحد ظرفاء العرب وهو أشعب المعروف بنوادره المبنية على شراهته. لكن يبدو أن هذه النوادر ليست في الحقيقة إلا فصولاً مما كان يؤديه هذا الظريف. فقد ورد في كتاب الأغاني (جزء 19 صفحة 159- الهيئة العامة للكتاب 1972) ما يلي:
بلغ أشعب أن الغاضري قد أخذ في مثل مذهبه ونوادره، وأن جماعة قد استطابوه، فرقبه حتى علم أنه في مجلس من مجالس قريش يحادثهم ويضحكهم، فصار إليه ثمّ قال له: لقد بلغني أنك نحوت نحوي وشغلت عني من كان يألفني، فإن كنت مثلي فافعل كما أفعل، ثمّ غضن وجهه وعرّضه وشنّجه حتى صار عرضه أكثر من طوله، وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها، ثمّ أرسل وجهه وقال له: افعل هكذا، وطوّل وجهه حتى كاد ذقنه يجوز صدره، وصار كأنه وجه الناظر إلى سيفه.. ثم تحادب فصار في ظهره حدبة كسنام البعير وصار مقدار شبر أو أكثر.. ثم قام فتطاول وتمدد وتمطى حتى صار أطول ما يكون من الرجال، فضحك والله القوم حتى أغمي عليهم وقطع الغاضري فما تكلّم بنادرة، ولا زاد على أن يقول، يا أبا العلاء لا أعاود ما تكره، إنما أنا تلميذك وخرّيجك، ثم انصرف أشعب وتركه .

يحمل هذا النص، بوضوح، وصفاً دقيقاً لفن أتقنه أشعب وغيره من ظرفاء العرب كان يقدَّم في الساحات وأمام جمهور الشارع، وسمة هذا الفن الأساسية أنه يعتمد على المبالغة في حركة الجسم بغية إضحاك جمهور المشاهدين. بالإضافة إلى نص الأصفهاني هذا، وردت في دراسات بعض الباحثين أحاديث كثيرة عن مظاهر مسرحية في نواحي الحياة الاجتماعية والثقافية عند العرب، قبيل ظهور الإسلام وبعيده، والتي لا يمكن إلا أن تكون قد تأثرت بالحضارتين اليونانية والرومانية نظراً لكثرة المسارح من الطرازين في سورية ولبنان والأردن وفلسطين. وتحدث الجاحظ عن ظرفاء ومضحكين يُدعون الميامس، كان ذكرهم قد ورد عند أحد شعراء القرن السادس الميلادي، القرن الذي ازدهر فيه فن الإيماء في أوروبا، ومنه هذه الأبيات:
وابلــــغ كـــل منتــــخـــــب هــواء
رحيب الجوف من عبد مدان
ميــامــس غــــزة ورمــاح غـاب
خفـــاف لا تقـــوم بها اليـــدان

وحار اللغويون العرب في تفسير كلمة ميامس ، الواردة في البيت الثاني، وردّها إلى جذورها. وقد جاء في شرح الديوان أن الميس, أحد الميامس، هو الذي يُسخر منه.. فهل للميس علاقة بكلمة ميموس اليونانية أي الممثل الهزلي المحاكي؟ (د. محمد يوسف نجم، الحياة المسرحية،ع 2 سنة 1977). كذلك ورد في شعر عبدالله بن المعتز في القرن الثالث للهجرة وصف ومدح لرقص وتنكر السمّاجة:
تميل في رقصهم قدودهم
كما تثنّت في الريح سروات
وركب القبح فوق حسنهم
وفي سماجاتهم ملاحات

وبالرغم من دقة هذه الملاحظات، لا يمكننا الركون إليها لنستنتج ما يفوق كونها ظواهر فقط يصعب تحديد مدى انتشارها وتواصلها أو تطورها، ولا مجال في بحثنا هذا إلى أن نخوض فيها وفي أسبابها.

الإيماء في الحركة المسرحية المعاصرة
اتخذ الإيماء مركزاً مهماً بين فنون العرض المسرحي وتفاعل معها، فتأثر بها وتأثرت به منذ بدايات القرن العشرين وحتى أيامنا هذه. ففيما لمع نجم إتيان ديكرو ومدرسته الإيمائية ومنهجه في إعداد الممثل الإيمائي خاصة عبر تلاميذه ومعاصريه أمثال مارسو وجان لوي بارو وجاك لوكوك الذين أسس كل منهم على حدة، محترَفات لتدريس فن الإيماء بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتشر تلاميذ هذه المحترَفات ليؤسسوا حركة مسرحية إيمائية، في مجمل أوروبا والعالم. وبالتالي، أصبح الإيماء جزءاً أساسياً في مناهج إعداد الممثل لدى كبار مخرجي بداية القرن العشرين أمثال فيسفولد ماير خولد الروسي وغوردن كريغ الإنجليزي وبرتولد بريشت الألماني الذين أدخلوا تمارين التمثيل بالقناع المحايد في تدريباتهم، بغية مساعدة الممثل في التعبير بجسمه بدلاً من الاعتماد على النص الكلامي وتعبيرات الوجه. إلى ذلك عمد بعض المخرجين التجريبيين إلى اقتباس مسرحيات عالمية وحوَّلوها إلى إيمائيات.

أدى هذا التفاعل بين المسرح الكلامي والإيماء إلى تأثره بفن الرقص وتأثيره فيه. فنشأ العرض الإيمائي الإيقاعي الذي تؤدى فيه الحركات على إيقاع موسيقي. كذلك تأثر مدربو الرقص بالإيماء فأدخلوه في تدريبهم وتصميمهم ليتخلّصوا من قواعد الرقص الكلاسيكي أمثال إيزادورا دانكن ومارتا غراهام وم.كوننغهام وج. روبنز، ونشأ بفعل ذلك ما يسمى الباليه بانتوميم .

لم يقتصر تأثير الإيماء على فنون العرض فقط، بل تعداها إلى فن الكتابة المسرحية. وقد عمد الكثير من المؤلفين إلى كتابة مسرحيات صامتة لتؤدى إيمائياً ومنهم صموئيل بيكيت في مسرحية فصل من دون كلام، وجورج شحادة (لبناني كتب بالفرنسية) في مسرحية اللباس يصنع الأمير، كما كتب الشاعر الفرنسي جاك بريفير إيمائيات عديدة وبنى فِلمه أولاد الجنة على حياة ممثل إيمائي، أدى دوره جان لوي بارو وشارك في الفِلم إتيان ديكرو في شخصية دي بورو نجم الإيماء في القرن التاسع عشر.

الإيماء عند العرب المعاصرين
كما ذكرنا آنفاً، لم يتواصل فن المسرح عند العرب المعاصرين مع الظواهر المسرحية عند العرب الأقدمين، بل نلاحظ في هذا المجال انقطاعاً تاماً، نتمنى أن نعمد إلى دراسة مستفيضة وعميقة في أسبابه. إلا أن كتب تاريخ المسرح العربي الحديث تتحدث عن حركة مسرحية إيمائية نشطة مع بداية السبعينيات من القرن العشرين. ففي سنة 1972 قدِّمت في بيروت مسرحية إيمائية متكاملة (فدعوس يكتشف بيروت، تمثيل فائق حميصي وإخراج موريس معلوف). تعدُّ هذه المسرحية أول مسرحية إيمائية تقدَّم بمستوى احترافي في الوطن العربي، وقد مثّلت لبنان في مهرجان دمشق الرابع للفنون المسرحية سنة 1972.

بعد نجاح عرض فدعوس يكتشف بيروت تابع كلّ من حميصي ومعلوف تقديم عروضهما الإيمائية إلى أن توقف معلوف (سنة 1975) وتابع حميصي، حتى أيامنا هذه، منفرداً ومشتركاً مع مجموعة من تلاميذه، تقديم عروض إيمائية تتوق إلى خلق شخصية خاصة بالعروض الإيمائية العربية تختلف عن عروض الغرب أسلوباً وفكراً، في لبنان وخارجه.

بدأت عروض الإيماء تنتشر في الوطن العربي مع نشوء مجموعة إيمائية في دمشق برعاية المخرج رياض عصمت، ومن أشهر ممثليها الإيمائية السورية ندى حمصي. أما في مصر فلم تتحدث كتب تاريخ المسرح المعاصر عن عروض إيمائية مسرحية تذكر، لكننا شاهدنا عروضاً في برنامج تلفزيوني لإيمائي يدعى أحمد نبيل برهن فيها عن دراية في فن الإيماء.

وبالرغم من اقتصار حركة العروض على ما ذكرنا آنفاً، إلاَّ أن الإيماء وتقنيات أدائه أصبحت مادة يدرسها كل منتسب إلى إحدى مدارس التمثيل في العالم العربي.

الإيماء في المسرح العربي
لجأ مخرجون عرب كثر إلى استخدام تقنية التمثيل الإيمائي لخدمة أهدافهم الإخراجية وإغنائها، ونذكر منهم على سبيل المثال، المخرج يعقوب الشدراوي (لبنان) الذي قدَّم مشهداً إيمائياً صرفاًً في مسرحيته نزهة ريفية والمخرج محمد إدريس (تونس) الذي استعان بتقنيات الإيماء في مسرحيته إسماعيل باشا.

ومن الكتَّاب المسرحيين العرب الذين خصّوا الإيماء بنصوصهم الكاتب عصام محفوظ، أول من كتب إيمائية باللغة العربية (سعدون – سنة 1961)، والكاتب بول شاوول والدكتور فاروق سعد الذي أغنى المكتبة العربية بعدة مسرحيات إيمائية لعل أكثرها جرأة وتجدداً مسرحية كارمن إيماء، المستوحاة من قصة بروسبير ميريمي ومن أوبرا كارمن التي لحَّنها جورج بيزيه.

ختاماً، يبدو أن الإيماء بتقنياته وأسلوبه قد أصبح رافداً أساسياً لديمومة الحياة في العروض المسرحية لتفرده في الاستغناء عن لغة اللسان لصالح لغة الجسم. وهذا ما حدا بمنظمة اليونيسكو (المؤسسة الدولية للمسرح) على تسمية يوم الثالث عشر من نوفمبر من كل عام، يوماً عالمياً للإيماء، يحتفل به المسرحيون في أرجاء المعمورة سنوياً.

أضف تعليق

التعليقات