حياتنا اليوم

محمدالصكار

اسم أوقعه في غرام الخط العربي

الكلمة لها صور متعددة الأنماط والأشكال، يقع في غرامها من يبحث في أسرار الأبجدية ليخط رموزها بسن قصبة مغموس في المداد والوداد. محمد سعيد الصكار المغرم والعاشق للحرف المكتوب تقتنص له عبير الفوزان صورة شخصية قريبة من القلب..بعيدة عن ضجيج المحافل وأخبار الصحف.
عندما تقع في غرام صورة كلمة مخطوطة على باب، فإنك حتماً ستكون قد اقترفت أغرب الذنوب وأجملها. مثلما حدث مع الخطاط محمد سعيد الصكار في بلده الخالص، في العراق عام 1946م. عندما أغرم بكلمة «رانيا» وهي مخطوطة على باب صدئ. لم يقع الصكار في غرام الاسم ولا تلك التي خلف الاسم، لكنه وقع في غرام صورة تلك الكلمة التي رسمت بخط الرقعة. لقد بهرته وهو لا يزال طفلاً في الصف الثاني الابتدائي، وحفزته لأن يكون خطاطاً.

محمد سعيد الصكار شيخ الخطاطين، ذلك الذي يدلل نفسه بالتنقّل الحرِّ بين اهتماماته، كما يقول، فما بين قصب الخط وكلمات يضيق بها الوجدان يدلق بعض وجعه وكثيراً من فنه على ورق الكتابة والخط. عندما يمسك بالقصبة تتحرك معها أوتار معصمه، وتعزف أوتار قلبه قصائد في الحب وعشق الوطن. الصكار الشاعر والخطاط والقاص والمسرحي عذب المنطق وسلس الكلام. نقف بين وتريه لنسمع مقطوعات من فنٍّ ووجع. تدهشنا المعرفة، فنغرِّد خلف الطائر إلى باريس، وما أدراك ما باريس حيث المنافي الاختيارية فضاء. منذ السبعينيات وباريس بيت الصكار، ومنفى صانع الأبجديّة الطباعيّة أو كما يقال، الأبجديّة الصكاريّة في الطباعة وفرضيته: «لكون الحروف العربية موصولة، يمكن الاختصار»، وذلك رداً على دراسة المستشرقين وفرضيتهم: «لكون الحروف العربية موصولة، تعددت أشكال الحرف الواحد». فبدلاً من 900 شكل للحروف أصبح للصكار 22 وحدة بصرية، بينما الأصوات اللغوية في أبجديته أصبحت أكثر.

إنجازات الصكار البصرية تعددت ما بين هذا المشروع العملاق «الأبجديّة الطباعيّة»، وابتكار أربعة خطوط لم تكن موجودة في الخط العربي، ومشروع بوابة مكة الذي جمع بين فن الخط والعمارة والزخرفة، حيث حصل على جائزة دار التراث المعماري لتصميمه جداريات بوابة مكة في عام 1988م. إن الخط يُعدُّ واحداً من أكثر الفنون التشكيلية والعربية أصالة، وهو نتاج فني يفصح عن هويته العربية والإسلامية. ويفصح عن هويّة خطاطنا الذي تتلمذ على يد قنديل الخط العربي هاشم محمد البغدادي صاحب الكراسة الشهيرة «قواعد الخط العربي» التي كانت تُدرَّس للطلبة في معظم أنحاء الوطن العربي. كما تفصح لوحاته الحروفيّة عن شغفه باللون، ولعل ذلك يعود لمهنة والده الذي اشتغل بصباغة النسيج. أما توجهاته في الخط العربي وتجديداته فيه، بالرغم من أنه خط مقنن ومنضبط القواعد، فكانت تفصح عن اتساع رؤية الصكار الفنية. لقد بحث في الخط العربي فتوصل إلى عناصر جماليّة لا حدود لها تُمكِّن من تطوير الخط وتجويده وفقاً لقوانينه.

الصكار الفنان الرقيق الإحساس والهادئ النبرات، ذو الأصابع البيضاء الطويلة الرقيقة التي حالما تمعن النظر فيها تسافر معها متسائلاً هل هي أصابع عازف عود أم قانون؟! لا شك أن هذه الأصابع العراقية الرقيقة تنقل الحس من الوتر عبر الوتر إلى القلب! إن أصابع الصكار هي ثروته الحقيقية، فما بين سبابته وإبهامه صنع بفنه الذي يتطلب الهدوء والدقة تاريخاً ناصعاً في عالم الخط العربي، وأسبغ عليه فن زخرفة حرة.
عندما تلتقي محمد سعيد الصكار وهو قادم من باريس ذلك المنفى الاختياري البعيد عن وطنه تلمس فيه حنيناً لكل ما هو قريب من الوطن.. حنيناً إلى الناس وإلى الأماكن واللغة وحتى الطعام. فلو سألته، مثلاً، عن أحب الأطباق لديه لتقوم بواجب الضيافة تجاه ذلك المغترب الفنان، فإنه سيخلِّصك من حرجك بأن يقول: «أكل بيت». يقولها صادقاً، فهو يشتاق إلى «التمن»، ذلك الأرز العراقي الفاخر المطبوخ بنَفَسٍ شرقيّ.. وعندما تُعدِّد أمامه الخيارات، يختار مطعماً إيرانياً فهو الأقرب بأطباقه إلى بلاد الرافدين. يتكلم مسهباً بهدوء بينما ملعقة الطعام تظل مُعَلَّقةً وقتاً طويلاً وهو يسرد حادثة ما.. يطول الوقت ويقصر وطبق الصكار الذي أمامه لا ينقص. تستغرب كيف للحنين أن يحول شهية الإنسان إلى شهية طائر.. يحلِّق بالحديث نحو عوالم الأصدقاء والشعر والإخوانيات، وفي تحليقه لا يتجاهل سؤالك أو تعليقك، فهو حاضر البديهة والحس تجاه الصغار والكبار.

أبو ريَّا، كما يحب أن يُنادى، يملك ذاكرة ناصعة كقلبه. يحب أن يأتي على ذكر من مرّوا في حياته متمهلاً كما يخط حروفه متمهلاً. تكتشف مع ذاكرته كمّاً من الناس الذين يعرفهم، وكمّاً من الناس الذين يحبون الصكار ويحبهم. فأصدقاؤه بين المدن والمنافي.. بين مطرقة الروح وسندان القلب.

يملك هويَّة عراقيَّة تشير إلى أنه مولود عام 1934م في بلدة المقدادية التي تقع شرق بغداد. ويملك تصريحاً بالإقامة شبه الدائمة في فرنسا منذ عام 1978م. لكن عروبته تتسلل من النخاع والروح والقلب إلى مداد الخط فتنثني الحروف العربيّة بجماليّة قَلَّ أن نجد نظيرها بين حروف لغات العالم.

شيخ الخطاطين ليس له من الأبناء إلاّ ابنته ريَّا. ربما كان اختياره لهذا الاسم الشبيه في رسمه باسم رانيا يعود لسر عشقه الأول لحروف بعينها كالراء والياء. ولابد أنه خط هذا الاسم مرَّاتٍ ومرَّاتٍ قبل أن يختاره ليرى كيف سيكون اسم «أبو ريَّا» بمداد الصكار؟

من المفارقات الغريبة أن يكون الصكار خطاطاً، وأن يكون شيخ الخطاطين مجدداً، وأن يكون محمد سعيد الصكار كما تكتب بالكاف لا القاف وتنطق بلهجة عراقية باريسي السكن. فحزنه البني كما يقول في قصيدة له يشبه لون نهر دجلة ويشبه لون الأسطح في باريس.. كيف للنهر في حزنه أن يوازي الأسطح الباريسية؟! وكيف للصكار أن ينسى الحزن والنهر والعراق؟!

أضف تعليق

التعليقات