بيئة وعلوم

مسارات ومحطات
رحلة الدواء داخل الجسم

  • 39a

يمر قرص الدواء بمحطات معيَّنة منذ أن يتناوله المريض حتى ظهور تأثيره.
ويؤثر التغيير الذي يحدث في مسار الدواء خلال إحدى هذه المراحل في النتيجة النهائية التي يحصل عليها المريض بعد تناوله.
ما هي هذه المراحل؟ وما العوامل المؤثرة في كل مرحلة؟ وكيف تؤثر الخصائص الحيوية لجسم المريض على الدواء، مثلما يؤثر هو فيها؟ الدكتور حذيفة أحمد الخراط يجيب.

يمكن الجزم بأن ليس ثمة إنسان في هذا العالم لم يتناول ذات يوم حبة دواء، شعر بأن جسمه بحاجة إليها، في لحظة كان الدواء فيها علاجاً هاماً، لداء طارئ ودخيل، حلَّ بالجسم على حين غفلة من صاحبه.

فمن منَّا لم يشعر ذات يوم بصداع مفاجئ، أرَّق مضجعه، وأخذ ناقوسه يدق بشدة، كمطرقة وَجَّهت طاقتها دون رحمة، تجاه رأس عانى صاحبه من ضغط العمل وجهد المسير؟، ومن منَّا نجا من غزو الجراثيم المفاجئ لجسمه، محدثة بذلك التهاباً سارع بصاحبه إلى تناول أقراص المضاد الحيوي المعروفة؟. وكثيرة هي الأمثلة التي دفعت بنا ولا تزال تدفعنا إلى تناول الدواء بحثاً عن ضالتنا المنشودة، التي فُطر الإنسان على طلبها، وجدَّ بالسعي نحوها منذ قديم الزمن، وهي حياة نحياها بلا ألم أو مرض.

ونادراً ما نهتم بالطريقة التي عملت فيها حبة الأسبرين -على سبيل المثال- على تخفيف حدة صداعنا. فالتفكير بمسرح العمليات المعقَّدة تلك، التي تحدث داخل أجسامنا من دون شعور منَّا، أو أدنى درجة تحكم إرادي، كفيل بأن يزيد من حدة ذلك الصداع. إلا أن فضول البعض وحبهم للغوص داخل الجسم، والتنقيب عن خفاياه الكثيرة، قد يدفعهم إلى التفكير في هذا الأمر. كيف تمكن ذلك القرص الأبيض الصغير، من إيقاف شلال الألم؟ وما هي المحطات التي مر بها هذا القرص، بدءاً من تناوله، إلى أن ظهر التأثير المرجو؟ وما هي تلك الطاقة الكامنة، التي تفجَّرت وانطلقت من ذلك القرص، فعالجت المشكلة بيسر وسهولة؟ فإذا بالصداع المؤرق يزول، وكأن شيئاً لم يكن.

إذن ما هو الدواء؟
يمكننا تعريف الدواء بأنه مادة يتم تناولها، لتحقيق أهداف علاجية أو وقائية أو تشخيصية. ونضرب على هذه الأهداف الثلاثة، أمثلة حية من الأدوية التي يكثر استعمالنا لها. فنحن نتناول على سبيل المثال، البنسلين بأشكاله الدوائية المختلفة بغية علاج التهاب ما، حلَّ بأحد أجزاء الجسم. ولأهداف وقائية بحتة، فإنَّ منَّا من يتناول دواء فانسيدار (Fansidar)، قبل سفره إلى إفريقيا، محاولة وقاية جسمه من الإصابة بداء الملاريا، الذي توطن في القارة السمراء، وانتشر في أدغالها ومدنها. وأخيراً، فإن طبيب العيون، يستخدم بعض القطرات الخاصة، يصبها في عين مريضه، بهدف تشخيص بعض ما يصيب العين من أمراض.

وقد تطور العلم الحديث، في سبر أغوار الدواء، وتم كشف النقاب عن الكثير من الغموض، الذي يلف تلك المادة السحرية، وما يعتريها من تغيرات وتفاعلات حيوية داخل أجسامنا. وظهر بذلك علم جديد، اسمه علم الأدوية (Pharmacology)، وهو العلم الذي يتناول بدراسته، أصناف الدواء واستخداماتها العلاجية، وتفاعلها الحيوي داخل الجسم، وتأثيراتها الجانبية التي تظهر في جسم متناولها.

مصادر عدة للدواء المتناول
وللدواء الذي نتناوله مصادره المختلفة، ولعل البعض منَّا يعتقد أن هذا الدواء ما هو إلا مواد كيميائية، نتجت عن تفاعلات معقَّدة، تلاعبت بها أيد العلماء في أقبية مختبراتهم العلمية، إلى أن ظهر في صورته النهائية المعروفة. ولعل هذا القول تنقصه بعض الصحة. فليست التركيبات الكيميائية المعقَّدة، المصدر الوحيد الذي نحصل من خلاله على الدواء، بل إن هناك مصادر أخرى لذلك.

فعالم النباتات من حولنا يمدنا بالعديد من الأدوية، ونبات الصعتر (أو الزعتر) مثال عنها، إذ يمدنا بأدوية فعَّالة لعلاج حالات الإسهال، وأوراق نبتة البيلادونا (التي تعرف أيضاً بنبتة ست الحسن) تمدنا بمادة الأتروبين Atropine، ذات الصيت الذائع في علاج الكثير من الأمراض.. كما أن لحاء شجرة الكينا Cinchona، يعد المصدر الرئيس لدواء الكينين الفعَّال في علاج الملاريا.

وهناك على صعيد آخر، مصادر حيوانية، يتم استخلاص بعض الأدوية منها. ولعل الأنسولين أشهر مثال على ذلك، إذ من الممكن تحضيره من بنكرياس بعض الحيوانات كالأبقار مثلاً.

ولبعض المعادن خصائص دوائية، تضمها إلى مصادر الدواء المختلفة، ومن ذلك معدن الزئبق الذي يدخل في تكوين المطهر المعروف بالمركوركروم. كما أن للكائنات الحية المجهرية دوراً مهماً في تكوين بعض الأدوية، ومن أشهرها على الإطلاق: البنسلين الذي تشكله بعض الفطريات المجهرية بصورة طبيعية، ويعد الفطر المعروف باسم Penicillium Chrysogenum المصدر الطبيعي الأكبر لذلك المضاد الحيوي المعروف.

وأخيراً، فإن لمعامل الكيمياء دوراً رئيساً وبارزاً في تركيب الكثير من الأدوية. وليس لنا أن نهضمها حقها، ففي تلك المعامل، تنشأ تفاعلات كيميائية، بنسب متناهية الدقة وعالية الجودة، بغية تحقيق هدف الحصول على دواء مطلوب ذي أثر ناجع، وقد يحتاج دواء كهذا إلى تجارب تستغرق سنين بحثية طويلة، إلى أن يتم تعميمه عالمياً، بعد أن تثبت فاعليته الدوائية، وأمانه على صحة الجسم. ومن أشهر الأدوية المصنعة كيميائياً: الأسبرين، ويتم تحضيره من تفاعل كيميائي ينتج عنه الدواء في صورة حمض اسمه أسيتيل ساليسليك.

كيف يدخل الدواء إلى أجسامنا؟
يعلم الكثيرون أن للدواء طرق تناول عديدة، يتم بها إدخاله إلى أجسامنا. ولعل أسرع تلك الطرق وأسهلها وأكثرها استعمالاً: تناول الدواء عن طريق الفم بصورة أقراص أنيقة ذات ألوان مختلفة. وقد توضع هذه الأقراص أحياناً تحت اللسان بدلاً من بلعها، وذلك لعلاج بعض أمراض القلب مثلاً.

وهناك طرق أخرى لتناول الدواء، مثل الحقن بأشكاله المختلفة (العضلي والوريدي والشرياني وتحت الجلد)، وثمة أدوية تؤخذ عن طريق الاستنشاق (إدخال الدواء عبر الجهاز التنفسي، مثل بخاخ الربو المعروف)، وأخرى تؤخذ عن طريق المستقيم، كاستخدام التحاميل الشرجية، وأخيراً فمن الممكن تناول الدواء عن طريق الجلد كاستخدام المراهم أو الدهانات المختلفة.

علوم تنبثق عن علوم
وتتفرع عن علم الأدوية العام، بعض الأبحاث المتخصصة، التي تُعنى دراسة معمقة للدواء وتأثيراته المختلفة في جسم المريض. ومن هذه الأبحاث:

1 – الحركة الدوائية، ويقصد بها: معرفة مصير الدواء داخل الجسم، حيث تتم دراسة ظواهر امتصاص الدواء وانتشاره داخل الخلايا وتحوله من صورة إلى أخرى، وأخيراً إخراج ما يفيض عنه من الجسم.

2 – القوة الدوائية، ويقصد بها دراسة التفاعلات التي تحدث بين الدواء وجسم متناوله، مثل دراسة تأثير الدواء في الجسم وما ينتج عنه من آثار جانبية.

ويجدر بنا تسليط بعض الضوء على تفاصيل تلك العناوين، بغية فهم أعمق لسلسلة طويلة من الأحداث تتوالى فصولها المسرحية من دون شعور منَّا أو حس أو إدراك. ونحن بذلك نعلن بداية رحلة الدواء الطويلة، ذات المحطات الخمس داخل أجسامنا. فها هو قرص الدواء وقد تهيأ للسفر، بعد أن تناوله المريض واستقر في معدته، وها هي المحطات تنظر بشوق إلى استقبال ضيفها الشافي.

دخول الدواء إلى الخلية.. محطة الوقوف الأولى في الرحلة الطويلة
لإلقاء نظرة أعمق على المحطة الأولى في رحلة الدواء داخل أجسامنا، فمن الضروري أن نعلم أن هناك حاجزاً مهماً يجب على الدواء الدخيل تخطيه، قبل أن يجول في دم الجسم بحرية وسهولة. ويتمثل هذا الحاجز في غشاء الخلية (Cell member)، وبعبارة أخرى يمكن أن نقول إن غشاء الخلية هذا، يقف حائلاً أمام الدواء المتناول، ويمنعه من ورود مجرى الدم، ويجب حينها على الدواء، أن يجد طريقة ما ينجح من خلالها في اختراق ذلك الحاجز، ليصل إلى الخلية، ومنها إلى الدم الذي سينقل الدواء إلى أجزاء الجسم المختلفة.

وهناك عدة طرق يمكن للدواء من خلالها التحايل على غشاء الخلية, حتى يسمح له بدخولها, ومنها:

1 – 
انتشار الدواء عبر ذوبانه في الدهون, وكلما كان الدواء ذا قابلية أكبر للذوبان في الدهون, كان انتشاره عبر غشاء الخلية الدهني أسهل وأسرع, ومن أمثلة ذلك ما يحدث في خلايا المعدة من انتشار فعَّال لدواء الأسبرين,ذي الذوبان السريع في الدهون, وهذا يساعد في دخول الدواء إلى خلايا المعدة, ومن ثم إلى مجرى الدم.

2 – 
الارتشاح, ويقصد به مرور جزيئات الدواء الصغيرة التي لها القدرة على الذوبان في الماء, عبر مسامات خاصة في غشاء الخلية.

3 – 
دخول الدواء بمساعدة الحامل الخاص, حيث يوجد في بعض الخلايا جهاز خاص يعمل على مساعدة بعض الأدوية على دخول تلك الخلايا. ويعرف هذا الجهاز باسم الحامل، ويقوم بتسهيل عملية ذوبان الدواء المستهدف, وبالتالي مساعدته على دخول الخلية بيسر ومرونة.

4 – 
تقوم بعض الخلايا بإحاطة الأدوية المهمة مثل الفيتامينات, وذلك في عملية تعرف بالاحتساء.وذلك بغية إجبار الدواء على دخول الخلية. وهنا تحيط الخلية بهذا الدواء المستهدف, وتغلفه من جميع الجهات, ويتم تشكيل فتحة خاصة عبر غشاء الخلية يمكن عبرها احتساء الدواء, ودفعه نحو الداخل.

وبعد أن استقر الدواء في خلايا الجسم، تبدأ المرحلة الثانية من مسيرته.

امتصاص الدواء.. المحطة الثانية
يقصد بعملية الامتصاص مرور الدواء من مكان تناوله (وقد عرفنا سابقاً طرق تناول الدواء), إلى أن يصل إلى مجرى الدم, ورأينا قبل قليل في محطتنا الأولى, كيف يتمكن الدواء من عبور غشاء الخلية, والدواء الذي نجح في اجتياز ذلك الحاجز, سيؤول مصيره,إلى دخول الخلية, وحينها نقول إن عملية امتصاص الدواء قد نجحت.

ويحكم علمية امتصاص الدواء هذه عوامل عدة, نذكر منها:

1 – 
طريقة تناول الدواء, فالأدوية التي تؤخذ بصورة سائلة, تمتص أسرع من تلك التي تُحضَّر بصورة أقراص, أو مواد ذات قوام شبه صلب, والحقن الوريدية يتم امتصاصها أسرع من تلك التي تحقن عضلياً, والأقراص المأخوذة عن طريق الفم تمتص أسرع من المراهم الجلدية.

2 – 
تعكس الحالة الصحية لسطح الامتصاص سير هذه العملية الحيوية. ومثال ذلك ما يعرف بـ التهاب المعدة الضموري ، وهي حالة مرضية تصيب المعدة وتودي إلى انخفاض معدل امتصاص الدواء الذي يصل إليها, وعلى النقيض من ذلك, فإن للمعدة السليمة قدرة كبيرة على امتصاص ما يدخلها من دواء وغذاء ممايعزِّز الأثر الإيجابي المرجو.
وكلما كان سطح الامتصاص ذا مساحة أكبر, كانت كمية الدواء الممتصة أكثر, ولهذا فإن لسطح الأمعاء في الجسم مزية واضحة في امتلاك مساحات واسعة, تتيح عملية امتصاص سريع وميسَّر لما يصلها من دواء.

3 – 
يؤثر الشكل الدوائي في عملية الامتصاص, فالأدوية ذات الصورة غير العضوية أسهل امتصاصاً من العضوية, كما أن امتصاص الأدوية التي تذوب في الماء أيسر من تلك التي تذوب في الدهن. وكلما كانت جزيئات الدواء أصغر, كان امتصاصها أسرع.

4 – 
تضبط الحالة الصحية العامة للجسم, معدل امتصاص الدواء, حيث يلاحظ سرعة امتصاص الدواء في الجسم السليم مقارنة بآخر عليل, ويُعزى ذلك إلى جودة أداء أجهزة الأول, وجريان دمه بصورة طبيعية, مما يكفل امتصاصاً نوعياً وسريعاً للدواء.

5 – 
ويقلل من امتصاص الدواء، ما يعرف بالتأثير المضاد لدواء آخر. وبالتالي فإن تناول دواء ما قد يؤثر في امتصاص غيره, وإعطاء مادة الأدرينالين مثال على ذلك, فهي تؤدي إلى تضيق شديد في أوعية الدم, وهذا يؤخر امتصاص ما يتناوله المريض من أدوية أخرى.

6 – 
لمحتوى المعدة من الطعام أو الشراب أثر واضح في امتصاص بعض الأدوية, ومن ذلك أن الشاي يقلل بصورة ملحوظة امتصاص أقراص الحديد, كما أن الحليب ومشتقاته يقللان من امتصاص المضاد الحيوي المعروف بالتتراسيكلين.

7 – 
يظهر أثر التركيز الدوائي بوضوح في معدل امتصاص الأدوية, فالأدوية المحضَّرة بتركيز مرتفع, يتم امتصاصها بصورة أسرع من ذوات التركيز المنخفض.

انتشار الدواء…
المحطة الثالثة في سير الرحلة
بعد تناول الدواء وامتصاصه داخل خلايا الجسم, تبدأ مرحلة جديدة تعرف بانتشار الدواء, ويقصد بها وصوله إلى الأنسجة, منقولاً من مكان إلى آخر عبر جريان الدم في أجزاء الجسم المختلفة.

وتتفاوت نسب الدواء المنتشر داخل الجسم من نسيج إلى آخر. ويخضع ذلك إلى معدل جريان الدم داخل كل نسيج, فالقلب والكلى والدماغ والكبد مثلاً, تتلقى جرياناً دموياً مكثفاً, مما يعني وصولاً سريعاً لجزيئات الدواء القادمة باتجاهها. وعلى عكس ذلك, فإن تلك الجزيئات تتأخر بعض الشيء -مقارنة بسابقتها-، فتصل بصورة أبطأ إلى أنسجة العضلات والأمعاء والجلد, وذلك لما تتلقاه هذه من تروية دموية أقل من غيرها من أعضاء الجسم.

والملاحظة الأخرى في هذا الجانب, هي أن لبعض الأدوية ميلاً للانتشار ضمن أنسجة دون أخرى, ومثال ذلك: ميل الكالسيوم إلى الترسب ضمن عظام الجسم, والانتشار خلالها بصورة أوضح من أنسجة الجسم الأخرى.

المحطة الرابعة… التحول الحيوي للدواء المتناول
يقصد بعملية التحول الحيوي تغير الدواء عبر تفاعل كيميائي, من صورته عند تناول الجسم له, إلى صورة حيوية أخرى، تسعى إلى إيجاد مادة فعالة تحقق الهدف العلاجي المنشود, وهذه هي المحطة الأكبر في رحلة الدواء الطويلة داخل الجسم.

يقوم الكبد بخدمة ما يصل إليه من الدواء المسافر الذي تخطَّى بنجاح المحطات السابقة, حيث توجد بعض الإنزيمات في خلايا خاصة في الكبد، تعمل على تفعيل الدواء, وتغيير معالمه الكيميائية عبر تفاعلات حيوية معقدة, ينتج عنها من جهة خلاصة منتخبة تعالج الداء, ومن جهة مقابلة تنتج مخلفات يتخلص منها الجسم عبر محطة إخراج الدواء التالية.

وهناك أنسجة أخرى تخدم الهدف نفسه, وهو التحويل الحيوي للدواء, لكن بصورة أقل مما يحدث في الكبد, ومنها: الكلى والرئة والجهاز الهضمي.

وتعتري الدواء الذي انتشر في أنحاء الجسم المختلفة عبر المحطة السابقة, العديد من التفاعلات الحيوية, ويمكن لنا تقسيمها بصورة عامة إلى تفاعلات تركيبية وأخرى غير تركيبية، وتنشأ التفاعلات الأولى عن اتحاد مادة موجودة أساساً في الجسم, مع المادة الدوائية الدخيلة, وتساعد بعض الإنزيمات في تسهيل عملية الاقتران تلك. ومن الأدوية التي تخضع إلى مثل هذه التفاعلات: الأسبرين والسيتامول والسلفا.

أما التفاعلات غير التركيبية, فمن أهمها: تفاعلات الأكسدة, والاختزال، والتحلل المائي، وفي هذا النوع من التفاعلات, تتغيَّر صورة الدواء المتناول تغيراً حيوياً يحقق الفائدة المرجوة من تناوله.

وينتقل الدواء بعد هذه النقطة إلى المحطة التالية، وهي إخراج ما تبقى من المادة الدوائية، بعد رحلة طويلة شاقة شارفت على الانتهاء.

وهناك بعض العوامل التي تؤثر في سير عملية التحول الحيوي لما نتناوله من دواء، ويظهر تأثير هذه العوامل واضحاً، عبر تدخلها في نظام الإنزيمات الضابط لتلك التفاعلات، ومن هذه العوامل:

1 – 
العمر، حيث يلاحظ أن نشاط الإنزيمات في أجسام الرضع وصغار السن، أقل بكثير مما هو عليه في أجسام البالغين. وينتج عن هذا عدم مقدرة جسم الرضيع على تحمل بعض الأدوية، مما يقود إلى ظهور تأثيرات دوائية جانبية خطيرة أو مميتة أحياناً. وكذلك الحال مع المسنين، فإن نشاط الإنزيمات في أجسامهم يُظهر بعض الخمول، مما يوجب على الطبيب توخي الحذر قبل وصف الدواء إلى هؤلاء المرضى.

2 – 
يحدث في بعض الأمراض الوراثية النادرة، نقص خِلقي لإنزيم معين، وهذا يعني عدم استفادة الجسم من الدواء الذي يقوم هذا الإنزيم بالتعامل معه، وهناك أمراض نادرة أخرى، يقوم الجسم فيها بتصنيع إنزيمات شاذة، وهي بذلك تغدو عديمة الجدوى، ويبقى حينها الدواء المتناول دون تغيير حيوي يذكر.

3 – 
للتدخين تأثير واضح في سير عمل الإنزيمات الحيوية، فهو يقوم بتحريض عملها، نظراً لاحتواء السجائر على مركبات كربونية عطرية، تعمل على زيادة سرعة التفاعلات الكيميائية التي تظهر في الدواء، وفي ذلك أثر سلبي خطير، حيث يحتاج المدخنون عادة، إلى جرعات دوائية أكبر من الجرعات الطبيعية التي تلزم لعلاج المرض. وقد يقود هذا إلى تسمم أجسامهم بالدواء ومخلفاته المؤذية للجسم.

4 – 
للحالة المرضية دور مهم في سلامة أداء جهاز الإنزيمات. ولبعض الأمراض تأثير سلبي في هذا المجال. فأمراض الكبد مثلاً تقود إلى انخفاض نسبة الإنزيمات اللازمة، وتقود بعض أمراض الكلى إلى تراكم مخلَّفات الدواء في الجسم، وذلك لعدم مقدرة الكلى المريضة على إخراجها. كما أن إصابة الكلى تؤدي من جانب آخر، إلى تسريع عملية التحول الحيوي للدواء، وهذا بدوره يزيد الطين بلة والمشاكل حجماً. وأخيراً فإن لبعض أمراض القلب تأثيراً مشابهاً لما يحدث في حال إصابة الكبد والكلى.

كيف يعمل الدواء داخل أجسامنا؟
يظهر الأثر المطلوب لما نتناوله من دواء، بعد سلسلة طويلة من التفاعلات الكيميائية داخل الجسم. ومن الصعوبة بمكان فهم تلك الآليات بتفاصيلها الدقيقة. ولتبسيط الأمر، فإنه يمكننا القول إن الدواء يعمل من خلال مسارات مختلفة، تقود في نهاية المطاف إلى تحقيق الهدف، وهو التخفيف من حدة الأعراض المرضية التي يشكو منها المريض، ومن تلك الطرق:

1 – 
الطريقة الكيميائية، ومن أمثلتها: علاج زيادة حموضة المعدة عبر إعطاء مضادات الحموضة التي تقوم بمعادلة حمض المعدة كيميائياً. ومن المعلوم أن هذه الأدوية ذات تركيب قاعدي، أي أن تأثيرها معاكس للأثر الحمضي، وبذلك يزول الشعور المزعج لدى المريض.

2 – 
التدخل في تكوين الخلايا، حيث تمتلك بعض الأدوية قوة تهاجم بها خلايا الكائنات الحية المجهرية التي تسبب المرض. ويظهر هذا الأثر الدوائي الهجومي، عبر مقدرة الدواء على التدخل في تكوين هذه الخلايا. فالمضاد الحيوي المعروف بالسلفا مثلاً، يتدخل في بناء خلايا البكتيريا، مما يقود لاحقاً إلى موتها، وبالتالي تتناقص أعداد البكتيريا تدريجياً.

3 – 
التدخل في عملية انقسام الخلايا. فالخلايا السرطانية مثلاً، تخضع لسلسلة انقسامات شاذة تؤدي إلى ظهور خلايا جديدة شاذة الطباع والنمط. ويأتي هنا دور أدوية علاج هذا الداء، وذلك لتأثيرها القوي المضاد لعملية الانقسام تلك، مما يحد من عدد الخلايا الجديدة الشاذة.

4 – 
يظهر التأثير الدوائي لبعض الأدوية، عبر ما يعرف بعملية تثبيط الإنزيمات، ومن تلك الأدوية: الأسبرين الذي يعمل على التقليل من نشاط الإنزيم المعروف باسم Cyclo-oxygenase، في الجسم مما يؤدي إلى ظهور الأثر العلاجي المطلوب.

5 – 
اتحاد الدواء مع مستقبلاته داخل الجسم. والمستقبل هو مادة بروتينية تمتلك موضعاً خاصاً يرتبط به دواء معين، وينتج عن هذا الارتباط مركبٌ جديد يقود إلى ظهور الأثر الدوائي المطلوب. ويوجد المستقبِل في أغشية الخلايا المختلفة، أو في أنويتها، وقد لوحظ أن هناك تناسباً طردياً بين أعداد المستقبلات الخاص بدواء ما، وكفاءة عمل الدواء، أي أنه كلما زاد عدد المستقبلات، زادت كفاءة الدواء، وكلما كان اتحاد الدواء مع مستقبله أسرع، كان الأثر الدوائي أقوى وأظهر.

المحطة الخامسة..
إخراج الدواء.. نهاية الرحلة
بعد أن تم تحويل الدواء حيوياً، فإن بعض النواتج الكيميائية تتراكم ضمن أنسجة الجسم، وتصبح غير ذات جدوى، لتخضع فيما بعد إلى عملية إخراجها من الجسم، بغية تنقية الدم والأنسجة من تلك السموم.

ويجدر بالذكر أن للكبد دوراً مهماً في عملية إخراج الدواء. ويتمثل هذا الدور، في تحويل بعض الأدوية التي لها المقدرة على الذوبان في الدهون، إلى جزيئات صغيرة يسهل على الجسم التخلص منها.

وهناك العديد من الطرق، التي ينظِّف خلالها الجسم ما علق به من شوائب دوائية، ومنها:

1 – 
تمتلك الكلى والجهاز البولي، القدرة على إخراج الأدوية التي تذوب في الماء، ومنها البنسلين ومادة المانيتول.

2 – 
يتم التخلص من الغازات المستخدمة في أدوية التخدير عبر الجهاز التنفسي، حيث يتم إخراج تلك المواد ممزوجة مع هواء الزفير الذي يخرج من الرئة.

3 – 
تُطرح بعض الأدوية من الجسم عبر جهازه الهضمي، وذلك عن طريق اللعاب أو البراز أو بواسطة مفرزات المعدة والأمعاء.

4 – 
هناك أجزاء صغيرة من نواتج الدواء، تخرج من جسم صاحبها عبر غدده العرقية، أو غدد الثدي، أو عن طريق الشعر والخلايا الجلدية.

وبذلك تشرف رحلة الدواء داخل الجسم على الانتهاء. فقد تحقق الهدف المنشود: قرص دواء تم تناوله، فبدأت الرحلة به، ومر بمحطة تلو أخرى، إلى أن ظهر أثره العلاجي في نهاية الرحلة.

اقرأ
الصيادون والرعاة والهامبرغر
بحث جديد في العلاقات بين الإنسان والحيوان
مهى قمر الدين
لنبدأ بالنزوات والدم . هذه جملة مميّزة جداً ولافتة للانتباه، لا سيما إذا استُخدمت جملة افتتاحية. يقول الدكتور ريتشارد بوليت (Richard Bulliet) في كتابه: الصيادون والرّعاة والهامبرغر . إن تفسير شغفنا المتزايد بالنزوات والدماء هو بعدنا العاطفي والفيزيولوجي عن الحيوانات التي تغذينا وتكسونا أيضاً. ويؤكد بوليت أننا لو كنَّا أقرب إلى تنشئة أي نوع من الحيوانات وذبحها، كما كان أجدادنا، لما كانت لدينا تلك الشهية الكبيرة إلى النزوات.

هذه الأطروحة المحرّضة تستحق التوقف عندها لما تنطوي عليه من التجدد والإبداع. ولكن بوليت يحتاج، ويستحق أيضاً، أن تُبرم معه عدّة عقود لوضع كتب أخرى لتفسير الأمور المثيرة للجدل في كتابه الصيادون والرّعاة والهامبرغر .

يرى بوليت، وهو مؤرخ من جامعة كولومبيا الأمريكية، وصاحب الكتاب المعروف الجمل والدولاب ، أن هناك أربع مراحل في تاريخ علاقة البشر بالحيوان. أولاً، مرحلة الانفصال، حين بدأت الكائنات شبه الإنسانية تشعر بأنها متميزة عن سائر سكان مملكة الحيوان. ثانياً، مرحلة ما قبل الحياة الأليفة أو العائلية، عندما بدأ الإنسان يشعر بفوائد العيش بالقرب من الحيوان والقطعان حتّى لو لم يكن قد بدأ يربِّي الحيوانات. ثالثاً، مرحلة الحياة المنزلية أو الأليفة عندما بدأت حياة معظم البشر تعتمد على قربهم من مصدر الغذاء الحيواني. ورابعاً وأخيراً، مرحلة ما بعد الحياة الأليفة، التي يصفها بوليت بميل المجتمعات في البلاد الصناعية، ومنها المجتمعات الأمريكية المعاصرة، إلى إبعاد مواطنيها عن المزارع الحيوانية المتصفة بالفوضى والقذارة، فيما أخذت هذه المجتمعات في الوقت نفسه تربي الحيوانات الأليفة كالكلاب والهررة، وتحبها وتدللها كما لو كانت إخوة في البشرية.

يتضمن هذا الخط الزمني الذي رُسم للعلاقات بين البشر والحيوان، والذي يبدو حميداً، تحدياً أساسياً لاستيعابنا العقلاني لحياة الحيوان الأليف. وبالنظر إلى مجموعة متنوعة من الحيوانات الأليفة والحيوانات الّتي تعيش في المزارع، يمكننا القول إن أجدادنا ربّوا المواشي تربية انتقائية، ومن أجل أهداف مختلفة، مثل تحسين ذكاء الكلاب أو إنماء قوة الثيران التي تجر أدوات الحرث.

ولكن مؤرخنا يرفض فكرة أن الإنسان الأول ربّى المواشي من أجل إبراز مزايا معينة أو تزويد المجتمع اللحم المطلوب لإشباع معدته.

تستحق تلك النظرية كتاباً آخر، يسمح لبوليت بتفسير السبب الذي يجعله يعتمد في أطروحته على دراسة تربية الحيوانات الكبيرة مثل البقر. فالتجارب الأولى في تربية أجدادنا المواشي ربما كانت تتعاطى مع حيوانات أصغر بكثير. ويقول فيليبه فرنانديز أرمستو (Felipe Fernandez Armesto) في كتابه عن تاريخ الطعام وعنوانه: بالقرب من ألف طاولة : صعب أن يتحمّس المرء للدليل الذي اعتمده ليثبت أن الإنسان في العصر الحجري القديم كان مهتماً بتربية الحلزونيات والحيوانات الرخوية كالمحار والسبيدج. وبقيت تلك السلالات حيوانات يمكن تربيتها، في أول تجربة للإنسان في تربية الحيوان من أجل الطعام. ولكنّ ريتشارد بوليت كان يفكّر بحيوانات أكبر. وهو يعتقد بأن أجدادنا اقتنوا الحيوانات أولاً، من أجل إقامة الطقوس وأن هدف اقتنائها من أجل تزويدهم طعاماً، كان يحل في المرتبة الثانية، ولكنّ يصعب أن نتخيّل إقامة الطقوس مع الحلزونيات الوضيعة.

ولضرب الأمثلة عن اقتناء سلالات معينة من الحيوان من أجل الطقوس والكثير من المزايا السحرية التي اعتقدها البعض في تلك الحيوانات، يقدم المؤلّف المثال التالي: الحمار الذي حُمِّل الكثير من الحمولة الرمزية. وبانتقاله بطريقة سلسة عبر الثقافات والأزمنة المختلفة يروي بوليت حكاية محبوكة جيداً عن جدوى الحيوانات في الثقافات التي تتبع ديانة أحادية أو الديانات التي تؤمن بعدة آلهة على السواء. وبهذا يقدم مثالاً عن التاريخ الثقافي الذي يمكن كتابته عن كثير من الحيوانات. إن بوليت أكثر تواضعاً من أن يدَّعي أن دراسته الفنية الرمزية المختصرة عن الحمار هي دراسة مميزة. ولكنّها كذلك. وهي أشد تشويقًا من أن تقتصر على فصل واحد من الكتاب.

عند خاتمة كتاب الصيادون والرّعاة والهامبرغر يتفحّص بوليت ظواهر مختلفة مثل مقابر الحيوانات الأليفة والحوار الدائر اليوم عن حقوق الحيوان، ويتركنا مع مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالعلاقة بين الإنسان والحيوان. ولكن لسوء الحظ، إن الاعتقاد المفجع الذي تحدّث عنه في شأن زيادة اهتمامنا بالبدائل المتعلقة بالغرائز والعنف الإنساني بينما قلَّ اقترابنا من الحيوان، لم يحظ ببرهان. صحيح أنّ شعوب بعض البلدان المتقدمة، تشهد علاقة طيبة بالحيوان وتقتل منه عدداً أقل مما كان يفعل أجدادهم، لكن هذه الشعوب نفسها لا يُقتل فيها كثير من البشر أيضاً.

لماذا إذن، يجب أن تفسِّر المسافة التي تفصلنا عن مملكة الحيوان ميولنا إلى العنف؟ كيف تفسِّر نظرية بوليت وجود مجتمعات مثل روما القديمة حيث لم يساعد ذبح الحيوان -أفي المنازل أم على المذابح الرومانية- في تلطيف عطش العامة لمشاهدة عروض قبيحة للعذاب البشري؟

وعلى الرغم من ذلك، تبقى أفكار المؤلّف في كتابه مثيرة جداً للاهتمام. وعلينا أن نأمل أن يطرق الناشرون بابه ثانية ليكتب أكثر، فيمدنا بمادة بحثية أكبر حتى نفكّر بمصادر الغذاء الذي نضعه كلّ يوم على مآدب طعامنا!

أضف تعليق

التعليقات

وليد ابودبوس

هل من الممكن ارسال المراجع التي استخدمها لكتابة المقال و شكرا