حياتنا اليوم

الكرسي الهزاز
من مهد الطفل إلى راحة المسن

  • 03e (OakRocker)
  • Texas Farmer Reading a Magazine
  • 57 (LON28774)
  • 58b (Story book_lr)
  • Little Boy on Rocking Horse Toy
  • 60a (Beata Krans in Windsor rocking chair-Olof Krans)
  • 61 (Sitting by the Hearth-Harry Roseland)
  • 62 (PAR198292)
  • <The Boston Rocker> by Eastman Johnson
  • Abraham Lincoln

قبل التحولات التي طرأت على الحياة الاجتماعية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، كان الكرسي الهزاز غائباً عن بيوت كثيرة. وكان استخدامه حكراً على كبار السن في البيت إن وجد فيه. ولكنه اليوم يقتحم المزيد من البيوت، ويكتسب أهمية متزايدة بعدما تخلص من احتكار جيل الآباء والأجداد له.
نادين صبري تروي هنا حكاية الكرسي الهزاز، وتسلِّط الضوء على جوانب مختلفة، منها النفسي والاجتماعي والثقافي، تميز قطعة المفروشات البسيطة هذه، عن باقي المفروشات في بيوتنا.

منذ الطفولة وحتى الكهولة، يحافظ علينا الكرسي الهزاز بين ذراعيه برفق، يهدي الرضيع الباكي السكينة والطفل المَلُول التسلية والأم المتعبة الراحة والشيخ الوحيد الأنس.

عندما نشيخ، ويمتد الحزن ليصل أعطافنا، عندما نشعر بنفاد الصبر أو عندما تغمرنا موجة من التأمل والشجن، لا يكون لدينا عمل آخر سوى أن نتأرجح عليه ونذوق متعة بدائية لا نستطيع تفسيرها لأنفسنا. الكرسي الهزاز بانتظارنا. فهو، في انطباعنا، يحتفظ بالمفاصل مسترخية والأعضاء بصحة جيدة، ويمسح آلام الظهر ويرفق بهشاشة العظام وآلام الروماتيزم.

ومن ناحية أخرى، فالكرسي الهزاز رغم وقاره يتحول إلى طفل ضاحك ولعوب حالما يمس خيال الحرفيين والمصممين، يعدهم بالكثير مما يمكنهم أن يخلقوه حالما يبدأون العمل عليه، وأول الوعود، النجاح في نسج شبكة من الذكريات الجميلة وبث الحياة في أوقات ماضية طيبة وسعيدة.

وفي الكرسي الهزاز أيضاً نجد قدرة الإنسان عموماً والطبقة الوسطى بشكل أخص على تذوق متعة الحياة في أبسط أشكالها، وفيه أيضاً إشارة بأن الرضا يأتي من الهناء الداخلي، وكل شيء آخر هو امتداد لهذا الجسر الذي تبنيه رؤيتنا الداخلية لأحداث حياتنا. وعندما توجد هذه الراحة، يتم الاحتفاء بها وتذوقها على أكمل وجه وتحسينها والاحتفاظ بها عزيزة وقريبة من القلب. وقد منحت هذه المكانة للكرسي الهزاز في الصيف كما في الشتاء. اهتز وتأرجح في غرف النوم والمعيشة والطعام والمطبخ والفناء وغرف الضيوف، وربما في أكثر الأماكن ترحيباً به وهي الشرفة. مع الضحك والبكاء، مع رقة أم تربت على طفلها ووحدة عجوز في أوقات الظهيرة الطويلة، في مرح وابتهاج الطفولة، وفي لذات التقاعد البسيطة. في مساءات الصيف الساكنة على الشرفة، وفي صباحات الشتاء الباردة أمام المدفأة.

البدايات المبكرة
في لوحة «الحصان الخشبي» التي رسمها روبرت بيتلهام في ماساتشوستس عام 1840م، يظهر الحصان الخشبي الهزاز كلعبة ضرورية لا غنى عنها لكل طفل مترف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وككثير من ألعاب الأطفال، كان هذا الجواد طريقة لتقليد الأب أو الأخوة الأكبر سناً الذين كانوا يقضون جزءاً من يومهم على ظهور الخيل.

ربما يعود أصل الجواد الخشبي إلى تلك العصا برأس حصان، والتي عرفها الإغريق القدامى، واستخدامها كان مترافقاً مع مرحلة الطفولة، لدرجة أن هناك رسماً فرنسياً يعود لسنة 1482م للمراحل السبع التي يمر بها الرجل منذ طفولته وحتى اكتمال الرجولة، واختار الرسام الحصان الخشبي كي يحكي لنا عن طفولة الصبي الذي يمتطيه. والتطور الذي طرأ على الحصان الخشبي من مجرد حصان يمتطيه الطفل إلى حصان هزاز يوحي بالحركة التي يوفرها الحصان الحقيقي لراكبه يبدو أنه ابتكار يعود إلى منتصف القرن السابع عشر حيث ظهر لأول مرة في رسومات بريطانية وألمانية من تلك الفترة.

هناك الكثير من التكهنات حول ابتكار الكرسي الهزاز، إلا أن الباحث في مجلات القرن التاسع عشر يجد أن المعلقين البريطانيين يحكون عن ذلك الكرسي الهزاز المريح، الذي يجدونه في أمريكا ولكنه ليس متوافراً في لندن. والبعض يشير إليه بوصفه ابتكاراً أمريكياً صرفاً. في تلك الفترة كبرت مكانة الكرسي بالتدريج، وأصبح صالحاً لأن يكون هدية للعروس، مما يدل على أهميته ككرسي للمرأة. الباحث الاجتماعي فرانسيس جرند في كتابه «الشعب الأمريكي في علاقاته الأخلاقية والاجتماعية والسياسية» المنشور عام 1837م يقدِّر الكرسي الهزاز بوصفه مثالاً على ما يمكن أن ينتجه العقل المتساءل العملي. أما المعماري المعروف جايمس فروين فقد سجل ملاحظاته لمجلة لندن الهندسية سنة 1838م وقال متعجباً إن الكرسي الهزاز في أمريكا أصبح وسيلة شائعة للجلوس ومجاملة الضيف بل وإكرامه.

يتفق المؤرخون في هذا الإطار على أن الكراسي الهزازة الأولى ظهرت بواسطة إضافة قطعتين مقوستين من الخشب للكراسي الثابتة المصنوعة والمستخدمة سلفاً. البعض من المهتمين بشأن الكرسي الهزاز يذكرون أن بنجامين فرانكلين، من أوائل الرؤساء الأمريكيين الذين اشتهروا أيضاً بابتكاراتهم، هو أول من أضاف هاتين القطعتين. وليس هناك من شك أن فرانكلين كان يمتلك كرسياً هزازاً، ولكن أن يكون هو مبتكره فهذا ضرب من الخيال، ومرده إلى استسهال نسب كل الأفكار الجميلة إلى أشخاص بعينهم في تلك الفترة من التاريخ. حيث إن هناك دلائل تشير إلى أن الكرسي ظهر قبل ذلك الوقت بكثير، وتحديداً في أربعينيات القرن الثامن عشر، منها أنه عندما أحصيت تركة التاجر وليام تمبلين في العام 1742م، في ولاية بنسلفانيا، كان من ضمنها مجموعة من الكراسي الهزازة. ولهذا نستطيع أن نؤكد أن الكرسي الهزاز كان بالتأكيد مستخدماً فيما كان يعرف بالمستعمرات الأمريكية، وأنه وإن لم يكن مستخدماً في كل منزل هناك، إلا أنه كان معروفاً بشكل عام.

في ظهوره في منتصف القرن السابع عشر، كان الحصان الخشبي الهزاز هو الجسر المثالي بين المهد وبين كرسي الطفل الهزاز. وربما نستطيع القول أن الحصان الهزّاز هو أول نوع من هذه الكراسي.

قبل تطور الكرسي الهزاز، كان المهد هو قطعة الأثاث الهزازة الوحيدة التي تستخدم الهزازات. وبالرغم من أننا أيضاً لا نعرف مبتكر المهد، فإن السبب الأول لابتكاره كان مساعدة الطفل على النوم، أو هكذا كان ينصح حكماء تلك الفترة. المهد لم يكن حكراً على الأطفال فقط، بل ظهرت المهود التي تتسع للشيوخ الكبار ممن فقدوا قدرتهم على الحركة، وتأرجح المهد كان مفيداً لأجسامهم. ويفترض أن الفوائد نفسها التي كان يحصل عليها الأطفال من اهتزاز المهد وهي الرياضة والنوم والإحساس بالأمان، كان يحصل للشيوخ أيضاً. وبالرغم أن المهد كان مستخدماً في غالبية المنازل قبل العام 1700م، إلا أن أجيالاً وأجيالاً مضت قبل أن يأتي شخص لماح كفاية ليفكر أن القطع الخشبية المقوسة التي تسمح للمهد بالتأرجح يمكن أن تقتبس وتضاف إلى الكرسي ليصبح أكثر راحة. وربما يصعب علينا تخيل هذا إلا أن السبب بسيط نسبياً ويعود إلى حكاية الكرسي نفسه، إذ إن القارئ قد يندهش عندما يعلم أن غالبية الناس لم يكونوا يجلسون على كراسي من أي نوع قبل عام 1700م. فقد كانت الكراسي قبل هذا التاريخ حكراً على النبلاء وعلية القوم في المنازل. أما عامة الشعب فقد كانوا يجلسون على رفوف خشبية أو مجرد خشبة مستديرة فوق ثلاثة قوائم. وفي بداية القرن الثامن عشر ظهر الكرسي المنجَّد بالجلد وشاع استخدامه مع الوقت، ومع الوقت أيضاً بدأت تظهر التحسينات عليه، فعلى سبيل المثال، ظهر الكرسي ذو الظهر المسترخي بدلاً من الظهر العمودي، إلا أن العامة لم يقبلوه إلا كوسيلة للجلوس المسترخي غير الرسمي، ولم يكن مستخدماً أثناء استقبال الضيوف أو في حضور النبلاء أو حتى أثناء وجبات العشاء، فكتب التقاليد في القرن التاسع عشر تحذِّر من أن تجلس وظهرك إلى الوراء فهذه ممارسة تدل على جهلك بأبسط قواعد السلوك المتحضر، كما أن هذا ينطبق أيضاً على الكرسي الهزاز الذي تعتمد فكرته أساساً على إراحة الظهر للوراء.

تطور الكرسي الثابت
وفي خضم البحث عن أثاث للجلوس المريح، ظهر الكرسي المنجَّد المبطن في بداية القرن الثامن عشر كإضافة بديهية للتحسينات التي طرأت على الكرسي الخشبي، بقماشه ووسائده المريحة. وقد حصل الكرسي المنجَّد منذ ظهوره على تقدير كبار السن بحيث برز كرمز للمكانة والراحة ويؤمن سكينة واسترخاء بعد التعب. وتطور اسمه من الكرسي السهل، وهي الترجمة الحرفية لاسمه (easy chair)، ليصبح في بريطانيا معروفاً بكرسي الجد (grandfather’s chair). وكان أول ظهور لهذا النوع من الكراسي في نيويورك عام 1708م.

وحديثنا عن الكرسي المنجَّد في معرض تناولنا للكرسي الهزاز لايأتي من فراغ، فإن الكرسي الهزاز يشبهه في استجابته لمطالب الراحة الجسمية والنفسية للإنسان، وكذلك فإن الكرسي المنجَّد لايزال يحتل المكانة الأولى في كل غرف المنزل اليوم، إلا أنه في القرنين الثامن والتاسع عشر كان محدوداً بجدران غرف النوم فقط. وبعض الكتَّاب يقول إن الكرسي المنجَّد كان مخصصاً في تلك الفترة للمعاقين أو كبار السن. وبالرغم من أنه، أي الكرسي المنجَّد، كان ضرورياً لتوفير الراحة لنخبة المجتمع، إلا أن الكلفة المرتفعة للتنجيد بالقماش عنت وقتذاك أنه رفاهية لا تتوافر إلا للأغنياء من أهل المدن تحديداً.

الحاجة إلى الراحة أم الاختراع
كان الكرسي الهزاز منتجاً جديداً نشأ عن تيار نما لدى صانعي الأثاث، وهو أن الكرسي، أو أية قطعة أثاث أخرى، يجب أن يضع مصممها أو صانعها في اعتباره الراحة كهدف أول لدى تصميمها. الراحة التي تأتي من حركة الكرسي الهزاز هي السبب البديهي الأول لجاذبيته. الحركة الرفيقة، المتكررة، المطمئنة، المستمرة إلى الأمام وإلى الخلف، ثم إلى الأمام ثم إلى الخلف، ثم إلى الأمام ثم إلى الخلف.. ولا تتوقف إلا إن أراد لها الجالس أن تتوقف. في بداية القرن الثامن عشر هذه الحركة التي قادت الأطفال طوال قرون إلى النوم أصبحت فجأة جذَّابة للبالغين.

والراحة التي وفرها لأجدادنا الكرسي الهزاز وما زال يوفرها لنا تعود أسبابها إلى ناحية فسيولوجية لم يعرف تفاصيلها أسلافنا. أولها أن من الطرق التي ينصح بها الأطباء للاسترخاء، تحويل وضع الجسم ليكون في علاقة مباشرة مع الجاذبية، وحركة الكرسي الهزاز تقدم نفسها كعربة ملائمة للحصول على هذه العلاقة وبالتالي تسهم في راحة الجالس.

في أحد كتالوجات القرن الثامن عشر التي تعرض للزبائن مجموعة من قطع الأثاث ظهر الكرسي الهزاز باسم «هزّاز المرضعة» و«هزَّاز الخيّاطة» و«هزَّاز السيدات»، مما يدلنا على أن الكراسي الهزازة في ذلك الوقت كانت مستخدمة من قبل النساء أثناء قيامهن بأعمالهن المنزلية التي يمكن أن تؤدى وهن جالسات.

هذه المتعة المستقاة من الحركة كانت تسعد البالغين أيضاً ولكن هل كانت متاحة لكل البالغين من كل الأعمال، النساء والرجال أيضاً؟

بالرغم أنه قد بقيت بعض من الكراسي الهزازة التي صنعت للبالغين من القرن الثامن عشر إلا أن المؤرخين يشكون في أن الرجال الأصحاء الشجعان، شباناً كانوا أم في منتصف العمر، كانوا يجلسون على الكرسي الهزاز أو يجدونه جذَّاباً. الأدلة البصرية التي أتتنا من القرن التاسع عشر والتي تمثل استخدام الكرسي الهزاز تشير إلى أنها كانت فقط لأصحاب الإعاقات الجسمية أو الشيوخ. ولم يكن ينظر للكراسي الهزازة إلا أنها للمرضى أو أولئك الذين حان وقت تقاعدهم من العمل وآن لهم الجلوس بكسل عليها.

ولأن الكرسي الهزاز في بدايات ظهوره كان يُعد وسيلة للجلوس غير الرسمي، ولا تسمح آداب السلوك باستخدامه أثناء لقاء الضيوف أو أمام ذوي المكانة، تعامل معه النجارون ومصنعوه في القرن الثامن عشر على هذا الأساس، وكانوا يصنعونه بنوع من اللامبالاة، بحيث لا يستطيع الدارسون اليوم أن يفرقوا بين الكراسي التي صنعت لتكون هزازة في الأصل، أو تلك التي صنعت بهدف أن تكون كراسي عادية ثم أضيفت إليها الهزازات. إلا أن الأمر قد تغير في القرن التاسع عشر عندما بدأ المصممون في التفكير بالكرسي الهزاز على أساس أنه نوع مستقل عن الكراسي العادية، وركَّزوا بوعي على عملية تصميمها لتصبح أكثر رواجاً بين الناس.

صور صور.. وأين الكرسي؟
إن صدقت الأقوال التي تشير إلى أن الشعب الأمريكي كان يفضِّل الجلوس على الكرسي الهزاز ولا يعتبره منافياً للذوق في القرن الثامن والتاسع عشر على عكس غيره من الشعوب الأوروبية، فلم لا نجده ضمن الصور التي وصلتنا، والتي تظهر فيها الأسرة أو الأفراد جلوساً على أنواع مختلفة من الكراسي فيما عداه؟

السبب الذي قد يسارع البعض لتقديمه هو أن الكرسي الهزاز نفسه لم يكن شائعاً لهذه الدرجة حتى بداية القرن التاسع عشر، إلا أن الحجة التي تقابل رأي هؤلاء هو أن ثلاثة أرباع الصور الشخصية التي وصلتنا من القرن التاسع عشر وتظهر فيها الكراسي الهزازة هي صور لنساء مسنات أو أطفال.. وربما يصل المرء لاستنتاج مفاده أن الكراسي الهزازة فعلاً لم تكن تستخدم إلا لهاتين الشريحتين الاجتماعيتين. هذه الحقيقة، رغم منطقيتها، ليست كاملة. فمعظم الناس الذين يطلبون أن تؤخذ صورهم في منازلهم بواسطة رسام أو مصور محترف ما كانوا يرغبوا في أن يظهروا مصوَّرين على كرسي هزاز. فمنذ اختراع التصوير في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وحتى ابتكر جورج ايستمان أول تحميس بواسطة البريد عام 1888م، كان المصورون الفوتوغرافيون المحترفون هم وحدهم من يلتقط الصور. ولذا فإن بورتريهات المصور قبل ذلك التاريخ كانت تمثل الجانب أو الوجه الذي يريد الشخص أن يعرفه عنه المجتمع، وليس تلك اللحظات الخاصة، في آخر اليوم مع صحيفة المساء، عندما يكون الكرسي الهزاز هو البيت الذي يعود إليه المسافر بعد التعب والغياب، ولهذه الأسباب مجتمعة كانت قلة قليلة من البورتريهات في القرن الثامن والتاسع عشر تظهر الكرسي الهزاز.

في رسم لجوزف دافيز، بعنوان «عائلة مونتمجري» يظهر رجل على كرسي هزاز، ومن العصا التي يحملها، وعمره الذي يتجاوز السادسة والخمسين عندما رسمت له هذه اللوحة، من الواضح أنه رجل متقاعد. القبعة التي يرتديها، وهندامه، والكلب عند قدميه يقولون لنا أنه رجل ناجح، محترم بين أقرانه. هو وزوجته يتمتعان بالمتع التي جلبها لهما عملهما الشاق خلال سنوات الشباب. في لوحة أخرى بعنوان «رسم لعائلة» للفنان جاكوب مينتل لعائلة لم يذكر اسمها، نرى طفلتين صغيرتين على كراسي هزازة بينما تظهر بقية العائلة في وضع متزمت يتناقض مع حركة الفتاتين المرحة والزخرفة الجميلة على الجدران والأرضية.

الحديث عن سهولة الجلوس على الكرسي الهزاز وراحته شاع وذاع بعد مضي النصف الأول من القرن التاسع عشر. ولا يعرف أحد إن كان الطلب قد خلق العرض للكرسي الهزاز أم أن العرض حقيقةً هو ما خلق الطلب. ولكن على أية حال بدأ صناع الكراسي في صنع الكرسي الهزاز والإعلان عنه منذ العام 1800م. وكثير من الكراسي التي كانت تصنع في الريف، هي كراسي عادية أعيدت إلى صانعها مع طلب محدد بتحويلها إلى كراسي هزازة، إلا أن كراسي سكان المدن كانت تختلف فكانوا يطلبون كراسي جديدة صنّعت لهذه الغاية، وعلى سبيل المثال، تذكر المستندات التاريخية أن ناثييال دو ميني في صنَّع 12 كرسياً هزازاً بين 1830 و1860م لزبائنه في شرق هامتبون في ولاية لونج آيلاند، ولم يكن واحدٌ منها كرسي عادي أضيفت له هزازات. وبمقارنة الأسعار التي سجلت لهذه الكراسي بأسعار الكراسي الأخرى التي اعتاد النجار دو ميني أن يصنعها نجد أن هذه الكراسي الهزازة بين تلك الأغلى ثمناً. فقد كان الحرفيون المحليون عادةً يصنعون بضاعتهم بناءً على الطلبات التي تأتيهم من الزبائن، وهذا كان متناقضاً مع نوع آخر من أداء العمل بواسطة الشركات المصنعة التي تملأ خزائنها بالبضائع كي يأتي الزبون ويختار منها.

وبينما تصاعدت شعبية الكرسي الهزاز أيضاً طرأت كثير من التغييرات على شكله وتصميمه. في القرن الثامن عشر كان الكرسي الهزاز ببساطة كرسياً من نوع ويندسور تضاف إليه الهزازات. ولكن عندما تصاعدت شعبيته وكثر إنتاجه في بدايات القرن التاسع عشر بدأ صناعه في أخذه بكثير من الجدية، والتركيز على رفاهية الجالس وراحته بإضافة الوسائد وما إلى ذلك. ولكن هذه الإضافات البديهية لم تكن فقط ما أضيف إلى الكرسي الهزاز. فقد أعيد تشكيله بالكامل بحيث يصبح ظهره أكثر انحناءً ليدعم الجزء الأسفل من العمود الفقري، كما أن توازن بناء الكرسي على هزازاته تحسَّن بشكل واضح. وعرف هذا الكرسي بالمدينة التي صنع فيها وهي بوسطن الأمريكية، وعادةً ما كانت سيدة البيت تضيف إلى هذا الكرسي شالاً طويلاً على ظهره ليوفر الدفء للجالس عليه في أيام الشتاء القارس. في كتابها المعنون بـ «الحياة في هارفارد» تذكر سارة آنا إيمري عن تجربتها الجامعية سنة 1830م أن الأثاث كان بدائياً وأرضية غرف السكن لم تكن مفروشة وما توافر من قطع الأثاث كان بسيطاً للغاية، وما يعرف بكرسي بوسطن الهزاز كان رفاهيةً أتى بها بعض الطلبة لغرفهم.

الشاهد الصامت
في الرابع عشر من إبريل عام 1865م توجه الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن، موحد الولايات المتحدة الأمريكية، مع عائلته إلى مسرح فورد، ليشاهد باسترخاء مسرحية «قريبنا الأمريكي»، ولراحة الرئيس المتعب، أتى مدير المسرح بكرسي هزَّاز منجَّد مريح ولكن شبه مهترئ من المخزن. وعلى هذا الكرسي القديم، وفي الركن الأيسر من إحدى المقصورات قريباً من الجمهور، تلقى الرئيس لينكولن الرصاصة التي أردته قتيلاً.

الكرسي الهزاز وتعدد الوظائف
قليل من أشكال الأثاث أوقد مخيلة المخترعين كما أثارها الكرسي الهزاز وخصوصاً في القرن التاسع عشر. فبين 1831 و1905م ظهرت أكثر من ثلاثمائة براءة اختراع للكرسي الهزاز وملحقاته. هذه الكراسي لم تكن فقط هزازة، بل هي أيضاً دوارة، بموسيقى وبمراوح للهواء، وبوضعيات مختلفة، وقد تتحول إلى مهود أو صناديق أو حتى سلالم لالتقاط الكتب من أرفف المكتبة العالية. وبالرغم من أن هذا الاهتمام انبثق خلال أكثر من خمسة وستين سنة، إلا أن ثلثي هذه البراءات أصدرت ما بين العامين 1870 و1880م. وبينما كانت الكراسي الهزازة في بداية القرن التاسع عشر تزخرف لأغراض الزينة، كانت هناك اتجاهات لتحسين وتطوير هياكلها الداخلية أيضاً. وبينما أصبح الكرسي الهزاز مقبولاً ومعززاً مكرماً في كل غرف المنزل وبينها غرف استقبال الضيوف، ظهرت هناك عدة مشكلات متعلقة بحجمه وتصميمه وخصوصاً لأعين ربات البيوت. فلم يقف المبتكرون مكتوفي الأيدي، إذ اقتنصوا الفكرة لتعديل وتقديم حلول لهذه المشكلات، وبالتالي قدم لأول مرة كرسي هزاز بمنصة، وهو كرسي لا تستند هزازاته على أساس أو إطار داعم، فالكرسي الذي تلامس هزازاته الأرض كان مفسداً للسجاد ويحتل مساحة كبيرة من الغرفة. الفكرة التي ركَّزت على حل المشكلة كانت تعود إلى المبتكر صامويل بين، الذي قدَّم الفكرة إلى السوق لأول مرة في أربعينيات القرن التاسع عشر، وحازت على الرواج عام 1850م. وهذا النوع من الكراسي لم يحفظ السجاد من الضرر الذي كان يصيبه على يد سابقه، وإنما كان أيضاً بتنجيده وحجمه مشابهاً لأي كرسي عادي من كراسي الصالونات.

ثم جاءت الكراسي الهزازة المطوية نوعاً آخر حاز على الرواج في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر كنوع مضغوط وكفءمن الكراسي. وكانت تتمتع بعدة مزايا منها أنها يمكن تخزينها ويسهل حملها من مكان لآخر أو حتى في الفناء، وخفيفة في ثقلها، وعمل المبتكرون على جعل الكراسي مضغوطة وغير معقدة. وفي عام 1881م حصل سيلج على مالايقل عن 7 براءات اختراعات لكراسي هزازة تطوى بأشكال مختلفة، وبينما ركزت كثير من براءات الاختراعات على تقديم حلول عملية لمشكلات كان يعاني منها الكرسي الهزاز سواء في التصميم أو في ملاءمته لحاجات الجالس عليه، قدمت بقية الاختراعات رفاهية تدلل الجالس عليها، يصل بعضها إلى حدود مضحكة. فهناك تشارلز سينجر الذي حصل على براءة اختراع في يوليو 1869م لكرسي هزاز برشاش هواء معقد يوجه إلى أعلى رأس الجالس تياراً من الهواء.

براءات الاختراع هذه وما تتضمنها من تعديلات على تصميم وهندسة الكرسي الهزاز مكنته من الذوبان في نسيج أثاث الصالونات مرحباً به وضيفاً عزيزاً سرعان ما أصبح من أهل البيت. والتعديلات التي أدخلت عليه لتجعله مناسباً لداخل البيت لم تفقده شيئاً من جاذبيته في أكثر ملحقات البيت أهمية وهي الشرفة. ففي القرن التاسع عشر كانت الشرفة الأمامية لكل بيت مكاناً له طقوسه الخاصة خلال أشهر الصيف أو الشهور الدافئة من السنة. وسواء كانت هذه الشرفة مفتوحة أو مغلقة، كانت أكثر الأماكن برودة في البيت، خصوصاً في بداية المساء. ولم يحل منتصف القرن إلا وكانت الشرفة امتداداً لغرفة المعيشة للعائلة: يلعب فيها الأطفال، ويستقبل فيها الأصدقاء. أما في البيت المعاصر حتى وإن لم تكن فيه شرفة، فإن غرفة المعيشة المكيفة حول التلفزيون هي المكان الأنسب لذلك، أو حتى حلقة الشواء في الفناء الخلفي للمنزل.

وكان يراعى في تصميم المواد المستخدمة في بناء الكرسي الهزاز المخصص للشرفة أن تقاوم العوامل التي يتعرض لها قطع الأثاث الخارجي من غبار ومطر وتغير في درجة الحرارة. وفي الوقت نفسه أصبح الكرسي الهزاز أداة لجلوس الجميع، وليس فقط الأطفال والنساء وكبار السن. وبالرغم من أن الكثير من التعديلات والوظائف قد أدخلت إلى تصميم الكرسي الهزاز، إلا أن الكثير من الناس يفضلون الكراسي الهزازة بصيغتها الأولى، وما توفره من راحة واسترخاء.

أضف تعليق

التعليقات