قول في مقال

أهو «غزو الحمقى» كما يقول أمبرتو إيكو؟

«إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن يثرثرون في الحانات فقط، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً، أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل مَنْ يحملون جائزة نوبل. إنه غزو الحمقى».

الفيلسوف والروائي الإيطالي «أمبرتو إيكو» في مقابلة مع صحيفة لاستامبا الإيطالية.

هذه المقولة المحمَّلة بكثير من الاستعلائية النخبوية، والاحتقار للجماهير والحنق على التطورات التقنية التي أتاحت لهم حق الكلام والتعبير عن آرائهم في الشأن العام كانت ستبدو صادمة لي قبل سنوات، وكنت سأشعر بالأسف أن تصدر من مثقف وكاتب في حجم «أمبرتو إيكو» الذي أسرنا بروايته الجميلة «اسم الوردة».. لكنني اليوم، وبعد سنوات أربع من التجربة مع مواقع التواصل الاجتماعي، كاتباً مقلاً ومتابعاً مكثراً، أجدني متفقاً إلى حد كبير معه، وإن كان المقام هنا ليس مقام تقويم لهذه المواقع وما تحمله من سلبيات وإيجابيات، فالحديث هو عن دخول الجماهير على خط الحوار والنقاش في موضوعات الشأن العام التي لم يعد الحديث فيها مقصوراً على المتخصصين.

هذا الموقف السلبي من العامة ليس جديداً، فقد حذر الفيلسوف الإغريقي «سقراط» في محاكمته من الاستماع للعامة، وقال إن «آراءهم ما هي إلا أوهام ستقود المدينة إلى الضلال». وفي تراثنا الإسلامي ألَّف أبو حامد الغزالي كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام»، وقبله ألَّف القاضي محمد ابن إسحاق الصيمري (ت 275هـ) كتابه «مساوئ العوام وأخبار السفلة الأغتام»، كما حشى الجاحظ كثيراً من رسائله وكتبه بذم العوام بمختلف تسمياتهم.. وكل هذا يشي بإحساس دفين لدى المثقفين بخطورة دخول الجماهير إلى ميدانهم المعرفي، وهي الخطورة التي نجد شواهد لها في الواقع المعاش على صفحات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بعد أن بات أي موضوع يطرح للنقاش بين مثقفين نهباً لتدخلات من آلاف من متابعيهم ممن لم يقرأ مقالة واحدة حول الموضوع من قبل.

إن المتابع للحوارات التي تدور في «تويتر» العربي، أياً كان موضوعها، سيرى سريعاً كيف يتحوَّل الحوار إلى سباب واتهامات شخصية وتنابز بالألقاب، وتحيزات طائفية وعنصرية ومناطقية. ومن جرَّب أن يكتب في تويتر من المثقفين العرب سيفاجأ بالردود الصادمة المستفزة وبالتفسيرات التي لم تخطر له على بال، وتحميل كلامه مالا يحتمل.

وليس الخطر فحسب في أن ينجرَّ المثقفون إلى حمأة هذه المستنقعات ليخرجوا منها ملطخين بأوضارها وأوساخها.. بل الأخطر من ذلك أن تتحوَّل الجماهير في مواقع التواصل الاجتماعي إلى قوى ضغط يستخدمها بعض المثقفين لإرهاب خصومهم بما يذكرنا بما فعلته (العامة) في بغداد بعالم كبير في وزن ابن جرير الطبري الذي رجموه بالحجارة وحاصروه في داره حتى مات، وما فعلته العامة في قرطبة بالفقيه الفيلسوف أبي الوليد بن رشد الذي كانت الأقذار تلقى على رأسه حين يمر في أزقة المدينة، وكل ذلك بتحريض من بعض معاصريهما من العلماء.

في السبعينيات الميلادية قدَّمت الباحثة الألمانية «نيومان» نظرية (دوامة الصمت) التي طرحت من خلالها رؤيتها لتفسير تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام من خلال فرض الأقلية التي تسيطر على وسائل الإعلام رأيها على المجتمع عبر إيهام (الأغلبية الصامتة) أن هذا الرأي هو الرأي السائد في المجتمع، واليوم غيرت مواقع التواصل الاجتماعي المعادلة وأتاحت لهذه الأغلبية أن تتكلم، وتناقش وتعبِّر عن رأيها في كل شؤونها فهل بات الأمر أفضل؟.

لا أظن ذلك! فقد صعد الجمهور إلى المسرح، واختلط النظارة بالممثلين فلم يعد هناك نص مسرحي ولا ممثلون ولا مخرج.

مَنْ المسؤول عن ذلك؟ أهو «غزو الحمقى» كما يقول أمبرتو إيكو ؟!!

أضف تعليق

التعليقات

محمد

مقال جميل جداً وحقيقي وللاسف الحمقى اصبحو مشاهير

غالية

لقد وصلنا في زمن أصبح العامة هم صناع القرار ..بالرغم من أنها مواقع تواصل اجتماعي وبوابة للعالم الخارجي الا انها ساهمت في سقوط دول و رؤساء ..ربما تكون هي غزو الحمقى بالحقيقة …مقال جميل مبسط