مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2024

تقنيات التحرير الجيني العلاجية

بين الفرص الطبية التي تتيحها وحدودها الأخلاقية

الدكتورة يمنى كفوري

غيَّر التطور في تقنيات تحرير الجينات مشهد علم الأحياء والطب الحديث على مدى العقد الماضي. ولم تعمل هذه الابتكارات على توسيع فهمنا للتعديل الجيني فحسب، بل فتحت أيضًا آفاقًا جديدة لعلاج أمراض كانت غير قابلة للشفاء سابقًا. ويؤكد نجاح آخر نسخة من هذه التقنيات، وهو “كريسبر كاس 9” ، إمكانية إحداث ثورة في رعاية المرضى من حيث سهولة العلاج وفعاليته وانخفاض كلفته. ولكن هذا التقدُّم يجلب معه أيضًا تحديات أخلاقية وتنظيمية، ولا سيَّما فيما يتصل بتحرير “خلايا الخط الـجنسي” وتأثيراتها المجتمعية المحتملة. وبينما يشهد العالم هذه التطورات المذهلة، فمن المهم الموازنة بين الطموح العلمي والاعتبارات الأخلاقية، وضمان ألا يتجاوز سعينا وراء المعرفة والعلاج مسؤوليتنا في حماية مستقبل البشرية.

في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، شهد العالم استنساخ النعجة “دوللي” عن طريق نقل نواة خلية ناضجة إلى خلية بويضة أنثوية أُزيلت نواتها (لمزيد من المعلومات عن أنواع الخلايا، انظر مجلة القافلة، “الخلايا الجذعية”، يناير- فبراير 2020). ولكن ما بدا أنه ذروة الإنجازات العلمية في علم الأحياء حينئذٍ، كان مجردَ مَعْلم في مسار طويل بدأ باكتشاف الحمض النووي، وما زال يقدّم اكتشافات وابتكارات تتحدى العقائد العلمية. واليومَ، أصبحت تقنيات تحرير الجينات في المقدمة، وهو ما يتحدى الاعتقاد أن شفرتنا الوراثية غير قابلة للتغيير إلا من خلال الطفرات العشوائية والانتقاء الطبيعي.

الشفرة الوراثية

تمتلك جميع الكائنات الحية، من الخلايا المفردة إلى أكثر الكائنات الحية تعقيدًا، شفرة وراثية مكوَّنة من جينات توفر تعليمات للتطور والوظيفة والتكاثر. وتتكون الجينات من الحمض النووي، الذي هو عبارة عن تسلسل من أربعة نيوكليوتيدات مختلفة: الأدينين (A)، والثايمين (T)، والجوانين (G)، والسيتوزين (C) مُرتبة في بنية حلزونية مزدوجة اكتشفها جيمس واتسون وفرانسيس كريك في عام 1953م، بناءً على بيانات الأشعة السينية التي أنشأتها روزاليند فرانكلين. وتبع ذلك اكتشافات رئيسة فكَّت رموز آليات تخزين الحمض النووي والتكاثر وكيفية التعبير عن المعلومات الوراثية المخزَّنة في الحمض النووي بوصفه بروتينًا، من خلال الجزيء الوسيط المعروف باسم “حمض الريبونوكلييك الرسول”. ثمَّ بلغت هذه الاكتشافات ذروتها في مشروع الجينوم البشري الذي أُطلِق في عام 1990م وأسفر عن رسم خريطته. واكتمل هذا الجهد في عام 2003م، عندما وُضع الأساس للتقدُّم في تقنيات التحرير الجيني “كريسبر”، وهي عملية إجراء تعديلات محددة على تسلسل الحمض النووي.

اكتشاف الأداة لتحرير الجينات

أُجري أول التغييرات في تسلسل الحمض النووي في الخميرة والفئران في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، باستخدام عملية تُعرف باسم “إعادة التركيب المتماثل”، وهي تبادل المادة الوراثية بين جُزيئين متشابهين من الحمض النووي. وعلى الرغم من دقتها، فإن هذه العملية غير فعَّالة، وهو ما يحدُّ من اعتمادها علاجيًا، ويُغذِّي البحوث التي تُركِّز على تحديد “النيوكليازات” القابلة للبرمجة، التي تُعدُّ مفتاحًا لتحرير الجينات بنجاح وفعالية. والنيوكليازات هي الإنزيمات التي يُمكن أن تخلق فواصل في خيوط الحمض النووي، أو فك الروابط الموجودة بين النيوكليوتيدات المتجاورة، وهو ما يؤدي إلى تحفيز عمليات إصلاح الحمض النووي للخلية وتعطيل الجينات أو استبدالها.

يمكن لبعض الممارسات غير الأخلاقية أن تفتح الباب أمام “الأطفال المصمَّمين”، وهي الممارسة التي يمكن أن تُغذِّي المزيد من التمييز وعدم المساواة، وأن تغيِّر الإنسانية بطرق قد يكون من الصعب التنبؤ بها.

صُمِّم أربع فئات مختلفة من هذه النوكليازات القابلة للبرمجة حتى الآن. وتعتمد ثلاث من هذه الفئات على التعرُّف على تسلسلات الحمض النووي المحددة من خلال تفاعل البروتين مع الحمض النووي، وتعتمد فئة واحدة على التعرُّف على الحمض النووي المُوجَّه بالحمض النووي الريبي. هذا هو “البروتين المرتبط بكريسبر 9” ، أو (9 CRISPR-Cas)، وهو الأحدث اكتشافًا والأسرع في تأمين الموافقة العلاجية من قِبل الهيئات التنظيمية.

أدى اكتشاف هذه الأداة إلى منح امرأتين وهما جينيفر دودنا من الولايات المتحدة الأمريكية وإيمانويل شاربنتييه من فرنسا، جائزة نوبل في الكيمياء عام 2020م، وهي المرة الأولى التي تُمنح فيها هذه الجائزة لامرأتين. ورافق ذلك معركة براءات اختراع ساخنة بين المرأتين ومؤسستيهما البحثية (جامعة كاليفورنيا – بيركلي، وجامعة فيينا) من جهة، وبين فينج تشانج وزملائه ومؤسساتهم البحثية (معهد برود، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة هارفارد) من جهة أخرى.

على الرغم من مدى تعقيد هذا الأمر بالفعل، فإن تاريخ اكتشاف كريسبر هو أكثر تعقيدًا عندما ندرك أنه يمتد لما يقرب من ثلاثة عقود من الاكتشاف العلمي من قِبل كثير من العلماء في جميع أنحاء العالم، الذين أثار عملهم في كثير من الحالات الشك والتشكك ورفضته المجلات الرائدة. إن العمل الذي أدى إلى اكتشاف “كريسبر كاس 9” ، بوصفه أداة لتحرير الجينات، هو شهادة على أن الاكتشاف العلمي وتطوير التكنولوجيا هو عملية تراكمية، حيث تشكل الاكتشافات الصغيرة اللبنات الأساسية للصورة الكاملة. كما يؤكِّد أهمية العلوم الأساسية بصفتها أساسًا للتقدُّم التكنولوجي.

“كريسبر كاس 9”

تعتمد تقنية تحرير الجينات “كريسبر كاس 9” على آلية الدفاع المناعي التي تستخدمها البكتيريا ضد الفيروسات. وعلى عكس النيوكليازات الأخرى، فهي سهلة الهندسة، وهو ما سهّل اعتمادها السريع بوصفها أداة تحرير جينية علاجية.

فبعد أحد عشر عامًا من اكتشافها، حصلت التكنولوجيا على موافقة لعلاج مرض فقر الدم المنجلي، وهو مرض وراثي يصيب كريات الدم الحمراء ويسبب انسداد الأوعية الدموية؛ ومرض بيتا ثلاسيميا، وهو مرض وراثي يخفِّض نقل الأكسجين في الدم، في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وأوروبا. بالإضافة إلى ذلك، هناك مئات التجارب السريرية جارية حاليًا تعتمد على تقنية كريسبر، وتُغطي مجموعة واسعة من الأمراض، من بينها: السرطان، وأمراض الكبد والقلب، وأمراض المناعة الذاتية.

يُعدُّ اعتماد أول علاج لمرض فقر الدم المنجلي يستخدم تقنية “كريسبر كاس 9” ، أمرًا لافتًا. وذلك بالنظر إلى أن هذا المرض كان مهملًا، مع أن عدد المصابين به في جميع أنحاء العالم يُقدَّر بنحو 8 ملايين شخص، معظمهم في إفريقيا والشرق الأوسط والهند.

ومن المعروف أن مرض فقر الدم المنجلي وبيتا ثلاسيميا ينجمان عن طريق طفرات تُحوِّر جين الغلوبين البالغ، الذي ينقل الأكسجين في الدم، وهو ما يؤدي إلى نقص إنتاج جزيء الهيموغلوبين الطبيعي في حالة بيتا ثلاسيميا، وهو البروتين الذي يحتوي على الحديد الذي يُسهِّل نقل الأكسجين في الكريات الحمراء، أو جزيء الهيموغلوبين غير الطبيعي هيكليًا في حالة مرض فقر الدم المنجلي. وبفضل العلاج المعتمد على تقنية كريسبر بات من الممكن تحرير الخلايا الجذعية المكونة للدم لدى المريض في طبق “بِتْري” لاستنبات الخلايا، وهو ما يؤدي إلى إعادة تنشيط التعبير عن جين الغلوبين الجنيني، الذي عادةً ما يتوقف نشاطه بعد الولادة. ثم تُزرع الخلايا المعدلة وراثيًا مرة أخرى في المريض، وهو ما يُسهم في إنتاج خلايا الدم الحمراء الصحية بفضل الهيموغلوبين الجنيني الذي يعوِّض عن الهيموغلوبين البالغ المتحوِّر.

تجارب سريرية لمحاربة السرطان

في مجال الأورام، يُستخدم “كريسبر كاس 9” لتصميم الخلايا المناعية القادرة على محاربة السرطان من خلال تسليحها بمستقبلات للجزيئات التي يجري التعبير عنها بشكل خاص بواسطة الخلايا السرطانية. هذا، بالإضافة إلى تعطيل الجزيئات التي تُحفِّز التعرُّف على هذه الخلايا على أنها غير ذاتية من قِبل الجهاز المناعي. وإذا نجحت هذه الطريقة، فسوف ينتج عنها تقنية تجارية جاهزة. إذ من خلال السماح بإنتاج دفعات كبيرة من الخلايا من متبرع واحد، يُمكن تطوير علاج لكثير من المرضى، وهو ما يجعل عملية التصنيع أكثر كفاءة ويُقلِّل من تكلفة المنتج. كما يجري اختبار إستراتيجيات مماثلة في مجال أمراض المناعة الذاتية.

علاجات داخل الجسم

ولعلَّ أكثر التجارب السريرية إثارة للاهتمام، التي تتضمن “كريسبر كاس 9” حاليًا، هي تلك التي تُجرى في الأمراض التي يُستهدف فيها الكبد، والسبب هو أن هذه التجارب تتخذ شكل علاجات داخل الجسم، وهو ما يعني أن عملية التحرير تحدث في جسم المريض وليس خارج الجسم في طبق “بِتْري”. ومن الأمثلة على ذلك مرض يُعرف باسم “داء النشواني” من النوع الجامح الضار (ATTR)، حيث ينتج الكبد بروتينًا طبيعيًا من النشواني (TTR)، وهو مسؤول عن نقل بعض المواد في الجسم الحي. مع التقدُّم في العمر، يُمكن أن يصبح هذا البروتين غير مستقر ويتكتل؛ وهو ما يؤدي إلى تراكمه في أعضاء مختلفة مثل القلب فيجعله متيبسًا وضعيفًا، أو في الجهاز العصبي فيؤدي إلى صعوبة في المشي ووخز وخدر في اليدين والقدمين. وتهدف الإستراتيجية التي يجري اختبارها إلى تعطيل الجين المسؤول عن إنتاج البروتين بشكل دائم عن طريق توصيل (9 Cas) والحمض النووي الريبي الموجَّه الخاص بجين (TTR) إلى الكبد المغلف بجسيمات نانوية دهنية من خلال التسريب الوريدي أو العلاج بالقسطرة الوريدية.

التجارب السريرية المكتملة أو الجارية المعتمدة على “كريسبر كاس 9” ، والمتعلقة بمجالات مختلفة في الطب، تشمل على سبيل المثال: اعتلالات الهيموغلوبين والسرطان وأمراض الكبد وأمراض القلب والأوعية الدموية والمناعة الذاتية.

في حالة نجاحها، يُمكن أن تساعد عملية تحرير الجينات في الجسم الحي، في معالجة التحديات التي تواجه الأساليب خارج الجسم الحي، والتي تتطلب كثيرًا من الجهد والمال. كما تتطلب إنشاء وإدارة مراكز متخصصة جدًّا، وهو ما يجعل من الصعب الوصول إلى المرضى المحتاجين، كما هو الحال مع مرضى فقر الدم المنجلي في إفريقيا والهند. والسبب الرئيس وراء تأخير التجارب السريرية لتحرير الجينات في الجسم الحي خارج الكبد، هو صعوبة الوصول إلى الخلايا المستهدفة بكفاءة، وبشكل خاص الخلايا الجذعية المكونة للدم أو الخلايا المناعية، وهو ما يؤدي إلى تحرير غير فعَّال وتحريرات خارج الهدف في الأعضاء التي لم تكن مخصصة للتحرير.

أهمية الدور الأخلاقي

إن التقدُّم المُحرز في مجال تحرير الجينات في السنوات العشر الماضية غير مسبوق؛ إذ إنه يسمح بتعديل اللبنات الأساسية لجينومنا، ولا يقتصر ذلك على الخلايا الجسدية somatic cells (جميع خلايا الجسم ما عدا خلايا الخط الجنسي، حيث إن التغيرات فيها لا تُتوارث)، بل يشمل أيضًا خلايا الخط الجنسي germline (التغيُّر فيها يُتوارث)، وهو ما يسمح بنقل هذه التعديلات إلى الأجيال القادمة؛ هذا هو الواقع حاليًا وليس خيالًا علميًا. ففي عام 2018م، ادعى الباحث الصيني هي جيانكوي، أنه استخدم “كريسبر كاس 9” لتحرير “جين CCR5” في الأجنة البشرية لجعل الأطفال المعنيين مقاومين لعدوى فيروس نقص المناعة البشرية (HIV). وتمَّ الحمل بالأجنة وولادتها، وما زالت تعمل بشكل جيد. لكن هذا الإعلان واجه انتقادات وردود فعل عنيفة أدَّت إلى سجن العالم. وأشعلت هذه الحادثة نقاشًا معقدًا بين الباحثين وخبراء الأخلاقيات الحيوية والمنظمين حول أين يرسمون حدود استخدام تقنيات تحرير الجينات المتاحة. وبالإضافة إلى التأثيرات غير المستهدفة، التي ربَّما تكون قد حدثت والتي يمكن أن تنتقل إلى الأجيال القادمة، فإن مثل هذه الممارسات ستفتح الباب أمام الأطفال المصمَّمين، وهي الممارسة التي يمكن أن تُغذِّي المزيد من التمييز وعدم المساواة، والتي يمكن أن تغيِّر الإنسانية بطرق قد يكون من الصعب التنبؤ بها. وقد دفع هذا منظمة الصحة العالمية إلى إصدار بيان سياسة في عام 2019م، يُوضِّح أنه “سيكون من غير المسؤول في هذا الوقت أن يمضي أي شخص في التطبيقات السريرية لتحرير جينوم خلايا الخط الجنسي” .

لقد بات الحوار المستمر بين العلماء وخبراء الأخلاق وصنّاع السياسات، ضروريًا للتغلب على هذه التعقيدات، والاستفادة من الإمكانات الكاملة لتحرير الجينات مع التخفيف من مخاطرها.


مقالات ذات صلة

يتزايد الاعتقاد الشعبي بوجود ظواهر غريبة وأجسام طائرة غير محددة تزور الأرض من الفضاء الخارجي.

رحلة البحث عن جمال الذات عبر تحسين صورة الجسم، رحلة قديمة تمتد جذورها إلى ما قبل التاريخ. وقد سُجّلت بعض محطاتها في رسومات جدارية ومنحوتات. ومع تنوُّع الأعراق البشرية واختلاف الثقافات، تباينت النظرة إلى صورة جسم الإنسان ومعايير الجمال، مُتأثرة بعوامل اقتصادية واجتماعية وغذائية وبالعلاقة بين الجنسين. وقد وصلنا إلى ذروة التأثّر في ظِل طُغيان […]

يجتاح العالم وباء من نوع جديد لم يشهده من قبل، هو وباء الوحدة. وهي، كما حددها المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، “شعور المرء أنه لا يمتلك علاقات وثيقة أو ذات معنى أو شعورًا بالانتماء”. وتشير آخر الإحصاءات إلى أن نصف سكان العالم يعانون الوحدة الآن. كما استنتجت دراسة أجرتها جامعة هارفارد على مدى […]


0 تعليقات على “تقنيات التحرير الجيني العلاجية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *