الصمت في عصر الصخب
تأليف: إيرلنغ كيج
ترجمة: عبدالوهاب المقالح
الناشر: نادي الكتاب، 2024م
يكيل هذا الكتاب المديح للصمت، رافعًا إيَّاه إلى مصافِّ العلاج الناجع لأزمات الروح التي قد يعانيها الإنسانُ في عصرنا الحديث، الذي تتسارع وتيرة الحياة فيه بدرجة غير مسبوقة. يطرح مؤلفه الرحَّالة النرويجي إيرلنغ كيج ثلاثة أسئلة: “ما الصمت؟ وأين يُمكن أن يوجد؟ ولِمَ الصمت مهمٌّ الآن أكثر من أي وقت مضى؟”. ويسعى إلى الإجابة عنها عبر ثلاث وثلاثين محاولة مثَّلت خلاصة أفكاره التي اختمرت في ذهنه بعد عديد من الرحلات، أبرزها رحلة إلى القطب الشمالي استغرقت خمسين يومًا قضاها بمفرده من دون أن يصطحب أيَّ أجهزة تواصُل، إضافة إلى جولات غيرها استكشف وتأمل فيها جوانبَ أخرى غير تلك السائدة في الحياة المألوفة بروتينها المعهود. لهذا، قد يتبادر للقارئ أن الركون بوعي إلى الصمت والتفكير فيه بوصفه ملاذًا يكاد يكون مستحيلًا دون الوجود في مكان يكون المرء فيه وحده، تمامًا كما فعل الكاتب. لكن هذا تحديدًا ما ينفيه “كيج”؛ لأنه يوضح أن بوسع الجميع الانغماس في الصمت أين ومتى أرادوا ذلك.
يبدأ المؤلف كتابه بجُملة أولى قطعية، فيكتب: “كلما وجدتُ نفسي غير قادر على المشي أو التسلق أو الإبحار بعيدًا عن العالم، اعتزلت”. والعزلة هنا لا تعني معناها المباشر؛ أي البقاء وحيدًا، لكن المقصود بها ما سمَّاه الركون إلى “صمت الداخل” الذي يُتيح للإنسان التوقف من أجل اكتشاف الأشياء من جديد، بينما كل شيء من حوله يسير في مضماره المعتاد. إنه تجاوز لمفهوم الصمت بوصفه غيابًا للصوت وانقطاعًا عن العالم، بل هو استغراق فيما يفعله كل فرد بعيدًا عن الإفراط في التفكير بشأنه، مع الاعتقاد أن ليس ثمة شيء سيفوته إن قرر القيام بمحض إرادته بمثل هذا التوقف.
ومن خلال تعداد فضائل الصمت ومضامينه الثرية، وتقدير أهميته كونه مفتاحًا لسُبل جديدة تستعصي على التفكير، ومصدرًا مؤكدًا لحياة فعالة وسط عصر الصخب الراهن، يختبر الكاتب علاقة هذا الفعل بعدد من المتغيرات التي تَسِم نمط الحياة الحالية مثل: الضجر وطبيعته الجديدة في بيئة التواصل الرقمي بتطبيقاته التكنولوجية المتطورة، وفكرة الانشغال الدائم التي يعيشها البشر على مدار يومهم. وفي هذا الصدد، يشير إلى أن الأشخاص الذين لا يكفون عن السعي إلى تطوير مكانتهم ورغبتهم المتجددة في بلوغ قدر من الرفاهية، لا يشعرون به مطلقًا لغلبة إحساس عدم الرضا عليهم، بل يسعون دومًا إلى الانشغال بشيءٍ جديد يتمكن من تفكيرهم، ويتجسَّد في تصرفاتهم من أجل تحقيق ما يعدونه إنجازًا جديدًا. لذلك، هم يخشون الصمت ويتحاشونه؛ لأنه سيُحيلهم بالضرورة إلى أنفسهم التي لا يعرفونها حق المعرفة، وسيجعلهم يُقيِّمون ما يفعلون، وربَّما سيندمون على حياتهم التي يكتشفون، بعد فوات الأوان، أنهم لم يحيوها كما ينبغي لهم.
ومن ناحية أخرى، يُقدِّم المؤلف تحليلًا لمفهوم الصمت في بعض الميادين الإبداعية، مثل التأليف الموسيقي، حين يتوقف تدفق الألحان وفق النوتات الموسيقية، مانحًا معنى موازيًا إن لم يكن أعمق للنغمات نفسها. هنا، كما يشرح، يظهر التأثير الدرامي للصمت الذي يُحقق الانفعال لدى المستمع، ومن ثَمَّ متعته. وهذا ما يحدث مع “صمتات” بيتهوفن المباغتة التي تجعل العقل يتحرك وتغمره بالبريق. هذا الموسيقي الاستثنائي الذي أبدع سيمفونيته التاسعة وهو أصم، معتمدًا على هذا الصمت المحيط به، الذي حرَّره وجعله أكثر أصالةً ودفعه إلى استخدام الأصوات الموجودة في داخل رأسه هو فقط.
ويستدعي إيرلنغ كيج، في سياق إجاباته عن الأسئلة المركزية للكتاب، مجموعة من الآراء التي قدَّمها فلاسفة وصوفيون ومبدعون في مجالات مختلفة على مر الأزمنة عن الصمت والموضوعات المرتبطة به، مثل: أفلاطون وأرسطو وبليز باسكال ومارتن هيدجر ولودفيغ فتغنشتاين وسورين كيركجارد وابن الرومي وجون فوسيه، وكذلك إيلون ماسك الذي سأله الكاتب شخصيًّا عن معنى الصمت، فرد عليه ضاحكًا أولًا، ثم أشار إلى أنه “شخص يقيم في صمته الداخلي”، وأنه في الأغلب ينغلق على نفسه بمنأى عن العالم؛ ليتمكن من إنتاج أفكاره.
اترك تعليقاً