مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل 2023

نيتفليكس والأوسكار والصراع المحتدم


عاصم الطخيس

وهج الأوسكار وصراع القديم والجديد..

متى تنتزع نتفليكس عرش المجد السينمائي؟

تمثِّل “الأوسكار” حلمًا يراود كلَّ متنافس في صناعة الأفلام والسينما، أيًّا كان مركزه ضمن هذه الصناعة، فهذه الجائزة تمثّل قمّة الهرم في مجال يخوض تغيّرات حتمية متسارعة تفرضها سلطة عصر الرقمنة وسباقه التقني المحموم. الوافدون الجدد إلى الصناعة يحملون معهم أطماعًا تغريهم باقتسام حصتهم من كعكة المجد السينمائي، التي ظلَّت تدور في فلك “هوليوود” ردحًا من الزمن، بل لم لا تكون الكعكة كلّها من نصيبهم؟! عصام الطخيس يعود بنا إلى منصة الأوسكار، ليرصد المشهد من وراء الكواليس حيث تسعى “نتفليكس” إلى انتزاع اعتراف حاسم بتفوقها في صناعة الأفلام من فم الأكاديمية العريقة.

بالنسبة لنا مشاهدي السينما، يأخذنا عالمها إلى أماكن شتى قد لا نستطيع سوى تخيلها والحلم بها في أحيان كثيرة؛ تشاهدها لتمنحك تلك اللحظات التي تشعر فيها بانتمائك ولو لوهلة إلى فِلم تشاهده ضمن ظلام دامس مع مجموعة كبيرة من الغرباء، بينما يسطع أمام عينيك ضوءٌ وحيد من شاشة عرض كبيرة جدًا تشدك إليها طوال ساعتين من وقتك الثمين. هذه التجربة في أحسن أحوالها تُشبع شغف المشاهد، بل ربما كانت كفيلة بأن تُعيده بحثًا عنها مرة بعد أخرى.

أما بالنسبة لمن يعمل في صناعة السينما، يبدو المشهد مختلفًا جدًا فالمنافسة حامية والأحلام التي يطاردها كثيرة؛ لكن الحلم الأكبر الذي يجول في مخيّلة كل صانع أفلام هو أن يجد طريقه إلى الأوسكار يومًا ما. لماذا الأوسكار تحديدًا؟ هنا نأتي على نقطة في غاية الأهمية؛ لأنها تتعلق بما تعنيه الأوسكار للفائزين مهما كانت مراكزهم ضمن صناعة الأفلام، فهذه الجائزة تمثّل أوج التقدير لذلك الشخص الفائز وموهبته كفنان، ومؤهلاته التي سمحت له بالاستحواذ على تصويت عديد من زملاء المهنة، فكأنه اعتراف منهم بأنه أو أنها الأفضل لهذا العام.

هذا الحافز لا يمكن الاستهانة به أو التقليل من أثره في صناعة السينما، فكما يقول لويس بيرت ماير، مؤسس أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة: “لقد وجدت أن أفضل طريقة للتعامل مع صانعي الأفلام هي تعليق الميداليات في كل مكان.. إذا حصلوا على الكؤوس والجوائز، فإنهم سيتقاتلون لإنتاج ما أريد. لهذا السبب أُنشِئت جائزة الأوسكار”.

مضمار سباق للفن السابع

دعونا أولًا نسترجع تاريخ حفل الأوسكار وآلية جوائزه حتى نفهم وزنه وثقله بالنسبة للشركات المنتجة وصُناع الأفلام. كانت النسخة الأولى من الحفل في أغسطس عام 1927م واستضافه فندق روزفلت هوليوود بولاية كاليفورنيا الأمريكية، برعاية أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (Academy of Motion Picture Arts and Science)، التي أُنشئت من قبل الأمريكي لويس بيرت ماير، صاحب شركة  لويس بي. ماير للأفلام التي عُرفت فيما بعد بـ (MGM). سعى ماير إلى جمع المكونات الخمسة في صناعة السينما تحت سقف واحد، من كُتاب السيناريو والمخرجين والممثلين والمنتجين والفنيين العاملين في القطاع. كان الحاضرون في الحفل وقتها 270 شخصًا، ولم تكن تكلفته مرتفعة كما هو الحال الآن.

منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا يُشاهَد حفل الأوسكار عبر مئات الملايين من الشاشات حول العالم ترقبًا لهذا الحدث المهم. وتُشرف الأكاديمية على الحفل، حيث يقف خلفها اليوم 9000 عضو تقريبًا، يمثّل البيض نسبة %94 منهم، وتبلغ نسبة الرجال %77، ومتوسط أعمار الأعضاء 63 عامًا، أما أصغرهم ففي حدود 53 عامًا. ويتوزّع الأعضاء بين 17 فرعًا تمثّل كافة التخصصات التي ترتبط بصناعة الأفلام، من ممثلين وكُتاب سيناريو ومخرجين ومنتجين، إلى جانب فنيِّي المكياج والموضة وغيرها.

لكن حتى يكون الفِلم قادرًا على المنافسة والدخول ضمن الأفلام المرشحة، هناك شروط منها ألا تقل مدته عن 40 دقيقة، كما لا بُد أن يُعرَض ليشاهده الجمهور لمدة لا تقل عن أسبوع إما في لوس آنجيلوس أو نيويورك إذا كان الفِلم أمريكيًا، وأن يكون العرض خلال السنة الماضية. أما الأفلام الأجنبية فلا تتطلب عرضها في أي من الولايتين السابقتين، ولكن يُشترط أن تُعرَض ضمن مهرجانات الأفلام الدولية المعروفة، مثل مهرجان كان السينمائي، ومهرجان فينيسيا السينمائي، وكذلك مهرجان تورنتو للأفلام العالمية وغيرها.

ويستطيع الأعضاء الممثلون أن يرشحوا ممثلين، والمخرجون أن يرشحوا مخرجين، وهكذا مع بقية الأقسام الأخرى. لكن لا يستطيع مُخرج مثلًا أن يرشح ممثلًا، بينما يمكن للجميع الترشيح لأفضل فلم. بعد أن تنتهي مرحلة الترشيح والاقتراح تقوم شركة “برايس واتر هاوس كوبرز”، التي تملك خوارزمية متخصصة للأوسكار، بوضع أفضل خمسة مرشحين عن كل فئة وأفضل عشرة خيارات لأفضل فلم. بعد ذلك يأتي التصويت النهائي الذي يُعرَض على الشاشات مباشرة، حيث يدلي أعضاء الأكاديمية بأصواتهم لكل فئة. وعندما ينتهي التصويت تُصدر مظاريف الفوز وتُوضع في حقيبتين مُحكمتي الإغلاق توضعان بدورهما ضمن صندوق زجاجي مُقفل، ثمّ تُفتح المظاريف على المسرح عند إعلان الفائزين.

ماردٌ أحمر يقتحم الساحة

لكن المستجد الأبرز على ساحة الأوسكار، والذي أخذ يطفو على سطح النقاش في السنوات القليلة الماضية، هو الصراع الذي تخوضه نتفليكس في سباقها لحصد جوائز الأوسكار، خصوصًا بعد أن أصبحت من أكبر شركات الإنتاج عالميًا، وبات يُنظر إليها بوصفها خطرًا مُحدقًا بالشركات القائمة منذ بداية السينما، فهي بالنسبة لهذه الشركات تمثِّل تهديدًا يتربص بصناعة السينما الحقيقية.

وقد يكون من أهم العوامل التي تحضرها نتفليكس إلى قلب المعادلة في صناعة السينما هي وجود عميل مستمر طوال السنة وعلى مدار 24 ساعة في جميع بقاع الأرض. كما أن المخاطر بالنسبة لها أقل بكثير بالمقارنة مع أستوديوهات الأفلام التي تعتمد على بيع التذاكر. بهذا تسلّلت نتفليكس إلى الروتين اليومي لكثيرين في مشاهدة الأفلام وغيرها من المحتوى الذي ينمو بشكل شبه يومي. ففي الربع الأول من العام 2021م، أنتجت نتفليكس ما يقارب 130 منتجًا من محتواها الأصلي مقارنة مع أستوديوهات “يونيفيرسال” التي أنتجت 21 فلمًا للعام كله. لكن هذا الفارق المهول يعزوه بعض المحللين إلى اهتمام نتفليكس بالكم على حساب الجودة، لذلك يرون أن معظم محتواها يُصنّف ضمن نطاق الإنتاج متوسط القيمة، ناهيك عن أنها تستهدف فئة عمرية معينة من المجتمع وتوجه أغلب إنتاجها إلى المراهقين.

لكن حتى نقف على جذور هذه المخاوف، لا بد لنا أن نتعرف قليلًا على نتفليكس ونشأتها. تأسست نيتفليكس في عام 1997م من قبل ريد هاستينغز ومارك راندولف في مدينة “سكوتس فالي”، وهي مدينة صغيرة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية. هاستينغز وراندولف عملا لدى شركتين كانتا على وشك الاندماج وكانا على وشك أن يفقدا وظيفتيهما، فتناقشا حول بعض الأفكار لرؤية ما بوسعهما القيام به إذا حدث هذا الأمر. كانت أشرطة الفيديو (VHS) على وشك مغادرة الأسواق بالتزامن مع دخول الأقراص المدمجة (DVD)، فكانت تلك هي وسيلتهما للدخول إلى عالم الأفلام من خلال فكرة تأجير الأفلام عبر إرسالها على أقراص مدمجة بالبريد العادي. بعد عدة سنوات من نجاح العمل، أصبح لدى الشركة قائمة من المشتركين الدائمين الذين يطلبون الأفلام من دون وجود وقت محدد لإعادتها أو غرامة تأخير، لكن مع وجود قيد واحد وهو عدم إرسال أي فلم للعميل حتى يعيد إرسال الفلم الذي بحوزته.

ويمكن اعتبار العام 2000م الانطلاقة القوية التي أظهرت نتفليكس بلونها الأحمر كما نعرفه الآن، وبعد خمس سنوات فقط من تأسيسها أصبح لدى الشركة ملايين المشتركين، وصارت تشحن ملايين الأقراص المدمجة للعملاء يوميًا، وبذلك أصبحت الوجهة المفضلة لاستئجار الأفلام. أما عام 2007م، فشهد بداية نتفليكس في عرض الأفلام على التلفاز والأجهزة، من خلال قائمة أفلام اشتملت وقتها على 1000 عنوان ليس من بينها أي إنتاجات أصلية، وكان عدد المشتركين آنذاك أكثر من 5 ملايين مشترك. وفي عام 2012م، ظهر أول إنتاج أصلي من نتفليكس يُعرَض على الشاشة بعنوان “ليليهامر” (Lilyhammer)، ثم تبعه في عام 2013م المسلسل الشهير “بيت البطاقات” (House of Cards). بعد ذلك تتابعت مصفوفة الدومينو من الإنتاجات الأصلية الكبيرة وبتكاليف فائقة ضاهت ما تقوم به مؤسسات إنتاج معروفة مثل “إتش بي أو” (HBO) و”إن بي سي” (NBC) وغيرها.

المارد الأحمر تسلَّل إلى صناعة الأفلام عبر نموذج عمل جديد أتاح له الوصول إلى المستهلك أينما كان موجودًا على مدار الساعة.

إذًا، لنا أن نقول إن نتفليكس هي التي فتحت الباب أمام ظهور نموذج جديد في صناعة الأفلام من خلال منصات الخدمة المدفوعة، لتتبعها شركات من أمثال “آبل تي في بلس” (Apple TV+) و”أمازون برايم” (Amazon Prime) و”هولو” (Hulu)، وغيرها من المنصات التي أصبحت تقدم إنتاجات أصلية مخصصة لمنصاتها دون بيعها على منصات أخرى، بخلاف السائد في السابق، عدا بعض المسلسلات التي تعبر تلك الحواجز من منصة لأخرى بسبب رغبة العملاء في مشاهدة ذلك المسلسل أو الفلم. وقد أصبحت هذه المنصات قوة كبيرة وصارت تفرض شيئًا فشيئًا تأثيرها الواضح على صناعة السينما والتلفاز بشكل لا يمكن تجاهله، وهذا هو منشأ المخاوف التي تراود صناع السينما الآخرين، لا سيما أن إنتاج المنصات الجديدة أصبح منافسًا في أحيان كثيرة لما هو سائد في الأفلام السينمائية والمسلسلات المعروضة على قنوات معروفة.

تحاول نتفليكس منذ عام 2017م أن تتربع على عرش جائزة أفضل فِلم في الأوسكار؛ والنتيجة ترشيحات متعددة والفوز يُفلت كلَّ مرة.

اقتربَت.. لكنها لم تصل

وهنا يأتي السؤال الذي صار يتكرر كل عام: هل تفوز نتفليكس بالأوسكار؟

في 2018م، عمدت نتفليكس إلى خطوة مفاجئة بعرض فلمها “روما” (Roma) في صالات السينما لأسبوع تقريبًا، مع ميزانية تُقدر بـ 15 مليون دولار أمريكي، كما خصصت 30 مليون دولار للدعاية والإعلان، والهدف الواضح هو الفوز بأفضل فلم في الأوسكار. لكن الفوز لعام 2019م كان من نصيب فلم “الكتاب الأخضر” (The Green Book)، بينما اكتفى فلم روما بحصاد 10 ترشيحات وفاز بثلاث جوائز عن فئة أفضل فلم بلغة أجنبية، وأفضل مُخرج، وأفضل مُصور سينمائي.

لم تكن هذه بالطبع المحاولة الأولى لنتفليكس، ففي عام 2018م نجح فلمها “موحل” (Mudbound) بالترشح أربع مرات عبر فئات الجائزة لكنه لم يفز بأي منها، فيما فاز الفلم الوثائقي “إيكاروس” (Icarus) عن فئة أفضل فلم وثائقي طويل. وقبل ذلك، شهد عام 2017م فوز فلمها الوثائقي “الخوذ البيضاء” (The white helmets) عن فئة الأفلام الوثائقية القصيرة.

حمل عام 2020م الكثير من التكهنات بفوز نتفليكس بجوائز عديدة من خلال فلمها الطويل جدًا “الإيرلندي” (The Irishman)، الذي حصد عشرة ترشيحات لم يفز بأي منها، رغم التوقعات بأن يجمع بين جائزة أفضل فلم وأفضل ممثل نظير وجود ممثلين مخضرمين من أمثال روبرت دينيرو وآل باتشينو وجو باشي، فضلًا عن إخراجه من المخرج المرموق مارتن سكورسيزي. وقد يعود عدم الفوز بأي ترشيح إلى أن الفلم كان أطول من ثلاث ساعات وهو مخالف لشروط الأوسكار. كذلك لم تكن القصة تتحدث عن أي موضوع معاصر مناسب، وأيضًا تصنيفه فلمَ عصابات وجريمة ربما ساهم في إبعاده عن الفوز.

وبينما كان العالم يخرج من معتركه وسكونه بعد جائحة كورونا، وما تركته من آثار على مختلف الصناعات ومنها السينما، كان هناك نهم كبير من قبل نتفليكس فدخلت الأوسكار لعام 2021م بمجموعة كبيرة من أفلامها الدرامية والوثائقية. حصدت أفلامها الدرامية 28 ترشيحًا وفازت بأربع جوائز، كما فازت أفلامها الأخرى بثلاث جوائز بينها جائزة أفضل فلم وثائقي طويل. ونلاحظ هنا أن نتفليكس تنجح في الأفلام الوثائقية أكثر من الدرامية، وهذا يعكس إلى حد كبير مقدار الحرية التي تعتمدها في إنتاج هذه الأفلام، وكذلك كمية الضخ المالي الكبير مقارنة بإنتاج فلم وثائقي تقليدي بالنسبة لأي شركة إنتاج صغيرة أو شبكة تلفزيون.

الجائزة الأهم تفلت مجددًا

في عام 2022م، دخلت نتفليكس بزخم كبير من الأفلام الدرامية، وكأن لسان حالها يقول: “لا بد أن أفوز بأفضل فلم هذا العام”. في نهاية الأمر، حصدت 27 ترشيحًا، لكنها خرجت في النهاية بفوز وحيد لفلم “قوة الكلب” (The Power of the dog) عن فئة أفضل مخرج، فيما خسرت الجائزة الأهم لأفضل فِلم أمام منافستها أبل تي في بلس.

وبرغم كثرة هذه الترشيحات، دار نقاش حول أن الأفلام في مجملها تلبس قبعة أفلام التلفاز مما أفقدها حيويتها، وأن طريقة تصويرها والمعدات المستخدمة أقل من مواصفات السينما العالمية في أحيان كثيرة. أيضًا انتقد البعض الأفلام من جهة أن هناك إسهابًا واضحًا ضمن السيناريو يصيبك بالملل أثناء المشاهدة، بحيث يمكنك التوقف في لحظة ما والانتقال إلى فلم آخر أو مسلسل. وقال آخرون إن نتفليكس تجلب الأسماء الكبيرة لتعزيز حضورها، لكن أفلامها لا تنجح لأنها تبدو مصطنعة ومُفصلة للممثل أو الممثلة فقط.

العام 2023م كان حلقة مُعادة ولم يأتِ بجديد من هذه الناحية، فترشيحات نتفليكس بلغت 16 ترشيحًا، فيما ذهبت أحلام جائزة أفضل فِلم أدراج الرياح. والسؤال هنا: لماذا هذا الصراع بين الأوسكار أو بعض أعضاء الأوسكار ونتفليكس؟

يُرجَّح أن السبب يعود إلى أن الأغلبية العظمى من الأعضاء لا يعتبرون نتفليكس مؤهلة للمنافسة، لأنها ليست شركة إنتاج فعلية مثل بقية الشركات القائمة، كـ “ديزني” و”وارنربروذرز” وغيرها من الأستوديوهات المعروفة والعريقة. ويرفض العديد من المخرجين المخضرمين العالميين، أمثال ستيفن سبيلبرغ وكوينتن تارينتينو وجورج لوكاس وغيرهم، السماح لأفلام نتفليكس بالترشح للأوسكار من الأصل، نظرًا لأنها كما يرون لا تتبع الشروط الواجبة لذلك، ولأنها منصة تلفزيونية أكثر من كونها سينمائية. نستشهد مثلًا بكلام المخرج والمنتج السينمائي الأمريكي ستيفن سبيلبرغ الذي يقول: “بمجرد التزامك بتنسيق تلفزيوني، فأنت تنتج فلمًا تلفزيونيًا. إذا كان ذلك عرضًا جيدًا، فأنت بالتأكيد تستحق جائزة «إيمي»، ولكن ليس الأوسكار”.

وربما يرتبط الأمر بتخوف الأعضاء الشديد من أن تتويج نتفليكس بالأوسكار سيكون بمثابة الإعلان الحتمي عن نهاية السينما الحقيقية التقليدية وموتها. وقد يكون الخطر الحقيقي المبطَّن الذي يخشونه هو أن نتفليكس تريد استقطاب الممثلين والمخرجين والمنتجين والكُتاب العالميين للعمل معها مما قد يسحب البساط من الشركات آنفة الذكر.

لا شك أن بإمكاننا اعتبار نتفليكس وأمثالها من منصات الخدمة المفتوحة مرحلة ضمن مراحل التطور التقني الذي نراه ونعيشه بشكل شبه يومي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها مهيَّأة فعليًا للمنافسة بشكل حقيقي على الأوسكار، وأغلب ما تحقق حتى الآن لهذه المنصات من فوز جاء ضمن تصنيفات متوسطة أو بسيطة. كما أننا بملاحظة الأفلام التي ترشحت سابقًا، نستطيع أن نستنتج أنها لا يمكنها تحقيق مدخول فعلي على شباك التذاكر. ومن المؤكد أن العامل النفسي قد يلعب دورًا، فبمجرد أن يعلم المشاهد أن نتفليكس هي من أنتجت الفِلم ربما انتابه شعور بعدم جودة المنتج مهما كان حجم الدعاية المعلنة، لا سيما أن الملمّين بمحتوى أفلامها وجودتها قد يتشكّل لديهم انطباع بأنها مميزة للمشاهدة ضمن جدران المنزل لكن ليس في السينما. 

لدى نتفليكس فلم مغامرة هو “الرجل الرمادي” (The Gray man)، من بطولة راين غوسلينغ وكريس إيفانس وآن دي آرماس، ورغم أنها رصدت له ميزانية تُقدر بـ200 مليون دولار لكنه لم يُعرض في صالات السينما. وبرأيي الشخصي كانت تلك غلطة من نتفليكس، فالفلم كان سيحقق لها عائدًا ممتازًا بالنظر إلى فئة المشاهدين الذين يرغبون بمشاهدة مثل هذه الأفلام في السينما لا في المنزل. ربما على نتفليكس وغيرها من الشركات التي تقدم خدمة المشاهدة في المنزل أن تفكر في كيفية وضع إستراتيجية حقيقية لإنتاج أفلام مخصصة للسينما تُعرض بعدها على منصاتهم، وليس العكس.


مقالات ذات صلة

يتخذ المعتزل هيئة البعيد عن الجماعة، رافضًا متبرئًا من خطاياها ونواقصها، يهندس عزلته ويأسه بعيدًا عن ثقافتها. وقد يبدأ من أصغر حلقات المجتمع، فيسفّه الانخراط فيها، وينأى عن مواصلة الوجود عبر سلالتها، برفض الزواج أو الخروج على الأسرة.

قبل عدة عقود من تاريخنا الوطني، وقع حدثان مختلفان في الشكل، متكاملان في الدلالة. يتحقق بُعده الفلسفي بشروط ثلاثة أساسية كلها، فلا بُدَّ من أن يكون غير متوقع، وأن يكون أثره عميقًا وشموليًا.

بداية، إن غياب القصة القصيرة عن الواجهة الإعلامية في المملكة لا يعني غيابها عن الواقع الأدبي، فهي حاضرة بقوة ومستمرة بغزارة. وفي مقابل الأسماء التي توقفت عن كتابة القصة القصيرة أو تحولت إلى الرواية، ظهرت أسماء جديدة تفوق في عددها أولئك، واستمر عدد من الكتاب السابقين في مواصلة إنتاجهم، فزاد حجم المنتج من المجموعات القصصية بصورة موازية ومقاربة لحجم المنتج الروائي.


0 تعليقات على “نتفليكس والأوسكار والصراع المحتدم”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *