مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2020

نعم لدينا مسرح.. نعم لدينا جمهور


سلطان بن عبد الرحمن البازعي
الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح وفنون الأداء

هل لدينا مسرح؟ .. سؤال استنكاري كنت أطرحه قبل أن أتصل مباشرة بعالم المسرحيين السعوديين حينما توليت مسؤولية جمعية الثقافة والفنون، وبعد التواصل معهم أصبحت أقدِّم الإجابة للآخرين: نعم لدينا مسرح، ونعم لدينا مسرحيون، لكنه ولكنهم ينقصهم الاعتراف والتمكين.
الصدفة التي قادتني إلى جمعية الثقافة والفنون تتشابه في ظروفها مع الصدفة التي قادتني إلى هيئة المسرح وفنون الأداء، لكنهما أعادتاني إلى عشق قديم أسهم في تكوين شخصيتي منذ الطفولة في المدرسة الابتدائية. أتذكَّر المسارح البسيطة التي نبنيها من طاولات الدراسة، والستارة التي نعلِّقها كيفما اتفق ويقوم على فتحها وإغلاقها طالبان متطوعان، كما أتذكَّر النصوص البسيطة التي يختارها لنا أستاذنا من التاريخ الإسلامي، كما لا أنسى التأثير الذي نحدثه في الجمهور المكوَّن من زملائنا الطلبة وأولياء الأمور في الحفل الختامي والتصفيق الذي يقابلوننا به، حتى إن الإخفاق الذي أصابني حينما نسيت جملي الحوارية، في مسرحية شعرية عن النضال الفلسطيني قدَّمناها على مسرح معهد العاصمة النموذجي، لم ينجح في ثنيي عن مواصلة المغامرة في مواجهة الجمهور، التي تطوَّرت فيما بعد إلى مخاطبة الرأي العام عبر الصحافة.
المتعة والشغف اللذان يجدهما المسرحيون في الوقوف أمام الجمهور، يقابلهما نفس درجة المتعة والشغف لدى روَّاد المسرح الذين يجلسون في مقاعدهم يترقبون دقات الخشبة الثلاث التقليدية لينفتح الستار عن عالم حي قد يرون أنفسهم فيه، وقد يفتح أمامهم آفاقاً واسعة للخيال والتفكير، والذي يولد المتعة والشغف هو هذه العلاقة التفاعلية الحية بين الخشبة والجمهور التي لا تتوفر لكثير من الفنون الأخرى ما يجعل المسرح يصنَّف في علوم الاتصال بكونه من الوسائل الساخنة.
وبالعودة إلى السؤال .. نعم كان لدينا مسرح بدأ حتى قبل محاولة الراحل أحمد السباعي الذي حصل على إذن بفتح مسرحه في مكة المكرمة، ثم ألغي هذا الإذن والتصريح قبل أن يقدِّم عرضـه الأول، وما زال جيل من السعوديين يتذكَّرون مسرحيات محمد العلي، رحمه الله، ورفاقه، التي بلغت من النضج في الكتابة والإخراج والأداء أنها ما زالت قابلة للعرض حتى اليوم، وما زال نجوم المسرح الجامعي في السبعينيات والثمانينيات الميلادية يتصدرون المشهد الدرامي حتى الآن بعد أن تحوّلوا إلى التلفزيون، لكن هذه الحالة المسرحية المتقدّمة في زمنها وظروفها لم يكتب لها أن تأخذ مسار التطور الطبيعي، وأصابتها الحالة نفسها التي أصابـت مسرح السباعي، فالذي حدث هو سحب الاعتراف والرعاية والتمكين.
ما حدث بعد ذلك هو أن المسرحيين انكفأوا على بعضهم بعضاً، يكتبون ويُخْرِجون ويمثلون بأقل قدر من الإمكانات، وأقل عدد من العروض والجماهير، لكنهم صمدوا رغم كل شيء يقدِّمون مسرحهم الفقير إنتاجياً والمحاصر بالإمكانات، التي لم يكن أقلها عدم حضور المرأة على خشبة المسرح بشكل يوازي حضورها في الحياة العامة، حتى إن جامعة الملك سعود أعرق الجامعات السعودية أقفلت شعبة لدراسات المسرح بعد سنوات قليلة من افتتاحها بحجة عدم توفر وظائف للخريجين.. والحقيقة أن الحجة المقبولة حينها والآن هي عدم نضج صناعة الثقافة بكل مناحيها.
والغريب أن السؤال الذي أصبح يطرح، هو: هل لدينا جمهور للمسرح؟ وغرائبية هذا السؤال هو أنه يشبه أسئلة مثل “هل لدينا جمهور يقرأ” و”هل لدينا جمهور يشاهد السينما”، وكل هذه أسئلة قاصرة الرؤية يثبت خللها التركيبي الأعداد الكبيرة من السعوديين التي تزور معارض الكتب المحلية والدولية، وأعدادهم التي تشغل صالات العرض السينمائي في الدول المجاورة، وكذا أعدادهم التي ترتاد المسارح في الدول العربية والعالم أو تشاهد المسرحيات المعروضة تلفزيونياً.
اليوم أصبح لدينا رؤية شديدة الوضوح ترى أن الثقافة يجب أن تكون نمط حياة، وأن الثقافة والفنون هي من أهم عناصر جودة الحياة التي يجب أن ترتكِّز عليها خططنا للتنمية الاقتصادية المنتجة، وأن الثقافة صناعة يمكن –بل يجب- أن تسهم في الناتج القومي الإجمالي بما لا يقل عن ثلاثة بالمئة بحلول عام 2030 (أعلى نسبة عالمية لم تتجاوز الخمسة بالمئة).
وهكذا أنشئت وزارة الثقافة التي بدورها أعلنت استراتيجيتها وأنشأت 11 هيئة متخصصة، وافق مجلس الوزراء على قيامها ومنحها صلاحيات وإمكانات غير مسبوقة لتنهض بقطاعات الثقافة الستة عشر التي اعتمدتها الوزارة، ومن ضمنها هيئة المسرح وفنون الأداء.
ماذا ستضيف هيئة المسرح وفنون الأداء؟
هي ببساطة مكلَّفة بثلاث مهام، هي: التنظيم والتمكين والتحفيز.. ولكم أن تضعوا تحت هذه المهام ما تتخيلون أو ما تتمنون.


مقالات ذات صلة

أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن تسمية عام 2020م “عام الخط العربي”، احتفاءً بهذا الفن وتقديراً له، ولتقديم المملكة كحاضنة للخط العربي وراعية له ورائدة في دعمه، إلى جانب تعزيز وتحفيز ممارسات الخط العربي على مستوى المؤسسات والأفراد. وتجاوباً مع هذه المبادرة، خصَّصت القافلة جلسة النقاش في هذا العدد لشأن استجد في العقود الأخيرة، ويتمثل في […]

١ التجارب الشخصية والموسيقى في التكوين المعرفي هــاني الصدير مُعَلِّم الأولويات في استقصاء المعرفة تتداخل بعضها ببعض، لعلها تكون في قطعة موسيقية أو لوحة فنية، أو تجربة ما لأحد الأصدقاء. كانت الحواس حاضرة والخيال خصباً إلى أن جاءت وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، فسهُل علينا الاستمتاع بالمعلومة وسماعها مباشرة. وفي تجربتي الشخصية، كلما قرأت مقولة لكاتب […]

كتب عربية الأسلوبية موسيقياً تأليف: نصير شمة الناشر: دائـــرة الثقافـــة والسياحـــة أبو ظبي، مشروع كلمة، 2019م تتعدَّد أهداف هذا الكتاب كما يشير مؤلفه الفنان نصير شمة، في مقدِّمته. ومنها أنه يضع الموسيقى العربية على خريطة الثقافة والفكر النقدي، من خلال مواصلة البحث في هذا الموضوع وتطويره كونه إبداعاً يحتاج إلى تنظير حقيقي يغوص في العمق، […]


2 تعليقات على “نعم لدينا مسرح.. نعم لدينا جمهور”

  • المسرح السعودي واعد جدا ويحتاج أن يتحول الى صناعة لديها التمويل الكافي والمواهب المساندة بحيث يكون المنتج بفكره وقضاياه وتقنياته بمستوى عالمي منافس. فالجمهور السعودي الذي يرتاد المسرح اقليميا وعالميا يتطلع لمستوى جودة لا يقل عما يراه في العالم. وكلنا ثقة ان المسرح بقيادة الاستاذ سلطان البازعي والأستاذ عبدالعزيز السماعيل في أيد قديرة جدا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *