مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2020

نداء الأمومة..
عن الحياة المشتاقة إلى نفسها


بثينة العيسى

كتبتُ عن الأمومة، وكتبتُ عن الكتابة، وحاولتُ ملياً أن أفهم العلاقة بين الاثنين، لينتهي بي الأمرُ إلى اختراعِ تلك العلاقة، بدلاً من العثور عليها.
الأمومة ضمناً هي حالة انفتاح على جُرح الوجود؛ إنها تعني العومَ عكس تيار شوبنهاور ونيتشه وكامو وسارتر وغيرهم من “أساتذة اليأس” بتعبير نانسي هيوستن. ولأن البشرية تمدّنت أكثر مما يجب، وتعقلنت أكثر مما ينبغي، أصبحت أسئلة الأمومة ميدان صراعٍ بين ما هو “طبيعي” وما هو “ثقافي”. بين الاستجابة لنداءٍ غامض لخلق الحياة المشتاقة إلى نفسها، بتعبير جبران، وبين رفض “إنجاب” آخرين إلى “عالم سيّئ” مليء بالمعاناةِ والحروب والأوبئة.
منذ اللحظة التي أصبحتُ فيها أمّاً، وأنا أنظر إلى سؤال الإنجاب كمن يحدّق في عينيّ ميدوسا، أحياناً أتحوّل إلى تمثالٍ حجري، يعتريني شللٌ ولا أقدرُ على الرّد، وأحياناً أرى انعكاس الحقيقة على الدّرعِ الصقيل وأرقص مع ظلها.
يلحُّ السؤال أكثر كلما عجزتُ عن حمايةِ أحد أطفالي. لقد عرفتُ أياماً مثل تلك؛ بعد إصابة ابني بجلطة دماغية قبل عام، صرتُ أضع إصبعي أسفل أنفه كلما غط في النوم، لأتأكد بأنه ما زال حياً، وكنتُ أخاف أن يستيقظ وفيه أجزاءٌ أخرى لا تتحرّك. لقد عرفتُ هذا الخوف، وأظنني صاحبتُه، وعرفتُ ذنبَ الأمومة كونها قاصرة دائماً، ولكنها قصة البشرية على أيّة حال؛ أن الأمومة لا تكفي، وبتُّ أؤمن بأن الحكمة تكمن في تحسّس الحد.
لقد امتلأ رأسي بأصوات أساتذة اليأسِ، وامتلأتُ بالذنب حتى كتبت عن جرحِ الأمومة؛ “عائشة تنزل إلى العالم السفلي”، و”خرائط التيه”. لقد كتبتُ لكي أنظر إلى عينيّ ميدوسا، ولأرقص معها، ولم أنجح مرة واحـدة في قطع عنقها.
لكنني ابنة الحياةِ، لا ابنة الكتب، مهما أولعتُ بها.
أذكّرُ نفسي دائماً بما هو أساسيّ؛ عندما يدور الصراع بين الطبيعة والثقافة، إلى أيّهما أريد أن أنحاز؟ ولستُ هنا أنحازُ إلى طرفٍ بالمطلق، لكن عندما يتعلق الأمر بالإنجاب، بتلبية نداء الحياة المشتاقة إلى نفسِها، فإن الأمر لا يبدو شديد التعقيد.
لقد سمعتُ الصوت في داخلي؛ وقلتُ نعم. إنها حالة روحية، ميتافيزيقية، يسهل تفنيدها بحجج العقل.
عندما أفكر في سؤال الإنجاب أجدني مخيرة بين نموذجين؛ الأول يائِس، مقذوف في العالم، وحيد وغاضب. يشبه شوبنهاور، يشبه سارتر، حيث الآخرون هم الجحيم والكائن وحيد ومعطوب إلى الأبد.
الثاني هو الطبيعة بصفتها أمّاً، واهبة الحياة وكاهنة الموت، إنه نموذج الشجرة التي تزهر لأنها تزهر. 
إن الأمَّ في داخلي تنتمي إلى ذلك العالم الذي لم تلوّثه الفلسفة الغربية؛ إنه عالم سحيق القدم، ينتمي إلى الغابات والينابيع والصحارى، يشبه اخضرار العشب وتلوّن الشفق، إنه نموذج يُخترع فيه المعنى كل يوم بدلاً من البكاءِ على غيابِه.
الكتابة كحالة ثقافية، والأمومة كحالة طبيعية، كانتا في حواريةٍ متواصلة في داخلي، منذ أن أنجبتُ بكري.
وبسبب أسئلة الكتابة؛ كنتُ أضع الأم على كرسيّ الاعتراف وأجلدها بأسئلة الوجود. وبسبب الأمومة، أصبحت الكتابة عندي حالة عضوية؛ “مثل مطرٍ على جبلٍ تصدّع من تفتّحِ عشبةٍ”، بتعبير درويش.
إن الإحساس بالذنب، على ما يبدو، هو جزءٌ عضوي من الأمومة طالما أننا خاضعون لهيمنة الفلسفات الغربية القائمة على فكرة إخضاع الطبيعة، والسيطرة على العالم، والخوف من الموت.
نحتاج أن نتذكّر أن هناك ثقافات أخرى؛ الفلسفات الشرقية بعمومها، الأديان، المجتمعات الأمومية في إفريقيا والمكسيك وقبائل الأمريكيين الأصليين، حضارة الهلال الخصيب قبل انقلاب جلجامش على عشتار. وببساطة شديدة؛ الغابة، الصحراء، البحر، الظباء، الذئاب، الورد. الطبيعة كمعلّم لا يكف.
تقولُ كلاريسا بينكولا إستي بأن الثقافة هي عائلة العوائل؛ Culture is the family of families. إن ثقافة مريضة تعني مجتمعات مريضة، والنظر إلى الحياة بصفتها ورطة، أو جحيم.. هي ثقافة رائجة في أوساط المثقفين. ويبدو هذا الموقف مثل نقيضٍ للموقف الشعبوي غير المتسائل وغير المتفلسف أصلاً. لكنَّ هناك طريقاً ثالثاً، وأريد أن أسلكه.
هذا صحيح.. لا أجدُ نفسي على نفس الضفــة مع نيتشه وشوبنهاور وسارتر، بل على الضفة الأخــرى؛ حيث الغابة، حيث الحياة المشتاقـة إلى نفسهــا، وحيثُ الحُب.


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “نداء الأمومة..”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *