مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
2024

مهرجان الرياض الأول للمسرح

خطابات ومقترحات فنية متنوعة


د. سامي عبداللطيف الجمعان

 كشفت عروض مهرجان الرياض للمسرح في نسخته الأولى عن حيوية تدّب في المسرح السعودي من خلال التنوع الكبير في الموضوعات والخطابات والمدارس الإخراجية. وهي بداية موفقة للمهرجان الذي أقيم في الفترة بين 13 و24 ديسمبر 2023م، والذي نظَّمته هيئة المسرح والفنون الأدائية، وقد تنافست فيه عشر مسرحيات قدَّمتها كيانات مسرحية مختلفة، منها فرق مسرحية وجمعيات ثقافية وغير ذلك.

التنوع الكبير في المدارس المسرحية الإخراجية أغنى المهرجان، ومنح عدد من العروض الجانب الموسيقي الاستعراضي مساحة جيدة. وقد أبرزت المقترحات الفنية المتعددة تباين الخطابات المسرحية؛ إذ تبنى بعضها الخطاب التاريخي، والبعض الآخر الخطاب الشعبي، وهناك الخطاب الأسطوري والتعبيري والنفسي، وهناك من تبنى الخطاب النسوي. ولم يغب عن هذه المسرحيات التنافس في الجانب التقني؛ فثمة عروض اعتنت بالمشهدية البصرية واحتفت بالرقمية، فكانت أقرب إلى الصور السينمائية المدهشة، مما منح التنوع الفني بُعدًا جديدًا.

ولعلها مهمة صعبة تقديم المسرحيات العشر في عُجالة، ألتزم فيها بتسلسل العروض في جدول المهرجان. علمًا أن هذه القراءة تشكّل تصورًا موضوعيًّا قدر المستطاع، ينطلق من مواكبتي الشخصية لهذه العروض منذ أن قُدمت مشاريع على ورق، ثم في مرحلة عرضها للمشاهدة من أجل الترشيح، وصولًا إلى تلقيها مع الجمهور، ويساعد على ذلك ترؤسي لجنة الفرز والمشاهدة في المهرجان.

طليعة هجر

انطلق المهرجان بمسرحية “طليعة هجر” التي تطرح قضية اجتماعية مرتبطة بالجذور وبالأرض وبالهوية، وتتخذ من بيئة هجر، وهو الاسم القديم لمدينة الأحساء، فضاءً لدوران أحداثها. لكن هذا العرض تميَّز بقوة السينوغرافيا، بل طغيانها على كل شيء، خاصة في المناظر والأزياء والإضاءة، فجعلت العناصر الثلاثة قوة طغى حضورها على بقية العناصر، التي لم تستطع منازلة قوة الصورة، فظهرت باهتة. علمًا أن الشخصيات المسرحية كانت على مستوى البناء الدرامي جيدة، بيْدَ أن الحدث الدرامي لم يمكنها من إحداث التأثير اللازم.

الحقيقة أن هناك ما يمكن أن يُقال في مشهدية هذه المسرحية، التي بدت لي متأثرة بشكل واضح بالفِلم السينمائي الهوليودي الشهير “أفاتار” (Avatar)، واتضح ذلك من خلال الألوان المُستخدمة والحالة الفنتازية العامة، ثم إن بعض المشاهد تعيدنا بشكل أو بآخر إلى مشاهد هذا الفِلم.

صفعة

مسرحية “صفعة” تقدّم شخصية المُهَمّش البسيط حين يتورط مع السلطة. فهذه الشخصية تعيش في إحدى القرى، وتمتهن دبلجة الأصوات في أفلام الكرتون، وفجأة تطلب منه جهة ما تقليد صوت إحدى الشخصيات المهمة في القرية، الأمر الذي يورطه في قضية أكبر من حجمه ومقدرته وظرفه الاجتماعي كرجل ساذج وبسيط.

في هذا العرض يجب الحديث عن الرؤية الإخراجية بوصفها مؤشرًا استثنائيًا، نظرًا لإجادة المخرج صناعة عرض يقدم كوميديا سوداء ملهمة وبحس عالٍ، فضلًا عن استخدام المناظر ذات البُعد الرقمي، واستخدام أيقونات “الإيموجي” الشهيرة في السوشيال ميديا كعلامات لها دلالات متعارف عليها. لذلك، فإن أفضل المناهج النقدية الحديثة لتحليل مثل هذا العرض، هو المنهج السيميائي أو العلاماتي بالنظر إلى الكم الهائل من العلامات الدالة على مستوى الأزياء والإطارات المتحركة والجداريات. وهنا لا بد من القول إن دقة الإخراج في هذا العرض ساندت عناصره الأخرى، ودعمت حضور الطاقات التمثيلية الرشيقة، خاصة فيما يُسمَّى بفن “الكاراكتر”، وهذه مسألة صعبة الإجادة في التمثيل المسرحي؛ لأن صناعة “الكاراكتر” مرحلة متقدمة في الأداءات المسرحية.

بحر

ننتقل إلى مسرحية “بحر” التي عادت بنا إلى زمن الغوص وصيد اللؤلؤ في منطقة الخليج العربي، وتعبر عن هذه المرحلة بحكاية الشاب “بحر” أو النهام بحر وحبه لنورة ابنة النوخذة بوصقر، لنكون في مواجهة الطبقية الاجتماعية منذ الوهلة الأولى في المسرحية، حين كان البحارة في الخليج مجرد عمالة لدى صاحب السفينة أو ما يُسمَّى بالنوخذة؛ فتأخذ الأحداث مسارًا تراجيديًّا مُوجعًا حين نكتشف أن “بحرًا” شاب لقيط، والفاجعة أنه من صلب النوخذة بوصقر والد نورة في لحظة طائشة. وتتعقد الأحداث حين يستغل النوخذة المنافس لأبي صقر الفرصة ليبتزه ويشترط عليه تزويجه من ابنته نورة ثمنًا لسكوته عن سر “بحر”.

عرض “بحر” يحتفي بالحكاية في صورتها الأرسطية الممتدة في بداية وأزمة ونهاية، أو لنقل المسرحية التقليدية في حبكتها، إلا أن المعالجة الإخراجية والسينوغرافية أخذت العرض إلى مستويات أعلى. فالتشكيل البصري السينوغرافي ابتعد عن تصوير السفينة تصويرًا مباشرًا، فجعلها عبارة عن كتل في مستويات تنتظم فيها الأحداث التي تجري في البحر والقرية. كما جعلها منصة للأداءات الغنائية الشعبية، ووضع في جوف هذه الكتل مربعًا يحيل إلى صندوق أسرار البحارة؛ فأي حدث ينطوي على سر ما، كان هذا الصندوق مسرحًا له. وهي حيلة سينغوغرافية مقنعة إلى حد بعيد.

يميز هذا العرض الانتظام الإيقاعي الدقيق. والإيقاع، كما نعرف، هو روح العرض المسرحي وعموده الفقري، وقد حافظ العرض على التسلسل المنطقي للأحداث بزمنية واعية. كما أن التمازج بين المشاهد الغنائية والمشاهد الحوارية، كان تمازجًا رشيقًا صنع حالة فرجوية مدهشة.

مسرحية ضوء.

ضوء

ننتقل إلى مسرحية “ضوء” التي تسودها العتمة، انطلاقًا من أن فكرتها تتأسس على رحلة بحث عن ضوء أو مساحة حياتية أخرى لشخصيتي “س” و “ص” المجهولتين، الباحثتين عن الذات التائهة في عتمة دائمة، فيحدث أن يصل “س” قبل “ص” إلى مصدر الضوء، ويصبح ممتلئًا به، فيحاول أن يُشعل في “ص” رغبة جامحة في مواصلة البحث.

هذا العرض يشكّل منظومة متواصلة لفرقة الطائف المسرحية، التي اعتادت هذا التوجه في عروضها المسرحية حتى أصبحت سمة سائدة في توجهها المسرحي، عبر تعبيرية النص النابضة بالسجال والجدل، تعاضدًا مع حركة الإيقاع الإخراجي المنتظم.

دوار مغلق

وتأتي مسرحية “دوار مغلق” بوصفها تجربة مسرحية شبابية تسعى لإثبات وجودها في الحيز المسرحي السعودي، وتعبر عن مجموعة شخصيات شابة تعيش في مكب للنفايات خارج المدينة. فيشهد هذا الفضاء المهمش على طرف المجتمع، صراعًا بين الشخصيات من أجل إثبات وجودها، بيْدَ أن هذه المحاولات لا تتحقق.

هذا العرض واجهته صعوبات عديدة على مستوى الرؤية الإخراجية أو حتى السينوغرافية، التي لم تؤدِ الغرض منها على الوجه الأكمل، فكانت بحاجة إلى استثمار درامي مُوحٍ. وقد يُشار في هذا العرض إلى الطاقات التمثيلية الجيدة التي ينتظرها مستقبل جيد.

ذاكرة الشيطان

تحضر قضية العنف الأسري عبر مسرحية “ذاكرة الشيطان”، التي لعبت بطولتها فنانة سعودية هي فاطمة الخلف، وكان حضورها طاغيًا، كما أن هذا العرض قدّم مخرجة سعودية شابة هي سماح الغانم، فضلًا عن لعب المسرحية على أوتار القضية النفسية؛ إذ تحاول الفتاة المأزومة الانتحار تحت عجلات القطار جراء الضغوط الحياتية والعنف الأسري. والمفارقة الدرامية هنا، أن الذي ينقذها من اليأس متشرد يعيش وحيدًا على أطراف محطة القطار؛ لذا لن نغفل التنويه بجمالية اللعبة المسرحية المنسجمة في عناصرها السينوغرافية والأدائية، الأمر الذي ساعد فيه إيقاع مسرحي أنيق ومقنع.

مسرحية الحِجر.

الحِجر

“هيغرا” أو “الحجر”، مسرحية تأخذنا إلى التاريخ، فتقدم للمتلقي قصه الحجر أو ما يُعرف بمدائن صالح. وهو العرض الوحيد في المهرجان الذي يحيل إلى حادثة تاريخية بشكل مباشر، إلا أن هذه الحادثة عولجت معالجة فنية كسرت حاجز سرديتها التاريخية. ومن الحيل التي لجأ إليها المخرج كي يخفف من وطأة الحس التاريخي، تلك اللوحات الموسيقية الاستعراضية، وأيضًا سرعة التحولات الدرامية المنطوية على التشويق. ونحسب أن المخرج والسينوغراف كانا حصيفين حين لعبا على الصورة باستخدام المناظر المتحركة بألوانها الزاهية التي تحيل إلى التاريخ ولا تحيل في الآن نفسه. كما اعتنى العرض بالأزياء حد الإبهار، فالأزياء فيه كانت بطلًا حاضرًا في تصميمها وإتقان تنفيذها، وهذا ملمح يجب التوقف عنده على أنه إشارة إلى أن العروض في معظمها تعاطت مع الأزياء كمكون أساسي لا يجب الاستهانة به.

ذاكرة صفراء

المعالجة النفسية لم تغب عن عروض المهرجان، لكنها بدت واضحة بشكل لافت في مسرحية “ذاكرة صفراء” بدورانها في زمان ومكان غير محددين، من خلال الشاب “أنسي” الذي انعكست عليه آثار الحرب وأصيب بتشوه في وجهه ورجله، وهو الرسام المنزوي عن الناس إلى الحد الذي جعل ذاكرته تفرض عليه وهمَ اللقاء بشخصيات لم يرها في الأصل، وخاصة تلك الفتاة التي توهم مقابلتها.

هذا العرض أشبه ما يكون بلعبة أدائية بين الشخصيات الأربع: أنسي وصديقه والفتاة والأب. ويمكن أن يسجل على هذا العرض رغم جودته وتجربته اللطيفة، وقوعه في فخ التكرار وتراخي الإيقاع في بعض مشاهده. كما أن اللعبة المسرحية الرئيسة في هذا العرض قائمة على الوهم؛ فلم تتضح أسرارها بشكل جلي أمام المشاهد. في الوقت نفسه، يصعب إغفال قوة الأداء التمثيلي والحرفية التي أبداها كُميل العلي ومحمد محسن ونيار عبدالعزيز.

بائع الجرائد

تتناول مسرحية “بائع الجرائد”، التي يمكننا وضعها في إطار المسرح الدرامي والاستعراضي، قضية ذات توجه مسرحي، أو كما تُسمَّى بتقنية “مسرحية داخل مسرحية” عبر جملة من المهمشين الكادحين الذين قمعوا مواهبهم من أجل لقمة العيش، وعاشوا مشتتين بين طموح الموهبة التمثيلية وسد جوعهم وجوع أبنائهم.

وقع هذا العرض في إشكالية كبرى على المستوى الفني حينما جرى “تمطيط” أحداثه بصورة غير منطقية، على عكس ما كان عليه في مرحلة المشاهدة، فقد كان عرضًا متقنًا ومقننًا على المستوى الزمني والرؤيوي؛ لنتفاجأ بعرض آخر في المهرجان حين تبدل الديكور وتمددت الأحداث واختلفت قوة الإضاءة، لكن إلى الأسوأ بكل أسف، وهو من العروض القليلة التي تطرح إشكاليات المسرح والمسرحيين، وتناقش العلاقة الجدلية بين الجمهور والعروض المسرحية.

الظل الأخير

أخيرًا، نناقش فنيًّا مسرحية “الظل الأخير”، التي ركزت على طرح الأسئلة دون تقديم إجابات، وكأنها تريد أن تصل بنا إلى فكرة أن الحياة مليئة بالأسئلة، التي تلفت الأنظار إلى القلق الدائم في حياة البشر. ركَّز العرض على السينوغرافيا تركيزًا واضحًا ومحاكاة للعرض المسرحي الأجنبي. لكنه أضاف أبعادًا أخرى للصورة المشهدية عبر تلك الجدائل الحبلية المتدلية من أعلى إلى أسفل. وطاقة السينوغرافيا كانت كبيرة جدًا حد التغول على باقي عناصر العرض إلى درجة لم نشهد فيها للممثلين حضورًا لافتًا كهذا، أو أثرًا باقيًا في أنفسنا كمتلقين، فضلًا عن التركيز على قوة تدلي الإضاءة وحركتها صعودًا ونزولًا، واستخدام فضاء مسرحي مفتوح، فكانت الصورة البصرية فرس الرهان الذي اعتمد عليه العرض.

يبقى أن هذا التنوع الفني في العروض السابقة ينم عن طموح المسرحيين ووعيهم بأدواتهم الفنية، وسنرى أثر ذلك في قادم أيام المسرح السعودي إذا ما استمر الإنتاج على هذا النحو.


مقالات ذات صلة

المقهى فضاء سوسيولوجي بامتياز كما يُقال؛ فهو مكان للتجمع المفتوح لكلّ النّاس من مختلف الأعمار، ما جعله مُلهم الأدباء وحاضن الثقافة.

وقت الاستبدال قد حان، ودورة الحظ التفتت أخيرًا!

طيران
أبي الذي لا يشبهُ الطيورَ
ليسَ يشبهُ الرياحْ
ورغم هذا
طارَ للسماءِ دونما جناحْ!…


0 تعليقات على “مهرجان الرياض الأول للمسرح”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *